الى اجزاء البحار

الى المكتبة الهاشمية

الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 20

 بسمه تعالى
بحار الانوار مجلد: 20 من ص 1 سطر 1 الى ص 9 سطر 6
[ 1 ]
بسم الله الرحمن الرحيم

11 . * ( باب ) *
* ( ذكر جمل غزواته وأحواله صلى الله عليه وآله بعد غزوة ) *
* ( بدر الكبرى إلى غزوة احد ) *
الآيات : الحشر " 59 " : كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم
عذاب أليم 15 .
تفسير : قال الطبرسي رحمه الله : أي مثلهم في اغترارهم بعددهم وقوتهم ، و
بقول المنافقين " كمثل الذين من قبلهم " يعني المشركين الذين قتلوا ببدر ، وذلك
قبل غزاة بني النضير بستة أشهر عن الزهري وغيره ، وقيل : إن الذين من قبلهم
قريبا هم بنو قينقاع عن ابن عباس ، وذلك أنهم نقضوا العهد مرجع رسول الله صلى الله عليه وآله
من بدر ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخرجوا ، وقال عبدالله بن أبى : لا تخرجوا
فإني آتي النبي صلى الله عليه وآله فأكلمه فيكم ، أو أدخل معكم الحصن ، فكان هؤلآء أيضا
في إرسال عبدالله بن أبي إليهم ثم تركه نصرتهم كأولئك ( 1 ) " ذاقوا وبال أمرهم "
أي عقوبة كفرهم " ولهم عذاب أليم " في الآخرة ( 2 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : ثم ترك نصرتهم كاولئك .
( 2 ) مجمع البيان 9 : 264 .
[ 2 ]
1 - قب ، عم : لما رجع ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة من بدر لم يقم بالمدينة
إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه ، يريد بني سليم ، حتى بلغ ماء من مياههم يقال له :
الكدر ، فأقام عليه ثلاث ليال ، ثم رجع إلى المدينة ، ولم يلق كيدا ( 2 ) ، فأقام
بها بقية شوال وذا القعدة ، وفادى في إقامته جل أسارى بدر من قريش .
ثم كانت غزوة السويق ( 3 ) ، وذلك أن أبا سفيان نذر أن لا يمس رأسه من
جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وآله فخرج في مائة ( 4 ) راكب من قريش ليبر يمينه حتى
إذا كان على بريد من المدينة أتى بني النضير ليلا ، فضرب على حي بن أخطب بابه
فأبى أن يفتح له ، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم ، وكان سيد بني النضير ، فاستأذن
عليه فأذن له وساره ( 5 ) ، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه ، وبعث رجالا
من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية يقال لها : العريض فوجدوا رجلا من الانصار ( 6 )
وحليفا له فقتلوهما ، ثم انصرفوا ، ونذر ( 7 ) بهم الناس ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله
في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر ورجع وقد فاته أبوسفيان ، ورأوا زادا من أزواد
القوم قد طرحوها يتخففون منها للنجاء ( 8 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) الفاظ الحديث لاعلام الورى ، واما المناقب ففيه اختلافات يطول ذكرها فنقتصر بذكر
ما يهم .
( 2 ) يقال له غزوة بنى سليم .
( 3 ) في المناقب : وفي ذى الحجة غزا غزوة السويق وهو بدر الصغرى : ماء لكنانة ، و
كان موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية ايام وقيل : غزوة السويق ،
لان أبا سفيان كان نذر .
( 4 ) في السيرة والامتاع : في مائتى راكب . وزاد في الثانى : وقيل : في اربعين راكبا .
( 5 ) ساره : أى كلمه بسر . وفي السيرة : فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس .
( 6 ) في الامتاع : وهذا الانصارى هو معبد بن عمرو وفيه : ان القاتل أبوسفيان نفسه ،
وفيه : وحرق بيتين بالعريض وحرق حرثا لهم .
( 7 ) أى علموا واستعدوا لهم .
( 8 ) في المصدر : للنجاة . وفي السيرة : للنجاء .
[ 3 ]
( وكان فيها السويق فسميت غزوة السويق ، ووافقوا السوق وكانت لهم تجارات ( 1 ) )
فقال المسلمون حين رجع رسول الله صلى الله عليه وآله بهم : يا رسول الله صلى الله عليه وآله أنطمع بأن تكون ( 2 )
لنا غزوة ؟ فقال صلى الله عليه وآله : نعم .
ثم كانت غزوة ذي أمر بعد مقامه بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم مرجعه
من غزوة السويق ( 3 ) ، وذلك لما بلغه أن جمعا من غطفان قد تجمعوا يريدون أن
يصيبوا من أطراف المدينة ، عليهم رجل يقال له : دعثور بن الحارث بن محارب ، فخرج
في أربعمائة رجل وخمسين رجلا ومعهم أفراس وهرب منه الاعراب فوق ذرى
الجبال ، ونزل صلى الله وعليه وآله ذا أمر وعسكر به ، وأصابهم مطر كثير ، فذهب رسول الله صلى الله عليه وآله
لحاجة فأصابه ذلك المطر فبل ثوبه ، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وادي أمر بينه وبين
أصحابه ، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها ، و
الاعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقالت الاعراب لدعثور و
كان سيدهم وأشجعهم : قد أمكنك محمد وقد انفرد من بين أصحابه حيث إن غوث
بأصحابه لم يغث حتى تقتله فاختار سيفا من سيوفهم صارما ثم أقبل مشتملا على
السيف حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه واله بالسيف مشهورا ، فقال : يا محمد من يمنعك
مني اليوم ؟ قال : الله ، ودفع جبرئيل في صدره فوقع السيف من يده ، فأخذه رسول -
الله صلى الله عليه وآله وقام على رأسه فقال : من يمنعك مني ؟ قال : لا أحد ، وأنا أشهد أن لا
* ( هامش ) * ( 1 ) لم نجد في المصدر ما وضعناه بين الهلالين بل هو موجود في المناقب ، والظاهر ان
المصنف أدخل حديث المناقب في حديث اعلام الورى ، والموجود في المناقب : فخشى أبوسفيان
منه فالقى ما معه من الزاد والسويق ، فسميت اه .
( 2 ) في المصدر : أن تكون . وفي السيرة : أتطمع لنا أن تكون غزوة ؟
( 3 ) في المناقب : سنة ثلاث في صفر غزوة غطفان . وقال ابن هشام في السيرة : فلما رجع
صلى الله عليه وآله من غزوة السويق اقام بالمدينة بقية ذى الحجة أو قريبا منها ، ثم غزا نجدا يريد
غطفان وهى غزوه ذى أمر : وأقام بنجد صفرا كله او قريبا من ذلك ورجع إلى المدينة . وذكر
المقريزى في الامتاع : 110 انه خرج في يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الاول على رأس خمسة
وعشرين شهرا في قول الواقدى انتهى . أقول : ذو امر : من ناحية الخيل بنجد من ديار غطفان .
[ 4 ]
إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا ، فأعطاه رسول الله
صلى الله وعليه وآله سيفه ، ثم أدبر ، ثم أقبل بوجهه ، ثم قال : والله لانت خير
مني ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا أحق بذلك ( 1 ) ، فأتى قومه ، فقيل له : أينما كنت
تقول وقد أمكنك والسيف في يدك ؟ قال : قد كان والله ذلك ، ولكني نظرت إلى
رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري ، فعرفت أنه ملك ، وشهدت أن
محمدا رسول الله ، والله لا أكثر عليه ، وجعل يدعو قومه إلى الاسلام ونزلت هذه
الآية : " يا أيها الذين ( 2 ) آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم
أيديهم فكف أيديهم عنكم " الآية ( 3 ) .
ثم كانت غزوة ( 4 ) القردة ( 5 ) : ماء من مياه نجد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله زيد بن
حارثة بعد رجوعه من بدر إلى المدينة بستة أشهر ( 6 ) فأصابوا عير القريش على القردة
فيها أبوسفيان ومعه فضة كثيرة ، وذلك لان قريشا ( 7 ) قد خافت طريقها التي
كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر ، فسلكوا طريق العراق ، واستأجروا
رجلا من بكر بن وائل يقال له : فرات بن حيان يدلهم على الطريق ، فأصاب زيد بن
حارثة تلك العير وأعجزته الرجال هربا .
وفي رواية الواقدي : أن ذلك العير مع صفوان بن أمية ( 8 ) ، وأنهم قدموا
* ( هامش ) * ( 1 ) منك خ ل .
( 2 ) المائدة : 11 .
( 3 ) في الامتاع : وعاد صلى الله عليه وآله إلى المدينة فكانت غيبته احد عشرة ليلة .
( 4 ) أراد سرية زيد بن حارثة . والمتداول في السير التعبير بالغزوة في حروب حضرها
النبى صلى الله عليه وآله بنفسه ، وبالسرية فيما كان لم يحضر .
( 5 ) والقردة : من ارض نجد بين الربذة والغمرة ناحية ذات عرق .
( 6 ) في الامتاع : سار [ أى زيد ] لهلال جمادى الاخرة على رأس سبعة وعشرين شهرا .
( 7 ) في المصدر : وذلك ان قريشا .
( 8 ) اختار الاول ابن إسحاق على ما في سيرة ابن هشام 2 : 429 ، واختار الثانى المقريزى
في الامتاع : 112 وقال في شرح ذلك : نكب صفوان بن امية عن الطريق ، وسلك على جهة العراق
[ 5 ]
بالعير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأسروا رجلا أو رجلين ، وكان فرات بن حيان أسيرا
فأسلم فترك من القتل .
ثم كانت غزوة بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوال ( 1 ) على رأس عشرين
شهرا من الهجرة ، وذلك أن رسول الله جمعهم وإياه سوق بني قينقاع ، فقال لليهود :
احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من قوارع الله فأسلموا فانكم قد عرفتم نعتي
وصفتي في كتابكم ، فقالوا : يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قومك فأصبت منهم ، فإنا
والله لو حاربناك لعلمت أنا خلافهم ، فكادت تقع بينهم المناجزة ( 2 ) ، ونزلت فيهم
" قد كان لكم آية في فئتين التقتا " إلى قوله : " أولي الابصار ( 3 ) " .
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله حاصرهم ستة أيام ( 4 ) حتى نزلوا على حكمه ،
* ( هامش ) * يريد الشام بتجارة فيها أموال لقريش ، خوفا من رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعترضها ،
فقدم نعيم بن مسعود الاشجعى على كنانة بن أبى الحقيق في بنى النضير فشرب معه ، ومعهم سليط
ابن النعمان يشرب ، ولم تكن الخمر حرمت ، فذكر نعيم خروج صفوان في عيره وما معهم
من الاموال ، فخرج سليط من ساعته واخبر النبى صلى الله وعليه وآله ، فارسل زيد بن الحارثة في
مائة راكب فأصابوا العير واقلت اعيان القوم فقدموا بالعير فخمسها رسول الله صلى الله عليه وآله
فبلغ الخمس عشرين الف درهم ، وقسم ما بقى على أهل السرية .
( 1 ) زاد في الامتاع : وقيل في صفر سنة ثلاث ، وجعلها محمد بن اسحاق بعد غزوة قرارة
الكدر انتهى . أقول : ظاهر ابن هشام في السيرة انها بعد غزوه فرع من بحران .
( 2 ) في المصدرين : المشاجرة . وذكره ابن هشام والمقريزى في السيرة والامتاع باختلاف
في الفاظه ، وزادا : [ واللفظ من الثانى ] فبيناهم على ما هم عليه من اظهار العداوة ونبذ العهد
جاءت امرأة رجل من الانصار إلى سوق بنى قينقاع فجلست عند صائغ في حلى لها [ في السيرة :
فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت : فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ] فجاء
أحد بنى قينقاع فحل درعها من وارئها بشوكة ولا تشعر ، فلما قامت بدت عورتها فضحكوا بها
فأتبعه رجل من المسلمين فقتله [ في السيرة فقتل الصائغ وكان يهوديا ] فاجتمع عليه بنو قينقاع
وقتلوه ونبذوا العهد إلى النبى صلى الله عليه وآله وحاربوا وتحصنوا في حصنهم ، فأنزل الله تعالى
" وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء ان الله لا يحب الخائنين " .
( 3 ) آل عمران : 13 والصحيح : لاولى الابصار .
( 4 ) في الامتاع : فحاصرهم خمس عشرة ليلة .
[ 6 ]
فقام عبدالله بن أبي فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله موالي وحلفائي وقد منعوني من
الاسود والاحمر ثلاثمائة دارع . وأربعمائة حاسر ( 1 ) ، تحصدهم في غداة واحدة ؟
اني والله لا آمن وأخشى الدوائر ، وكانوا حلفاء الخزرج دون الاوس ، فلم يزل
يطلب فيهم حتى وهبهم له ، فلما رأوا ما نزل بهم من الذل خرجوا من المدينة و
نزلوا أذرعات ( 2 ) ، ونزلت في عبدالله بن أبي وناس من بني الخزرج : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " إلى قوله ( 3 ) : " في أنفسهم نادمين ( 4 ) .
2 - فس : " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ( 5 ) "
فإنها نزلت بعد بدر ، لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر أتى بني قينقاع وهم
بناديهم ( 6 ) . وكان بها سوق يسمى سوق النبط ، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : " يا
معشر اليهود قد علمتم ما نزل بقريش وهم أكثر عددا وسلاحا وكراعا منكم ،
فادخلوا في الاسلام " فقالوا : يا محمد إنك تحسب حربنا مثل حرب قومك ؟ والله
لو قد لقيتنا للقيت رجالا ، فنزل عليه جبرئيل فقال : يا محمد " قل للذين كفروا ستغلبون
وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد * قد كان لكم آية في فئتين التقتا " يعني فئة
المسلمين ، وفئة الكفار ، إنها عبرة لكم وإنه تهديد لليهود " فئة تقاتل في سبيل الله
* ( هامش ) * ( 1 ) الحاسر : الذى لا درع له .
( 2 ) في الامتاع : وأمرهم صلى الله عليه وآله أن يجلوا من المدينة ، فاجلاهم محمد بن مسلمة
الانصارى ، وقيل : عبادة بن الصامت ، وقبض اموالهم ، واخذ رسول الله صلى الله عليه وآله من
سلاحهم ثلاث قسى ، وهى الكتوم والروحاء والبيضاء ، واخذ درعين : الصغدية وفضة ، وثلاثة
اسياف ، وثلاثة ارماح ، ووجدوا في منازلهم سلاحا كثيرا وآلة الصياغة ، وخمس ما اصاب منهم
وقسم ما بقى على اصحابه ، فلحقوا باذرعات بنسائهم وذراريهم ، فلم يلبثوا الا قليلا حتى هلكوا .
( 3 ) المائدة : 51 و 52 .
( 4 ) اعلام الورى : 50 - 52 ط 1 : و 87 - 90 ط 2 مناقب آل أبى طالب 1 : 164 و 165 .
( 5 ) آل عمران : 12 .
( 6 ) النادى : مجلس القوم ما داموا مجتمعين فيه .
[ 7 ]
وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين " أي كانوا مثلي المسلمين " والله يؤيد بنصره
من يشاء " يعني رسول الله يوم بدر " ( 1 ) إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار ( 2 ) " .
3 - أقول : قال في المنتقى في وقائع السنة الثانية من الهجرة : وفي هذه السنة
كانت سرية عمير بن عدي بن خرشة إلى عصماء بنت مروان اليهودي لخمس ليال
مضين من شهر رمضان ( 3 ) ، على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة ، وكانت عصماء
تعيب المسلمين وتؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله ، وتقول الشعر ، فجاء عمير حتى دخل عليها
بيتها وحولها نفر من ولدها أيتام ، منهم من ترضعه في صدرها ، فنحى الصبي عنها
ووضع سيفه في صدرها حتى أنفذه من ظهرها ، وصلى الصبح ( 4 ) مع النبي صلى الله عليه وآله
بالمدينة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : أقتلت ابنة مروان ؟ قال : نعم ، قال : " لا ينتطح
فيها عنزان " وكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله .
وفي هذه السنة كانت غزوة بني قينقاع .
أقول : وساق القصة نحو ما مر إلا أنه قال : حاصرهم خمس عشرة ليلة ،
قال : ثم أمر بإجلائهم وغنم رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون ما كان لهم من مال ، وكان
أول خمس خمس في الاسلام بعد بدر ( 5 ) .
4 - وقال ابن الاثير : وكان الذي تولى إخراجهم عبادة بن الصامت ، ثم ساروا
إلى أذرعات من أرض الشام ، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى هلكوا ، وكان قد استخلف
على المدينة أبا لبابة . وكان لواء رسول الله مع حمزة ( 6 ) ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله
* ( هامش ) * ( 1 ) آل عمران : 12 و 13 .
( 2 ) تفسير القمى : 88 .
( 3 ) في الامتاع : لخمس بقين من رمضان .
( 4 ) في الامتاع : واتى فصلى الصبح .
( 5 ) المنتقى في مولد المصطفى : 116 ، الباب الثانى فيما كان في سنة اثنين من الهجرة .
( 6 ) زاد هنا في المصدر : وقسم الغنيمة بين أصحابه وخمسها ، وكان اول خمس اخذه
رسول الله صلى الله عليه وآله في قول .
[ 8 ]
وحضر الاضحى فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المصلى فصلى بالمسلمين وهي أول
صلاة عيد صلاها ، وضحى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله بشاتين ، وقيل : بشاة ، وكان أول
أضحى رآه المسلمون وضحى معه ذووا اليسار ( 1 ) ، وكانت الغزوة في شوال بعد بدر
وقيل : كانت في صفر سنة ثلاث جعلها بعد غزوة الكدر .
قال ابن إسحاق : كانت في شوال سنة اثنتين ، ، وقال الواقدي : كانت في محرم
سنة ثلاث ، وكان قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله اجتماع بني سليم في ماء لهم ( 2 ) يقال له :
الكدر بضم الكاف وسكون الدال المهملة ، فسار رسول الله إلى الكدر فلم يلق كيدا
وكان لواؤه مع علي عليه السلام ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وعاد ومعه النعم
والرعاء ، وكان قدومه في قول لعشر ليال مضين من شوال ، وبعد قدومه أرسل غالب
ابن عبدالله الليثي في سرية إلى بني سليم وغطفان فقتلوا فيهم وغنموا النعم ، واستشهد
من المسلمين ثلاثة نفر ، وعادوا منتصف شوال ، ثم كان غزوة السويق ، وفي ذي الحجة
من السنة الثانية مات عثمان بن مظعون فدفن بالبقيع ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله على
رأس قبره حجرا علامة لقبره ( 3 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) ذكر ذلك المقريزى بعد غزوة السويق .
( 2 ) في المصدر : على ماء لهم .
( 3 ) الكامل 2 : 97 و 98 زاد فيه : وقيل . ان الحسن بن على عليه السلام ولد فيها ، و
قيل : ان على بن أبى طالب عليه السلام بنى بفاطمة على رأس اثنين وعشرين شهرا ، فاذا كان
هذا صحيحا فالاول باطل . وفي هذه السنة كتب المعاقلة وقربه بسيفه انتهى ، وفي الامتاع :
كتب صلى الله عليه وآله وسلم في هذه السنة المعاقل والديات وكانت معلقة بسيفه انتهى .
أقول : الظاهر ان كتابه هذا غير ما كتب بين المهاجرين والانصار لموادعة اليهود الذى ذكرناه سابقا ، حيث انه وقع في العام الاول ، ولم نظفر إلى الان في كتب العامة بما ورد في ذلك
الكتاب بتفصيله غير مسائل قليلة ، والكتاب كان بعده صلى الله عليه وآله عند على عليه السلام
وورثه ذريته المعصومون بعده ، وهو الموجود حتى اليوم في ايدى شيعتهم ، واختصوا بروايته
دون غيرهم وهو من منن الله تعالى عليهم ، والكتاب مشهور بكتاب الديات ( وديات ناصح
بن ظريف ) وقد أشرنا إليه بتفصيل في مقدمتنا على كتاب وسائل الشيعة راجعه .
[ 9 ]
5 - وقال في المنتقى : في السنة الثانية مات أمية بن الصلت ، وكان قد قرأ
الكتب المتقدمة ، ورغب عن عبادة الاوثان ، وأخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه
وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي صلى الله عليه وآله ، فلما بلغه خروج رسول الله كفر به حسدا
ولما أنشد لرسول الله صلى الله عليه وآله شعره قال : آمن لسانه ، وكفر قلبه ( 1 ) .
وذكر غزوة السويق في حوادث السنة الثالثة ، وذكر أن غيبته صلى الله عليه وآله فيها
كانت خمسة أيام .


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 20 من ص 9 سطر 7 الى ص 17 سطر 2

6 - وقال في الكامل : في المحرم سنة ثلاث سمع رسول الله صلى الله عليه وآله أن جمعا من
بني سعد بن تغلبة ( 2 ) وبني محارب بن حفصة ( 3 ) تجمعوا ليصيبوا ( 4 ) فسار إليهم
في أربعمائة وخمسين رجلا ، فلما صار بذي القصة - بفتح القاف والصاد المهملة -
لقي رجلا من تغلبة ( 5 ) فدعاه إلى الاسلام فأسلم ، وأخبره أن المشركين أتاهم خبره
فهربوا إلى رؤوس الجبال ، فعاد ولم يلق كيدا وكان مقامه اثنتي عشرة ليلة .
وفي تلك السنة في جمادى الاولى غزا بني سليم بنجران ( 6 ) ، وسبب هذه
الغزوة أن جمعا من بني سليم تجمعوا بنجران ( 7 ) من ناحية الفرع ، فبلغ ذلك
رسول الله صلى الله عليه وآله فسار إليهم في ثلاثمائة ، فلما صار إلى نجران ( 8 ) وجدهم قد تفرقوا
* ( هامش ) * ( 1 ) مما فات ذكره سابقا بعد غزوة بدر موت أبى لهب ، وكان تخلف عن بدر وبعثه مكانه
العاصى بن هشام بن المغيرة ، فلما جاء الخبر عن مصاب اهل بدر من قريش كبته الله وأخزاه و
ما عاش الا ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته .
( 2 ) في المصدر والامتاع ونهاية الارب : بنى ثعلبة بن سعد بن ذبيان .
( 3 ) في المصدر : بنى محارب بن حفص ، وفي الامتاع : بنى محارب بن خصفة بن قيس
بالخاء المعجمة والصاد المهملة . وهو الصحيح راجع معجم قبائل العرب : 1042 واللباب 2 : 103 .
( 4 ) في المصدر : ليصيبوا من المسلمين . وفي الامتاع : بذى أمر قد تجمعوا يريدون ان
يصيبوا من أطرافه صلى الله عليه وآله جمعهم دعثور بن الحارث من بنى محارب .
( 5 ) في المصدر : من ثعلبة . وفي الامتاع : اصاب رجلا منهم بذى القصة يقال له : جبار من
بنى ثعلبة فاسلم اه ثم ذكر نحو ما تقدم في غزوة ذى أمر .
( 6 - 8 ) هكذا في الكتاب ، وفي المصدر وسيرة ابن هشام : ببحران بالباء والحاء المهملة ،
وهو اما بفتح الباء أو بضمها على اختلاف ، قال ياقوت : موضع بين الفرع والمدينة .
[ 10 ]
فانصرف ولم يلق كيدا ، وكانت غيبته عشر ليال ، واستخلف على المدينة ابن أم
مكتوم ( 1 ) .
7 - وقال ابن الاثير والكازروني دخل حديث بعضهم في بعض : وفي هذه السنة
قتل كعب بن الاشرف من طئ ( 2 ) ، وكانت أمه من بني النضير ، وكان قد كبر
عليه قتل من قتل ببدر من قريش فسار إلى مكة ، وحرض على رسول الله صلى الله عليه وآله ، و
بكى على قتلى بدر ، وكان يشبب ( 3 ) بنساء المسلمين حتى أذاهم ، فلما عاد إلى
المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من لي بابن الاشرف ، فإنه قد آذى الله ورسوله ، فقام
محمد بن المسلمة فقال : يا رسول أتحب أن أقتله ؟ قال : نعم ، قال : فائذن لي أن
أقول : شيئا ، قال : قل . فاجتمع محمد بن مسلمة ، وسلكان بن سلامة وقيس ( 4 ) وهو
أبونائلة ، والحارث بن أوس ( 5 ) ، وكان أخا كعب من الرضاعة ، وأبوعبس
ابن جبير ( 6 ) ثم قدموا إلى ابن الاشرف ، فجاء محمد بن مسلمة فتحدث معه ثم قال يا
ابن الاشرف ( 7 ) إني قد جئتك لحاجة فاكتمها علي ، قال : افعل ، قال : كان قدوم
هذا الرجل بلاء عادتنا العرب ، وانقطع عنا السبيل حتى ضاع عنا العيال
وجهدت الانفس ( 8 ) ، فقال كعب : قد كنت أخبرتك بهذا ، قال أبونائلة :
* ( هامش ) * ( 1 ) الكامل 2 : 99 .
( 2 ) في الكامل : وهو احد بنى نبهان من طيئ .
( 3 ) أى تغزل فيهن وذكرهن في شعره .
( 4 ) هكذا في الكتاب ونسخة المصنف ، والصحيح كما في الكامل والامتاع والسيرة :
سلكان بن سلامة بن وقش وهو أبونائلة .
( 5 ) زاد في الكامل : ابن معاذ .
( 6 ) هكذا في الكتاب ، وفي الكامل والامتاع والسيرة جبر ، وزادوا في نسبه : احد بنى
حارثة . وزادوا معهم رجلا آخر وهو عباد بن بشر بن وقش بن رغبة بن زعورا بن عبد الاشهل .
( 7 ) في الكامل : ثم قدموا إلى ابن الاشرف أبا نائلة فتحدث معه ، ثم قال : يا ابن الاشرف
اه . ونحوه الامتاع والسيرة .
( 8 ) في الكامل : " كان قدوم هذا الرجل شوما على العرب ، قطع عنا السبل حتى ضاعت
العيال وجهدت البهائم " وفي السيرة : " كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء ، عادتنا
به العرب ، ورمتنا عن قوس واحدة ، وقطعت عنا السبيل ، حتى ضاع العيال وجهدت الانفس "
ومثله في الامتاع الا ان فيه حاربتنا العرب .
[ 11 ]
وأريد أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك ، أتحسن في ذلك ؟ فقال : نعم ،
ارهنوني نساءكم قالوا : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ؟ قال : فارهنوني
أبناءكم ، قالوا : كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم ؟ فيقال : رهن بوسق أو
وسقين ، هذا عار علينا ، ولكنا نرهنك اللامة ، يعني السلاح ، وأراد بذلك أن لا ينكر
السلاح إذا أتوه به ، فواعده أن يأتيه ، فأتى أصحابه وأخبرهم ، فأخذوا السلاح و
ساروا إليه ، وتبعهم ( 1 ) النبي صلى الله عليه وآله إلى بقيع الغرقد ، ودعا لهم ، فلما انتهوا
إلى الحصن هتف به أبونائلة ، وكان كعب قريب عهد بعرس فوثب فقالت له امرأته
أين تخرج هذه الساعة ؟ أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم ، قال : إنما هو أخي محمد بن
مسلمة ، ورضيعي أبونائلة ، إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل لاجاب ، فنزل
إليهم وتحدث معهم ساعة وساروا معه إلى شعب العجوز ، ثم إن أبا نائلة قال : ما
رأيت كاليوم ريحا أطيب ، أتأذن لي أن أشم رأسك ، قال : فشمه حتى فعل ذلك
مرارا فلما استمكن منه أخذ برأسه ، وقال : اضربوا عدو الله فاختلف عليه أسيافهم
فلم يغن شيئا ، قال محمد بن مسلمة : قد كنت مشغولا فأخذته ، وقد صاح ( 2 ) عدو الله
صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار ، فتحاملت عليه وقتلته ، وقد
أصاب ( 3 ) الحارث بن أوس بعض أسيافنا ، فاحتملناه وجئنا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ،
فأخبرناه بقتل عدو الله ، فتفل على جرح صاحبنا وعدنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت
اليهود ، فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : من
ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه ، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة اليهودي
* ( هامش ) * ( 1 ) في الكامل : وشيعهم .
( 2 ) في الكامل : فاختلفت عليه اسيافهم فلم تغن شيئا ، قال محمد بن مسلمة : فذكرت
مغولا في سيفى فاخذته وقد صاح .
( 3 ) في الكامل : قال : فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله
وقد اصيب .
[ 12 ]
وهو من تجار اليهود فقتله ( 1 ) ، فقال له أخوه خويصة وهو مشرك : يا عدو الله
قتلته ؟ أما والله لرب شحم في بطنك من ماله ( 2 ) ، فقال محيصة : لو أمرني بقتلك من
أمرني بقتله لقتلتك ، قال : فوالله أن كان لاول إسلام خويصة ، ثم أسلم عبس بن
جبير ( 3 ) ، وكان قتل كعب لاربع عشرة ليلة مضت من ربيع الاول .
وفي هذا الشهر تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله و
بنى بها في جمادى الآخرة ( 4 ) . 8 - وقال الكازروني : وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله حفصة بنت عمر
في شعبان . وكانت قبله تحت خنيس بن حذاقة السهمي في الجاهلية فتوفي عنها ، و
فيها تزوج صلى الله عليه وآله زينب بنت خزيمة ، وكانت تسمى في الجاهلية أم المساكين ، و
كانت عند الطفيل بن الحارث بن المطلب فطلقها فتزوجها أخوه عبيدة فقتل عنها
يوم بدر شهيدا ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر رمضان من هذه السنة ، وأصدقها
اثنتي عشرة أوقية ونشا فمكثت عنده ثمانية أشهر ، وتوفيت ، وفي هذه السنة ولد
الحسن بن علي عليهما السلام في النصف من شهر رمضان ( 5 ) .
9 - قال ابن الاثير : وفيها كانت غزوة القردة ( 6 ) ، وفيها في جمادى الآخرة
قتل أبورافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي ، وكان يظاهر كعب بن الاشرف على
رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما قتل ابن الاشرف فكان قتله من الاوس قالت الخزرج : والله
* ( هامش ) * ( 1 ) زاد في الكامل : وكان يبايعهم .
( 2 ) زاد في الكامل : وضربه .
( 3 ) في الكامل : عبس بن جبر .
( 4 ) الكامل 2 : 99 و 100 . المنتقى في مولود المصطفى : 116 ، الباب الثالث فيما كان
سنة ثلاث .
( 5 ) المنتقى في مولود المصطفى : 117 ، الباب الثالث فيما كان سنة ثلاث .
( 6 ) في الكامل : الفردة بالفاء ثم قال : الفردة : ماء بنجد : وقد اختلف العلماء في ضبطه
فقيل : فردة بالفاء المفتوحة والراء الساكنة وبه مات زيد الخيل ، وضبطه ابن الفرات في
غير موضع : قردة بالقاف ، وقال ابن اسحاق : وسير زيد بن حارثة إلى الفردة : ماء من مياه
نجد ، ضبطه ابن الفرات ايضا بفتح الفاء والراء ، فان كانا مكانين والا فقد ضبط ابن الفرات
احدهما خطأ .
[ 13 ]
لا يذهبون بها علينا ( 1 ) عند رسول الله ، فتذاكر الخزرج من يعادي رسول الله صلى الله عليه وآله
كابن الاشرف ، فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله
في قتله فأذن لهم ، فخرج إليه من الخزرج عبدالله بن عتيك ومسعود بن سنان و
عبدالله بن أنيس وأبوقتادة وخزاعي بن الاسود حليف لهم ، وأمر عليهم عبدالله بن
عتيك فخرجوا حتى قدموا خيبر ، فأتوا دار أبي رافع ليلا فلم يدعوا بابا في الدار
إلا أغلقوه على أهله وكان في علية ( 2 ) فاستأذنوا عليه فخرجت امرأته فقالت : من
أنتم ؟ قالوا : من العرب نلتمس الميرة ، قال : ( 3 ) ذاك صاحبكم ، فادخلوا عليه ،
فلما دخلوا أغلقوا باب العلية وبدروه على فراشه ، فصاحت المرأة ، فجعل الرجل
منهم يريد قتلها فيذكر نهي النبي صلى الله عليه وآله إياهم عن قتل النساء والصبيان ،
فيكف عنها فضربوه بأسيافهم ، وتحامل عليه عبدالله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى
أنفذه ، ثم خرجوا من عنده ، وكان عبدالله بن عتيك سيئ البصر فوقع من الدرجة
فوثبت رجله وثبا شديدا ( 4 ) ، واحتملوه ورجعوا ( 5 ) ، وطلبتهم اليهود في كل وجه
فلم يروهم فرجعوا إلى صاحبهم ، فقال المسلمون : كيف نعلم أن عدو الله قد مات
فعاد بعضهم ودخل في الناس فرآه والناس حوله وهو يقول : قد عرفت صوت ابن
عتيك ، ثم صاحت امرأته وقالت : مات والله ، قال : فما سمعت كلمة ألذ إلى نفسي
منها ، ثم عاد إلى أصحابه وأخبرهم الخبر ، وسمع صوت الناعي يقول : أنعي
أبا رافع تاجر أهل الحجاز ، وساروا حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وآله واختلفوا في قتله
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هاتوا أسيافكم ، فجاؤا بها فنظر فيها ، فقال لسيف عبدالله بن
أنيس : هذا قتله ، أرى ( 6 ) أثر الطعام ( 7 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) قال المصنف في هامش الكتاب : لا يذهبون بها أى بهذه الفضيلة مفتخرين علينا .
( 2 ) العلية : بيت منفصل عن الارض ببيت كالغرفة .
( 3 ) هكذا في الكتاب ، والصحيح كما في المصدر : قالت .
( 4 ) في المصدر : فوثئت رجله وثأ شديدا . أقول : أى اصابها وهن ووصم لا يبلغ ان يكون كسرا .
( 5 ) في المصدر : وخفوا .
( 6 ) في الكامل : ارى فيه اثر الطعام .
( 7 ) الكامل 2 : 101 .
[ 14 ]
11 .
* ( باب ) *
* ( غزوة احد وغزوة حمراء الاسد ) *
الآيات آل عمران " 3 " : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال
والله سميع عليم * إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل
المؤمنون * ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول
للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن
تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة
مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله
العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكتبهم فينقلبوا خائبين * ليس
لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون 121 - 128 .
وقال تعالى : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين * ان
يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله
الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا
ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم
ويعلم الصابرين * ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم
تنظرون * وما محمد إلا رسول قد خلت من قلبه الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على
أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين * وما
كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن
يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين * وكأين من نبي قاتل معه
ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب
الصابرين 139 - 146 .
[ 15 ]
إلى قوله تعالى :
يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا
خاسرين * بل الله مولاكم وهو خير الناصرين * سنلقي في قلوب الذين كفروا
الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين *
ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم
من بعد ما أراكم تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم
عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين * إذ تصعدون ولا تلوون على
أحد والرسول يدعوكم في أخريكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم
ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون * ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا
يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية
يقولون هل لنا من الامر من شئ قل إن الامر كله لله يخفون في انفسهم ما لا يبدون
لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين
كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم
والله عليم بذات الصدور * إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم
الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم * ياأيها الذين آمنوا
لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا
عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما
تعملون بصير * ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون *
ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون * فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا
غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين * إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن
يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون * وما كان لنبي
أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا
يظلمون 149 - 161 .
[ 16 ]
إلى قوله تعالى :
أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم
إن الله على كل شئ قدير * وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم
المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا
لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بأفواههم ما ليس
في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون * الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل
فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين * ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله
أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون
بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة
من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد
ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن
الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا
بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما
ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين * ولا يحزنك
الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في
الآخرة ولهم عذاب 165 - 176 .
النساء 4 : فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن
تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا 88 .
وقال تعالى : ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما
تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما 104 .
الانفال 8 : إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها
ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون 36 .
تفسير : قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى : " وإذ غدوت من أهلك " ، أي
اذكر يا محمد إذ خرجت من المدينة غدوة " تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال " أي تهيئ
[ 17 ]
للمؤمنين مواطن القتال ، أو تجلسهم وتقعدهم في مواضع القتال ليقفوا فيها ولا
يفارقوها ، واختلف في أي يوم كان ذلك فقيل : يوم أحد عن ابن عباس ، وأكثر


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 20 من ص 17 سطر 3 الى ص 25 سطر 3

المفسرين ( 1 ) وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام ، وقيل : كان يوم الاحزاب عن مقاتل
وقيل : يوم بدر عن الحسن " والله سميع " لما يقوله النبي صلى الله عليه وآله " عليم " بما يضمرونه
" إذ همت " أي عزمت " طائفتان منكم " أي من المسلمين " أن تفشلا " أي تجبنا
وهما بنو سلمة وبنو حارثة حيان من الانصار ، عن ابن عباس وأكثر المفسرين ( 2 )
وعن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام ، وقال الجبائي : نزلت في طائفة من المهاجرين
وطايفة من الانصار ، وكان سبب همهم بالفشل أن عبدالله بن أبي سلول دعاهما إلى
الرجوع إلى المدينة عن لقاء المشركين يوم أحد فهما به ولم يفعلاه " والله وليهما "
أي ناصرهما ، ويروى ( 3 ) عن جابر بن عبدالله أنه قال : فينا نزلت وما أحب أنها
لم تكن لقوله : " والله وليهما " .
وقال بعض المحققين : هذا هم خطرة لا هم عزيمة ، لان الله سبحانه مدحهما
وأخبر أنه وليهما ، ولو كان هم عزيمة لكان ذمهم أولى ( 4 ) .
أقول : ثم روى الطبرسي قصة غزوة أحد عن أبي عبدالله عليه السلام مثل ما سيأتي
في رواية علي بن إبراهيم ، ثم قال : وروى أبوإسحاق ( 5 ) والسدي والواقدي وابن جريح ( 6 ) وغيرهم قالوا كان المشركون نزلوا بأحد يوم الاربعاء في شوال سنة
* ( هامش ) * ( 1 ) هذا تلخيص من المصنف ، والا في المصدر : عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع
والسدى وابن اسحاق .
( 2 ) هذا ايضا تلخيص من المصنف رحمه الله ، ففى المصدر : عن ابن عباس وجابر بن عبدالله
والحسن وقتادة ومجاهد والربيع .
( 3 ) في المصدر : وروى .
( 4 ) ولو كان هم عزيمة وقصد لكان ذمهم اولى من مدحهم .
( 5 ) هكذا في نسخة المصنف وفيه وهم ، والصحيح كما في المصدر : ابن اسحاق ، وهو
محمد ابن اسحاق صاحب المغازى المعروف .
( 6 ) في المصدر : وابن جرير . ولعله الصحيح . والا فالصحيح : ابن جريج بالجيم .
[ 18 ]
ثلاث من الهجرة ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم يوم الجمعة ، وكان القتال يوم السبت
للنصف من الشهر ، وكسرت رباعيته صلى الله عليه وآله وشج وجهه ( 1 ) ، ثم رجع المهاجرون
والانصار بعد الهزيمة ، وقد قتل من المسلمين سبعون ، وشد رسول الله بمن معه حتى
كشفهم ، وكان الكفار مثلوا بجماعة ، وكان حمزة أعظم مثلة ، وضربت يد طلحة
فشلت ( 2 ) .
وقال في قوله : " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة آلاف من الملائكة "
هو إخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله قال لقومه : ألن يكفيكم يوم بدر أن جعل ربكم ثلاثة
آلاف من الملائكة مددا لكم ، وقيل : إن الوعد بالامداد بالملائكة كان يوم أحد
وعدهم الله المدد إن صبروا " منزلين " أي من السماء " بلى " تصديق للوعد ، أي يفعل
كما وعدكم ويزيدكم " إن تصبروا " أي على الجهاد وعلى ما أمركم الله " وتتقوا "
معاصي الله ومخالفة رسوله " ويأتوكم من فورهم هذا " أي رجع المشركون إليكم
من جهتهم ( 3 ) هذا ، وقيل : من غضبهم هذا ، وكانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما
لقوا فهو من فور الغضب أي غليانه " يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة " أي
يعطكم مددا لكم ونصرة ، وإنما قال ذلك لان الكفار في غزاة أحد ندموا بعد
انصرافهم لم لم يعبروا على المدينة ( 4 ) ، وهموا بالرجوع فأوحى الله إلى نبيه أن يأمر
أصحابه بالتهيؤ للرجوع إليهم ، وقال لهم : " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم
قرح مثله " ثم قال : إن صبرتم على الجهاد وراجعتم الكفار أمدكم الله بخمسة
آلاف من الملائكة مسومين . فأخذوا في الجهاد وخرجوا يتبعون الكفار على ما بهم
من الجراح ، وأخبر المشركون من رسول الله صلى الله عليه وآله أنه يتبعكم ( 5 ) فخاف المشركون
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : وشج في وجهه .
( 2 ) مجمع البيان 2 : 495 و 497 .
( 3 ) في المصدر : من وجههم هذا .
( 4 ) في المصدر : لم لم يغيروا على المدينة .
( 5 ) في المصدر : فأخبر من مر برسول الله صلى الله عليه وآله انه خرج يتبعكم .
[ 19 ]
إن رجعوا أن تكون الغلبة للمسلمين ، وأن يكون قد التأم إليهم من كان تأخر
عنهم ، وانضم إليهم غيرهم ، فدسوا نعيم بن مسعود الاشجعي حتى يصدهم بتعظيم
أمر قريش ، وأسرعوا في الذهاب إلى مكة ، وكفى الله المسلمين أمرهم ، ولذلك قال
قوم من المفسرين : إن جميعهم ثمانية آلاف ، وقال الحسن : إن جميعهم خمسة آلاف
منهم ثلاثة آلاف المنزلين ، على أن الظاهر يقتضي أن الامداد بثلاثة آلاف كان يوم
بدر ( 1 ) ، ثم استأنف حكم يوم أحد فقال : " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من
فورهم هذا " أي إن رجعوا إليكم بعد انصرافكم " أمدكم ربكم بخمسة آلاف من
الملائكة مسومين " وهذا قول البلخي ، رواه عن عكرمة ( 2 ) ، قال : لم يمدوا يوم
أحد ولا بملك واحد ، وعلى هذا فلا تنافي بين الآيتين " مسومين " أي معلمين ،
أو مرسلين " وما جعله الله إلا بشرى لكم " أي ما جعل الله الامداد والوعد به إلا بشارة
لكم " ولتطمئن قلوبكم به " فلا تخافوا كثرة عدد العدو " وما النصر إلا من عند الله "
معناه إن الحاجة إلى الله سبحانه لازمة في المعونة وإن أمدكم بالملائكة فلا استغناء
لكم عن معونته طرفة عين ( 3 ) .
وقال البيضاوي : وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد ، وإنما أمدهم
ووعد لهم ( 4 ) بشارة لهم وربطا على قلوبهم من حيث أن نظر العامة إلى الاسباب أكثر
وأحث على أن لا يبالوا بمن تأخر عنهم ( 5 ) .
" ليقطع طرفا من الذين كفروا " .
قال الطبرسي : اختلف في وجه اتصاله بما قبله ، فقيل : يتصل بقوله : " وما
* ( هامش ) * ( 1 ) زاد في المصدر : لان قوله : " اذ تقول للمؤمنين " الاية ، يتعلق بقوله : " ولقد نصركم
الله ببدر " الاية .
( 2 ) في المصدر : رواه عن عمرو بن دينار عن عكروة .
( 3 ) مجمع البيان 2 : 499 . ( 4 ) في المصدر : ووعد لهم به .
( 5 ) انوار التنزيل 1 : 231 فيه : وحث على ان لا يبالوا .
[ 20 ]
النصر إلا من عند الله " أي أعطاكم الله هذا النصر ليقطع طائفة من الذين كفروا بالقتل
والاسر ، وقيل : هو متصل بقوله : " ولقد نصركم الله ببدر " وقيل : معناه ذلك
التدبير " ليقطع طرفا " أي قطعة منهم . والمعنى ليهلك طائفة منهم ، وقيل : ليهدم
ركنا من أركان الشرك بالاسر والقتل ، فأما اليوم الذي وقع فيه ذلك فيوم بدر ( 1 )
وقيل : هو يوم أحد ، قتل فيه ثمانية عشر رجلا " أو يكبتهم " أي يخزيهم بالخيبة
مما أملوا من الظفر بكم ، وقيل : يردهم عنكم منهزمين ، وقيل : يصرعهم على
وجوههم ، وقيل : يظفركم عليهم ، وقيل : يلعنهم ، وقيل : يهلكهم " فينقلبوا خائبين "
لم ينالوا مما أملوا شيئا " ليس لك من الامر شئ " قيل : هو متصل بقوله : " وما النصر إلا من عند الله " أي ليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شئ ، وقيل : إنه
اعتراض بين الكلامين ، وقوله : " أو يتوب عليهم " متصل بقوله : " ليقطع طرفا "
فالتقدير ليقطع طرفا منهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم قد استحقوا
العقاب ، وليس لك من هذه الاربعة شئ ، وذلك إلى الله تعالى .
واختلف في سبب نزوله ، فروي عن أنس بن مالك وابن عباس والحسن و
قتادة والربيع أنه لما كان من المشركين يوم أحد من كسر رباعية الرسول صلى الله عليه وآله
وشجه حتى جرت الدماء على وجهه ، فقال : " كيف تفلح قوم نالوا هذا من نبيهم "
وهو مع ذلك حريص على دعائهم إلى ربهم ؟ فأعلمه الله سبحانه أنه ليس إليه
فلاحهم ، وأنه ليس إليه إلا أن يبلغ الرسالة ، ويجاهد حتى يظهر الدين ، وإنما
ذلك إلى الله ، وكان الذي كسر رباعيته وشجه في وجهه عتبة بن أبي وقاص ، فدعا
عليه بأن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا ، فمات كافرا قبل حول الحول ( 2 )
وأدمى وجهه رجل من هذيل يقال له : عبدالله بن قميئة ، فدعا عليه فكان حتفه أن
سلط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله ، وروي أنه صلى الله عليه وآله كان يمسح الدم عن وجهه و
* ( هامش ) * ( 1 ) فيه اختصار ، وهو في المصدر هكذا : واما اليوم الذى قطع الله فيه الطرف من الذين
كفروا فيوم بدر قتل فيه صناديدهم ورؤساءهم وقادتهم إلى الكفر .
( 2 ) في المصدر : قبل أن يحول الحول .
[ 21 ]
يقول : " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " فعلى هذا يمكن أن يكون صلى الله عليه وآله على
وجل من عنادهم وإصرارهم على الكفر ، فأخبر سبحانه أنه ليس إليه إلا ما أمر به
من تبليغ الرسالة ودعائهم إلى الهدى ، وذلك مثل قوله تعالى : " فلعلك باخع نفسك
أن لا يكونوا مؤمنين ( 1 ) " وقيل إنه صلى الله عليه وآله استأذن ربه تعالى في يوم أحد في الدعاء
عليهم فنزلت الآية ، فلم يدع عليهم بعذاب الاستيصال ، وإنما لم يؤذن له فيه لما كان
المعلوم من توبة بعضهم ، وقيل : أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدعو على المنهزمين عنه من
أصحابه يوم أحد فنهاه الله عن ذلك وتاب عليهم أي ( 2 ) ليس لك أن تلعنهم وتدعو
عليهم ، وقيل : لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ( 3 ) ما فعل بأصحابه وبعمه حمزة من المثلة
من جدع الانوف والآذان وقطع المذاكير قال ( 4 ) : " لئن أدالنا الله منهم لنفعلن
بهم مثل ما فعلوا ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلهم أحد من العرب بأحد قط "
فنزلت الآية ، وقيل : نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلا من قراء أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأميرهم المنذر بن عمرو ، بعثهم رسول الله صلى
الله عليه وآله إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر
من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم ، فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل ، وكان فيهم
عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، فوجد رسول الله صلى اله عليه وآله من ذلك وجدا شديدا وقنت
عليهم شهرا فنزلت ، والاصح أنها نزلت في أحد ، وإنما قال : " ليس لك من الامر
شئ " مع أن له صلى الله عليه وآله أن يدعوهم إلى الله ويؤدي إليهم ما أمره بتبليغه ، لان معناه
ليس لك شئ من أمر عقابهم أو استيصالهم أو الدعاء عليهم أو لعنهم حتى يقع ( 5 )
إنابتهم " أو يتوب عليهم " أي يلطف لهم بما يقع معه توبتهم ، أو يقبل توبتهم إذا تابوا
* ( هامش ) * ( 1 ) هكذا في النسخ ، والصحيح ( لعلك ) راجع سورة الشعراء : 2 .
( 2 ) زاد في المصدر : ونزلت الاية : " ليس لك من الامر شئ " أى .
( 3 ) زاد في المصدر : والمؤمنون
( 4 ) في المصدر : قالوا .
( 5 ) في المصدر : حتى تقع .
[ 22 ]
" أو يعذبهم " إن لم يتوبوا " فإنهم ظالمون " أي يستحقون العذاب بظلمهم ( 1 ) .
وقال رحمه الله في قوله تعالى : " ولا تهنوا " قيل : نزلت الآية تسلية للمسلمين
لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح عن الزهري وقتادة وابن نجيح ( 2 ) ، وقيل :
لما انهزم المسلمون في الشعب وأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلوا
عليهم الجبل فقال النبي صلى الله عليه وآله : " لا يعلن علينا ( 3 ) ، اللهم لا قوة لنا إلا بك ، اللهم
لا يعبدك بهذه البلدة إلا هؤلاء النفر " فأنزل الله الآية ، وثاب نفر رماة وصعدوا الجبل
ورموا خيل المشركين حتى هزموهم ، وعلا المسلمون الجبل فذلك قوله : " وأنتم
الاعلون " عن ابن عباس ، وقيل : نزلت الآية بعد يوم أحد حين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله
أصحابه بطلب القوم ، وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم ، وقال صلى الله عليه وآله : " لا يخرج
إلا من شهد معنا بالامس " فاشتد ذلك على المسلمين ، فأنزل الله تعالى هذه الآية
عن الكلبي ، ودليله قوله تعالى : " ولا تهنوا في ابتغاء القوم " الآية .
" ولا تهنوا " أي لا تضعفوا عن قتال عدوكم " ولا تحزنوا " بما يصيبكم في
أموالكم وأبدانكم ، وقيل : لا تضعفوا بما نالكم من الجراح ولا تحزنوا على ما نالكم
من المصائب بقتل الاخوان ، أو لا تهنوا لما نالكم من الهزيمة ، ولا تحزنوا على ما
فاتكم من الغنيمة " وأنتم الاعلون " أي الظافرون المنصورون ( 4 ) ، أو الاعلون في المكان
" إن كنتم مؤمنين " معناه إن من كان مؤمنا يجب أن لا يهن ولا يحزن لثقته بالله ،
أو إن كنتم مصدقين بوعدي لكم بالنصرة والظفر على عدوكم " إن يمسسكم قرح "
أي جراح فقد أصاب القوم جراح مثله عن ابن عباس : وقيل : إن يصبكم ألم و
جراحة يوم أحد فقد أصاب القوم ذلك يوم بدر .
* ( هامش ) * ( 1 ) مجمع البيان 2 : 500 و 501 .
( 2 ) هكذا في نسخة المصنف ، وفيه وهم ، والصحيح كما في المصدر : ابن ابى نجيح ،
وهو عبدالله بن ابى نجيح يسار المكى ابويسار الثقفى مولاهم . المتوفى سنة 131 ( او ) بعدها
( 3 ) في المصدر : اللهم لا يعلن علينا .
( 4 ) زاد في المصدر : الغالبون عليهم في العاقبة .
[ 23 ]
وقال أنس بن مالك : أتي رسول الله صلى الله عليه وآله بعلي عليه السلام يومئذ وعليه ( 1 ) نيف
وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسحها وهي تلتئم
بإذن الله تعالى كأن لم تكن .
وعن ابن عباس قال : لما كان يوم أحد صعد أبوسفيان الجبل فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله : " اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا " فمكث أبوسفيان ساعة ، وقال : يوما بيوم
إن ( 2 ) الايام دول ، وإن الحرب سجال ( 3 ) ، فقال صلى الله عليه وآله : أجيبوه ، فقالوا : لا
سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار ، فقال :
لنا عزى ولا عزى لكم .
فقال النبي صلى الله عليه وآله : الله مولانا ولا مولى لكم .
فقال أبوسفيان : اعل هبل .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الله أعلى وأجل .
" وتلك الايام نداولها بين الناس " أي نصرفها مرة لفرقة ، ومرة عليها ، و
إنما يصرف الله سبحانه الايام بين المسلمين والكفار بتخفيف المحنة على المسلمين
أحيانا ، وتشديدها عليهم أحيانا ، لا بنصرة الكفار عليهم ، لان النصرة تدل على
المحبة ، والله لا يحب الكافرين ، وإنما جعل الله الدنيا منقلبة ( 4 ) لكيلا يطمئن المسلم
إليها ، ولتقل رغبته فيها ( 5 ) ، إذ تفنى لذاتها . ويظعن مقيمها ، ويسعى للآخرة
التي تدوم نعيمها ، وإنما جعل الدولة مرة للمؤمنين ومرة عليهم ليدخل الناس في
الايمان على الوجه الذي يجب الدخول فيه لذلك ( 6 ) ، وهو قيام الحجة ، فإنه
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : وفيه .
( 2 ) في المصدر : وإن .
( 3 ) الحرب سجال أى تارة لهم وتارة عليهم .
( 4 ) في المصدر : متقلبة . ( 5 ) زاد في المصدر : أو حرصه عليها .
( 6 ) في المصدر : كذلك .
[ 24 ]
لو كانت الدولة دائما للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الايمان على سبيل اليمن و
الفأل ، على أن كل موضع حضره النبي صلى الله عليه وآله لم يخل من ظفر ، إما في ابتداء
الامر ، وإما في انتهائه ، وإنما لم يستمر ذلك لما بيناه .
" وليعلم الله الذين آمنوا " تقديره : وتلك الايام نداولها لوجوه من المصالح
وليعلم الذين آمنوا متميزين بالايمان عن غيرهم ، وعلى هذا يكون ( 1 ) " يعلم "
بمعنى يعرف ، لانه ليس المعنى أنه يعرف الذوات ، بل المعنى أنه يعلم تميزها
بالايمان ، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الله الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على
جهاد عدوهم ، أي يعاملهم معاملة من يعرفهم بهذه الحال ، وقيل : معناه وليعلم أولياء
الله الذين آمنوا ، وإنما أضاف إلى نفسه تفخيما " ويتخذ منكم شهداء " أي ليكرم
منكم ( 2 ) بالشهادة من قتل يوم أحد ، أو يتخذ منكم شهداء على الناس بما يكون
منهم من العصيان لما لكم في ذلك من جلالة القدر " وليمحص الله الذين آمنوا " أي
وليبتلي الله الذين آمنوا ، أو لينجبهم من الذنوب بالابتلاء " ويمحق الكافرين " أي
ينقصهم أو يهلكهم .
" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة " المراد به الانكار ، أي أظننتم أيها المؤمنون
أنكم تدخلون الجنة " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " أي
ولما يجاهد المجاهدون منكم فيعلم الله جهادهم ، ويصبر الصابرون فيعلم صبرهم على
القتال " ولقد كنتم تمنون الموت " وذلك أن قوما ممن فاتهم شهود بدر كانوا يتمنون
الموت بالشهادة بعد بدر قبل أحد ، فلما رأوه يوم أحد أعرض كثير منهم عنه فانهزموا
فعاتبهم الله على ذلك " من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه " الضميران راجعان إلى الموت
والمراد أسبابه كالحرب ، وقيل : راجعان إلى الجهاد " وأنتم تنظرون " تأكيد للرؤية
أو النظر بمعنى التفكر ، وقيل : معناه وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وآله وفيه حذف ،
أي فلم انهزمتم " وما محمد إلا رسول " قال أهل التفسير : سبب نزول هذه الآية أنه
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر لا يكون وهو الصحيح .
( 2 ) خلى المصدر عن لفظة ( منكم ) .
[ 25 ]
لما أرجف بأن النبي صلى الله عليه وآله قتل يوم أحد وأشيع ذلك قال الناس : لو كان نبيا لما
قتل ، وقال آخرون : نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به ، وارتد بعضهم ، و
انهزم بعضهم ، وكان سبب انهزامهم وتضعضعهم إخلال الرماة لمكانهم من الشعب ، و


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 20 من ص 25 سطر 4 الى ص 33 سطر 4

كان رسول الله صلى الله عليه وآله نهاهم عن الاخلال به ، وأمر عبدالله بن جبير وهو أخو خوات
ابن جبير على الرماة وهم خمسون رجلا ، وقال : لا تبرحوا مكانكم فإنا لن نزال
غالبين ما ثبتم بمكانكم ، وجاءت قريش على ميمنتهم خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتهم
عكرمة بن أبي جهل ، ومعهم النساء يضربن بالدفوف ، وينشدون الاشعار فقالت
هند :
نحن بنات طارق * نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق * أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
وكان أبوعامر عبد عمرو بن الصيفي أول من لقيهم بالاحابيش وعبيد أهل مكة
فقاتلهم قتالا شديدا . وحميت الحرب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " من يأخذ بهذا
السيف ( 1 ) بحقه ويضرب به العبيد ( 2 ) حتى ينحني " ؟ فأخذه أبودجانة سماك بن
خرشة الانصاري ، فلما أخذ السيف اعتم بعمامة حمراء وجعل يفتخر ( 3 ) ويقول :
أنا الذي عاهدني خليلي ( 4 ) * أن لا أقيم الدهر في الكبول ( 5 )
أضرب بسيف الله والرسول
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " إنها لمشية يبغضها الله تعالى ( 6 ) إلا في هذا الموضع "
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : هذا السيف .
( 2 ) في نسخة من المصدر : العدو .
( 3 ) يتبختر خ ل وفي المصدر : وجعل يفتخر تبخترا .
( 4 ) زاد في الطبعة الحروفية مصرعا خال عنه نسخة المصنف والمصدر وهو :
" ونحن بالصفح لدى النخيل " والمصرع موجود في سيرة ابن هشام .
( 5 ) الكيول خ ل . أقول : هو الموجود في المصدر . ( 6 ) زاد في المصدر : ورسوله .
[ 26 ]
ثم حمل النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه على المشركين فهزموهم ، وقتل علي بن أبي طالب
عليه السلام أصحاب اللواء ، وأنزل الله نصرته على المسلمين . قال الزبير : فرأيت هندا وصواحبها هاربات مصعدات في الجبال نادية خدامهن ، ما دون أخذهن شئ ، فلما
نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه ينتهبون الغنيمة
أقبلوا يريدون النهب واختلفوا ، فقال بعضهم : لا نترك أمر رسول الله ( 1 ) صلى الله عليه وآله ، و
قال بعضهم : ما بقى من الامر شئ ، ثم انطلقوا عامتهم وألحقوا ( 2 ) بالعسكر ، فلما
رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ، ورأى ظهورهم خالية
صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله من خلفهم فهزموهم و
قتلوهم ، ورمى عبدالله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وآله بحجر فكسر أنفه ورباعيته
وشجه في وجهه فأثقله ، وتفرق عنه أصحابه ، وأقبل يريد قتله ، فذب مصعب بن
عمير وهو صاحب رآية رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ويوم أحد وكان اسم رايته العقاب عن
رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قتل مصعب بن عمير قتله ابن قميئة فرجع وهو يرى أنه قتل
رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقال : إني قتلت محمدا ، وصاح صائح ( 3 ) ، ألا أن محمدا قد قتل ، ويقال :
إن الصائح ( 4 ) كان إبليس لعنه الله ، فانكفأ الناس ( 5 ) وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو
الناس ويقول : " إلي عباد الله إلي عباد الله " فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى
كشفوا عنه المشركين ، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية ( 6 ) قوسه ، و
أصيبت يد طلحة بن عبيدالله فيبست ، وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حتى
وقعت على وجنته ، فردها رسول الله صلى الله عليه وآله مكانها فعادت كأحسن ما كانت ، فلما
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : لا تتركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله .
( 2 ) في المصدر : ثم انطلق عامتهم والحقوا بالعسكر .
( 3 ) صارخ خ ل .
( 4 ) الصارخ خ ل .
( 5 ) انكفأ الناس اى تبددوا ورجعوا انهزموا . ( 6 ) سية القوس : ما عطف من طرفيها .
[ 27 ]
انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله أدركه أبي خلف الجمحي وهو يقول : لا نجوت إن
نجوت ، فقال القوم يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا ؟ فقال : دعوه حتى إذا
دنا منه ، وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول : عندي رمكة اعلفها كل
يوم فرق ذرة أقتلك عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى "
فلما كان يوم أحد ودنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وآله الحربة من الحرث بن الصمة ثم
استقبله فطعنه في عنقه ، فخدش خدشة فتدهدأ ( 1 ) عن فرسه ، وهو يخور خوار الثور
وهو يقول قتلني : محمد ، فاحتمله أصحابه وقالوا : ليس عليك بأس ، فقال : بلى لو
كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقلتهم ( 2 ) أليس قال لي : أقتلك ؟ فلو بزق علي بعد
تلك المقاله لقتلني ، فلم يلبث إلا يوما حتى مات ، قال : وفشا في الناس أن رسول
الله صلى الله عليه وآله قد قتل ، فقال بعض المسلمين : ليت لنا رسولا إلى عبدالله بن أبي فيأخذ
لنا أمانا من أبي سفيان ، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم ، وقال أناس من أهل النفاق
فالحقوا بدينكم الاول وقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك يا قوم إن كان محمد
قد قتل فإن رب محمد لم يقتل ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله
فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله ، وموتوا على ما مات عليه ، ثم قال : اللهم إني
أعتذر إليك مما يقوله هؤلاء ، يعني المنافقين ( 3 ) ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، يعني
المنافقين ، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله انطلق إلى الصخرة
وهو يدعو الناس ، فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وآله كعب بن مالك قال : عرفت عينيه
تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : يا معاشر المسلمين هذا رسول الله ( 4 ) ،
فأشار إلي : أن اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي صلى الله عليه وآله على
الفرار فقالوا : يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر أنك قتلت ( 5 ) فرعبت
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : فتدهده وهو الصحيح .
( 2 ) قلت : هلك وفي المصدر يقتلهم .
( 3 ) في المصدر : يعنى المسلمين .
( 4 ) في المصدر يا معشر المسلمين ابشروا فهذا رسول الله .
( 5 ) في المصدر : بانك قتلت .
[ 28 ]
قلوبنا فولينا مدبرين ، فأنزل الله تعالى هذه الاية : " وما محمد إلا رسول قد خلت من
قبله الرسل " يعني أنه بشر اختاره الله لرسالته ، وقد مضت ( 1 ) قبله رسل بعثوا فأدوا
الرساله ومضوا وماتوا ، وقتل بعضهم ، وإنه يموت كما ماتت الرسل ، فليس الموت
بمستحيل عليه ولا القتل ، وقيل : أراد أن أصحاب الانبياء لم يرتدوا عند موتهم أو
قتلهم فاقتدوا بهم " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " فسمي الارتداد انقلابا
على العقب وهو الرجوع القهقهرى " ومن ينقلب على عقبيه " أي من يرتدد عن
دينه " فلن يضر الله شيئا " بل مضرته عائدة عليه " وسيجزي الله الشاكرين " أي
المطيعين ( 2 )
قوله تعالى : " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " قال البيضاوي : أي
بمشية الله أو بإذنه لملك الموت ( 3 ) ، والمعنى أن لكل نفس أجلا مسمى في علمه
تعالى وقضائه لا يستأخرون ساعة ( 4 ) ولا يستقدمون بالاحجام عن القتال والاقدام
عليه " كتابا " مصدر مؤكد ، أي كتب الموت كتابا " مؤجلا " صفة له ، أي موقتا
لا يتقدم ولا يتأخر " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها " تعريض بمن شغلتهم الغنائم
يوم أحد " ومن يرد ثواب الاخرة نؤته منها " أي من ثوابها " وسنجزي الشاكرين "
الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شئ من الجهاد " وكأين " أصله " أي " دخلت
الكاف عليها وصارت بمعنى " كم " والنون تنوين أثبت في الخط على غير قياس
" من نبي " بيان له " قتل ( 5 ) معه ربيون كثير " ربانيون علمآء أتقيآء أو عابدون
لربهم وقيل : جماعات ، والربي منسوب إلى الربة ، وهي الجماعة للمبالغة " فما
* ( هامش ) *
( 1 ) في المصدر : اختاره الله لرسالته إلى خلقه ، قد مضت .
( 2 ) مجمع البيان 2 : 498 - 514 .
( 3 ) في المصدر : أو باذنه لملك الموت في قبض روحه .
( 4 ) في المصدر : لا يستأخرون عنه ساعة .
( 5 ) هكذا في النسخ والصحيح : ( قاتل ) كما في المصحف والمصدر .
[ 29 ]
وهنوا لما أصابهم في سبيل الله " فما فتروا ولم ينكسر جدهم ( 1 ) لما أصابهم من قتل
النبي أو بعضهم " وما ضعفوا " عن العدو أو في الدين " وما استكانوا " وما خضعوا للعدو
" والله يحب الصابرين " فينصرهم ويعظم أمرهم ( 2 ) .
قوله تعالى : " إن تطيعوا الذين كفروا " قال الطبرسي رحمه الله : قيل : نزلت
في المنافقين إذ قالوا للمؤمنين يوم أحد عند الهزيمة : ارجعوا إلى إخوانكم وارجعوا
إلى دينهم عن علي عليه السلام ، وقيل : هم اليهود والنصارى ، والمعنى إن إصغيتم إلى
قول اليهود والمنافقين أن محمدا صلى الله عليه وآله قتل فارجعوا إلى عشائركم " يردوكم على
أعقابكم " أي يرجعوكم كفارا كما كنتم " فتنقلبوا أي ترجعوا " خاسرين "
لانفسكم " بل الله مولاكم " اي هو أولى بأن تطيعوه ، وهو أولى بنصرتكم " وهو
خير الناصرين " أي ان اعتد بنصر غيره فهو خير ناصر " سنلقي في قلوب الذين
كفروا " قال السدي : لما ارتحل أبوسفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى
مكة قالوا : بئسما صنعنا ، قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ، ارجعوا
فاستأصلوهم ، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما
هموا به ، فنزلت الاية " الرعب " أي الخوف " بما أشركوا بالله " أي بشركهم به
" ما لم ينزل به سلطانا " أي برهانا وحجة " ومأواهم " أي مستقرهم " النار "
يعذبون بها " وبئس مثوى الظالمين " أي النار ، وروي أن الكفار دخلوا مكة
كالمنهزمين مخافة أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وآله الكرة عليهم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله
" نصرت بالرعب مسيرة شهر "
" ولقد صدقكم الله وعده " أي وفى لكم بما وعدكم من النصر على عدوكم في
قوله : " بلى إن تصبروا وتتقوا " الاية ، وذكر ابن عباس وغيره أن الوعد كان
يوم أحد لان المسلمين كانوا يقتلون المشركين حتى أخل الرماة لمكانهم الذي
أمرهم الرسول بالقيام عنده ، فأتاهم خالد بن الوليد من ورائهم ، وقتل عبدالله بن جبير
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : ولم ينكسر حدتهم .
( 2 ) انوار التنزيل 1 : 235 و 236 ، فيه يعظم قدرهم .
[ 30 ]
ومن معه ، وتراجع المشركون ، وقتل من المسلمين سبعون رجلا ، ونادى مناد
قتل محمد ، ثم من الله على المسلمين فرجعوا ، وفي ذلك نزلت الاية ، فالوعد قول
النبي صلى الله عليه وآله للرماة : " لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين ماثبتم في مكانكم " .
" إذ تحسونهم " أي تقتلونهم " بإذنه " أي بعلمه أو بلطفه " حتى إذا فشلتم " أي جبنتم عن عدوكم " وتنازعتم في الامر " أي اختلفتم " وعصيتم " امر نبيكم في
حفظ المكان " وبعد ما اريكم ما تحبون " من النصرة على الكفار وهزيمتهم
والغنيمة ، وأكثر المفسرين على أن المراد بالجميع يوم أحد ، وقال الجبائي :
إذ تحسونهم يوم بدر حتى إذا فشلتم يوم أحد والاول أولى ، وجواب " إذا "
محذوف ، وتقديره حتى إذا فعلتم ذلك ابتلاكم وامتحنكم ورفع النصرة عنكم
" منكم من يريد الدنيا " يعني الغنيمة ، وهم الذين أخلوا المكان الذي رتبهم النبي صلى الله عليه وآله
فيه " ومنكم من يريد الآخرة " أراد عبدالله بن جبير ، ومن ثبت مكانه " ثم صرفكم
عنهم " فيه وجوه :
أحدها أنهم كانوا فريقين منهم من عصى بانصرافه ، ومنهم من لم يعص ، لانهم
قلوا بعد انهزام تلك الفرقة فانهزموا ( 1 ) بإذن الله لئلا يقتلوا ، لان الله أوجب ثبات
المائة للمائتين ، فإذا نقصوا لا يجب عليهم ذلك ، فجاز أن يذكر الله الفريقين بأنه
صرفهم " وعفى عنهم " يعني صرف بعضهم ، وعفى عن بعض عن الجبائي .
وثانيها أن معناه رفع النصر عنكم ووكلكم إلى أنفسكم بخلافكم للنبي عليه السلام
فانهزمتم عن جعفر بن حرب ( 2 ) .
وثالثها : أن معناه لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم " ليبتليكم " بالمظاهرة في
الانعام عليكم والتخفيف عنكم عن البلخي " ليبتليكم " أي يعاملكم معاملة المختبر
" ولقد عفا عنكم " أي صفح عنكم بعد أن خالفتم أمر الرسول ، وقيل : عفا عنكم
تتبعهم بعد أن أمركم بالتتبع لهم عن البلخي ، قال لما بلغوا حمراء الاسد عفا عنهم
* ( هامش ) *
( 1 ) في المصدر : فانصرفوا باذن الله .
( 2 ) لم يذكر الوجه الثانى في المصدر ، ولعله سقط عن المطبوع .
[ 31 ]
من ذلك " والله ذو فضل على المؤمنين " أي ذو نعمة ومن عليهم بنعم الدنيا والدين ،
وروى الواقدي ، ( 1 ) عن سهل بن سعد الساعدي قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يوم
أحد وكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه ، وكانت فاطمة بنته عليها السلام تغسل
عنه الدم وعلي بن ابي طالب عليه السلام يسكب عليها بالمجن ، فلما رأت فاطمة عليها السلام
. أن المآء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى إذا صار رمادا
ألزمته الجرح فاستمسك الدم .
" إذ تصعدون " قال البيضاوي : متعلق بصرفكم ، أو ليبتليكم ، أو بمقدر
كأذكر ، والاصعاد : الذهاب والابعاد في الارض " ولا تلوون على أحد " لا يقف أحد
لاحد ولا ينتظره " والرسول يدعوكم " كان يقول : " إلي عباد الله ، إلي عباد الله ،
أنا رسول الله ، من يكر فله الجنة " .
" في أخراكم " في ساقتكم وجماعتكم الآخرين " فأثابكم غما بغم لكيلا
تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم " عطف على صرفكم ، والمعنى فجازاكم الله
على فشلكم وعصيانكم غما متصلا بغم من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين
والارجاف بقتل الرسول الله صلى الله عليه وآله ، أو فجازاكم غما بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وآله
بعصيانكم له لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا فيما بعد على نفع فائت ،
ولا ضر لاحق ، وقيل : لا مزيدة ، والمعنى لتأسفوا على ما فاتكم من الظفر و
الغنيمة ، وعلى ما أصابكم من الجرح والهزيمة عقوبة لكم ، وقيل : الضمير في
" فأثابكم " للرسول صلى الله عليه وآله ، أي واساكم في الاغتمام فاغتم بما نزل عليكم كما اغتممتم
بما نزل عليه ولم يثربكم ( 2 ) على عصيانكم تسلية لكم " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم "
من النصر " ولا " على " ما أصابكم " من الهزيمة " والله خبير بما تعملون " عالم
بأعمالكم وبما قصدتم بها " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا " أنزل الله عليكم
الامن حتى أخذكم النعاس ، وعن أبي طلحة : غشينا النعاس في المصاف حتى كان
* ( هامش ) *
في المصدر : روى الواحدى .
( 2 ) ثربه وثربه وثرب عليه وأثربه : لامه .
[ 32 ]
السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ، ثم يسقط فيأخذه ، والامنة : الامن ، نصب
على المفعول ، و " نعاسا " بدل منها ، أو هو المفعول و " أمنة " حال منه متقدمة أو مفعول
له ، أو حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن " يغشى طائفة
منكم " أي النعاس ( 1 ) .
قال الطبرسي رحمه الله : وكان السبب في ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع
إلى القتال ، فقعد المسلمون تحت الحجف ( 2 ) متهيئين للحرب ، فأنزل الله الامنة
على المؤمنين فناموا دون المنافقين الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم ،
أو يغيروا على المدينة لسوء الظن فطير عنهم النوم ( 3 ) .
وقال البيضاوي : و " طائفة " هم المنافقون " قد أهمتهم أنفسهم " أوقعتهم
أنفسهم في الهموم أو مايهمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها " يظنون بالله غير الحق
ظن الجاهلية " صفة أخرى لطائفة ، أو حال أو استيناف على وجه البيان لما قبله ،
و " غير الحق " نصب على المصدر ، أي يظنون بالله غير ظن الحق الذي يحق أن
يظن به ، و " ظن الجاهلية " بدله ، وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها
" يقولون " أي لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو بدل يظنون : " هل لنا من الامر من شئ "
هل لنا مما أمر الله ووعد من النصر والظفر نصيب قط ، وقيل : أخبر ابن أبي
بقتل بني الخزرج فقال ذلك ، والمعنى أنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا
فلم يبق لنا من الامر شئ ، أو هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الامر شئ
" قل إن الامر كله لله " أي الغلبة الحقيقية لله ولاوليائه ، فإن حزب الله هم الغالبون ،
أو القضاء له ( 4 ) يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وهو اعتراض " يخفون في أنفسهم ما لا يبدون
لك " حال من ضمير " يقولون " أي يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر
* ( هامش ) *
( 1 ) انوار التتزيل 1 : 237 و 238 .
( 2 ) الحجف : الترس من جلد بلا خشب .
( 3 ) مجمع البيان 2 : 522 .
( 4 ) في المصدر : اذا لقضاء له .
[ 33 ]
مبطنين الانكار والتكذيب " يقولون " في أنفسهم أو إذا خلا بعضهم إلى بعض ، وهو
بدل من " يخفون " أو استيناف على وجه البيان له " لو كان لنا من الامر شئ " كما
وعد محمد صلى الله عليه وآله ، وزعم ( 1 ) أن الامر كله لله ولاوليائه ، أو لو كان لنا اختيار وتدبير
لم نبرح كما كان رأي أبي وغيره " ما قتلنا هيهنا " ما غلبنا ، ولما قتل من قتل


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 20 من ص 33 سطر 5 الى ص 41 سطر 5

منا في هذه المعركة " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى
مضاجعهم " أي لخرج الذين قدر الله عليهم القتل وكتب في اللوح المحفوظ إلى
مصارعهم ، ولم تنفع الاقامة ( 2 ) بالمدينة ، ولم ينج منه أحد " وليبتلي الله ما في صدوركم "
ليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الاخلاص والنفاق ، وهو علة فعل محذوف
أي وفعل ذلك ليبتلي ، أو عطف على محذوف ، أي لبرز لنفاذ القضاء ، أو لمصالح جمة
ولابتلاء ( 3 ) أو على قوله : " لكيلا تحزنوا " .
" وليمحص ما في قلوبكم " وليكشفه ويميزه أو يخلصه من الوساوس
" والله عليم بذات الصدور " بخفياتها قبل إظهارها ، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على
أنه غني عن الابتلاء ، وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين ، ( 4 ) وإظهار حال المنافقين
" إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا "
يعني إن الذين انهزموا يوم أحد إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان طلب
منهم الزلل فأطاعوه واقترفوا ذنوبا ( 5 ) بترك المركز والحرص على الغنيمة أو الحياة
فمنعوا التأييد وقوة القلب لمخالفة النبي صلى الله عليه وآله ، وقيل : استزلال الشيطان توليهم ،
وذلك بسبب ذنوب تقدمت لهم ، فإن المعاصي يجر بعضها بعضا كالطاعة ، وقيل :
استزلهم بذكر ذنوب سلفت منهم وكرهوا ( 6 ) القتل قبل إخلاص التوبة والخروج
* ( هامش ) *
( 1 ) في المصدر : أو زعم .
( 2 ) في المصدر : ولم ينفعهم الاقامة .
( 3 ) في المصدر : أو للابتلاء .
( 4 ) في المصدر : لتمييز المؤمنين .
( 5 ) في المصدر : واقترفوا ذنوبا لمخالفة النبى صلى الله عليه وآله بترك المركز .
( 6 ) في المصدر : فكرهوا .
[ 34 ]
من المظلمة " ولقد عفا الله عنهم " لتوبتهم واعتذارهم " إن الله غفور " للذنوب " حليم "
لا يعاجل بعقوبة المذنب كي يتوب " يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا "
يعني المنافقين " وقالوا لاخوانهم " لاجلهم وفيهم ، ومعنى أخوتهم اتفاقهم في النسب
أو في المذهب " إذا ضربوا في الارض " إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها
" أو كانوا غزى " جمع غاز " لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا " مفعول قالوا " ليجعل
الله ذلك حسرة في قلوبهم " متعلق بقالوا على أن اللام لام العاقبة ، أو بلا تكونوا
أي لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول والاعتقاد ليجعله حسرة في قلوبهم خاصة
فذلك إشارة إلى ما دل عليه قولهم من الاعتقاد ، وقيل : إلى ما دل عليه النهي ، أي
لا تكونوا مثلهم ، ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم ، فإن مخالفتهم و
مضادتهم مما يغمهم " والله يحيي ويميت " رد لقولهم ، أي هو المؤثر في الحياة و
الممات ، لا الاقامة والسفر ، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي ، ويميت المقيم
والقاعد " والله بما تعملون بصير " تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم " ولئن قتلتم في
سبيل الله أو متم " أي في سبيله " لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون " جواب القسم
وهو ساد مسد الجزاء ، والمعنى أن السفر والغزو ليس مما يجلب الموت وتقدم
الاجل وإن وقع ذلك في سبيل الله فما ينالون ( 1 ) من المغفرة والرحمة بالموت خير
مما يجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم يموتوا ( 2 ) " ولئن متم أو قتلهم " على أي وجه
اتفق هلاككم " لالى الله تحشرون " لالى معبودكم الذي توجهتم إليه ، وبذلتم
مهجتكم لوجهه ، لا إلى غيره لا محالة تحشرون فيوفي أجوركم ويعظم ثوابكم " فبما
رحمة من الله لنت لهم " ما مزيدة للتأكيد ، والدليل على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة
من الله وهو ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق بهم حين اغتم لهم بعد أن خالفوه " ولو
كنت فظا " سيئ الخلق جافيا " غليظ القلب " قاسية " لا نفضوا من حولك "
لتفرقوا عنك ولم يسكنوا إليك " فاعف عنهم " فيما يختص بك " واستغفر لهم "
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : فما تنالون .
( 2 ) في المصدر : مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا .
[ 35 ]
فيما لله " وشاورهم في الامر " أي في أمر الحرب ، إذ الكلام فيه أو فيما يصح أن
يشاور فيه استظهارا برأيهم ، وتطييبا لنفوسهم وتمهيدا سنة المشاورة ( 1 ) للامة " فإذا
عزمت " فإذا وطنت نفسك على شئ بعد الشورى ( 2 ) .
وقال الطبرسي رحمه الله : ورووا عن جعفر بن محمد عليهما السلام وعن جابر بن يزيد
" فإذا عزمت " بالضم ، فعلى هذا يكون معناه فإذا عزمت لك ووفقتك وأرشدتك
" فتوكل على الله " ( 3 ) .
قال البيضاوي : في إمضاء أمرك على أصلح لك ، فإنه لا يعلمه سواه ( 4 )
" إن الله يحب المتوكلين " فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح " إن ينصركم الله " كما
نصركم يوم بدر " فلا غالب لكم " فلا يغلبكم أحد ( 5 ) " وإن يخذلكم " كما خذلكم
يوم أحد " فمن ذا الذي ينصركم من بعده " من بعد خذلانه ، أو من بعد الله " و
على الله فليتوكل المؤمنون " فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر سواه و
آمنوا به ( 6 ) .
" وما كان لنبي أن يغل " قال الطبرسي : روي عن ابن عباس وابن جبير
أنها نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من المغنم ، فقال بعضهم : لعل النبي صلى الله عليه وآله
أخذها .
وفي رواية الضحاك قال : إن رجلا غل بمخيط ، أي بابرة من غنائم هوازن يوم
حنين فنزلت الاية .
وعن مقاتل : أنها نزلت في غنائم أحد حين تركت الرماة المركز طلبا للغنيمة
* ( هامش ) *
( 1 ) في المصدر : لسنة المشاورة للامة .
( 2 ) انوار التنزيل 1 : 239 و 240 .
( 3 ) مجمع البيان 2 : 527 .
( 4 ) زاد في المصدر : وقرئ " فاذا عزمت " على التكلم ، اى فاذا عزمت لك على شئ
وعينته لك فتوكل على ولا تشاور فيه احدا .
( 5 ) في المصدر : فلا احد يغلبكم .
( 6 ) انوار التنزيل 1 : 241 .
[ 36 ]
وقالوا : نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله : من أخذ شيئا فهو له ولا يقسم كما لم
يقسم يوم بدر ، ووقعوا في الغنائم ، فقال ( 1 ) صلى الله عليه وآله : " أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم "
فأنزل الله الآية ، وقيل : إنه قسم الغنيمة ولم يقسم للطلائع ، فلما قدمت الطلائع
قالوا : أقسم الفئ ولم يقسم لنا ؟ فعرفعه الله الحكم فيه ، ونزلت الآية ، وقيل :
نزلت في أداء الوحي كان صلى الله عليه وآله ( 2 ) يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم ،
فسألوه أن يطوي ذلك عنهم فنزلت ( 3 ) .
وقال البيضاوي : أي وما صح لنبي أن يخون في الغنائم فإن النبوة تنافي
الخيانة " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة " يأت بالذي غله يحمله على عنقه كما
جاء في الحديث ، أو بما احتمل من وباله وإثمه " ثم توفى كل نفس ما كسبت "
يعطي ( 4 ) جزاء ما كسبت وافيا " وهم لا يظلمون " فلا ينقص ثواب مطيعهم ، ولا يزاد
في عقاب عاصيهم ( 5 ) .
" أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " قال الطبرسي : أي حين أصابكم
القتل والجرح وذلك ما أصاب المسلمين يوم أحد ، فإنه قتل منهم سبعون رجلا و
كانوا أصابوا من المشركين يوم بدر مثليها ، فإنهم كانوا قتلوا من المشركين سبعين
رجلا ، وأسروا سبعين ، وقيل : قتلتم منهم ببدر سبعين ، وبأحد سبعين ، وهذا ضعيف
فإنه لا خلاف بينهم أنه قتل منهم بأحد نفر يسير " قلتم أنى هذا " أي من أي وجه
أصابنا هذا ونحن مسلمون ، وفينا رسول الله صلى الله عليه وآله وينزل عليه الوحي ، وهم مشركون ؟
وقيل : إنهم إنما استنكروا ذلك لانه وعدهم بالنصر من الله إن أطاعوه " قل هو من
* ( هامش ) *
( 1 ) في المصدر : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله .
( 2 ) في المصدر : كان النبى صلى الله عليه وآله .
( 3 ) مجمع البيان 2 : 529 .
( 4 ) في المصدر : تعطى .
( 5 ) انوار التنزيل 1 : 241 .
[ 37 ]
عند أنفسكم " أي ما صابكم من الهزيمة والقتل من عند أنفسكم بخلافكم أمر ربكم
وترككم طاعة الرسول صلى الله عليه وآله ، وفيه أقوال : أحدها : أن ذلك مخالفتهم الرسول صلى الله عليه وآله
في الخروج من المدينة للقتال يوم أحد ، وكان النبي صلى الله عليه وآله دعاهم أن يتحصنوا بها
ويدعو المشركين إلى أن يقصدوهم فيها ، فقالوا : كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية
ونحن الآن في الاسلام ، وأنت يا رسول الله بيننا أحق بالامتناع وأعز .
وثانيها : أن ذلك باختيارهم الفداء من الاسرى يوم بدر ، وكان الحكم فيهم
القتل ، وشرط عليهم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم ، قالوا : رضينا ،
فإنا نأخذ الفداء فننتفع به ، وإذا قتل منا فيما بعد كنا شهداء ، عن علي عليه السلام و
عبيدة السلماني ، وهو المروي عن الباقر عليه السلام .
وثالثها : أن ذلك بخلاف الرماة يوم أحد لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله به من
ملازمة مراكزهم .
" إن الله على كل شئ قدير " أي فهو قادر على نصركم فيما بعد ، وإن لم
ينصركم في الحال لمخالفتكم " وما أصابكم " أيها المؤمنون " يوم التقى الجمعان "
جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد بقتل من قتل منكم ( 1 ) " فبإذن الله " أي
بعلم الله ، وقيل : بتخلية الله بينكم وبينهم التي تقوم مقام الاطلاق في الفعل برفع
الموانع والتمكين من الفعل الذي يصح معه التكليف ، وقيل : بعقوبة الله لتركهم
أمر رسول الله صلى الله عليه وآله " وليعلم المؤمنون * وليعلم الذين نافقوا " أي وليميز المؤمنين
من المنافقين " وقيل لهم " أي للمنافقين " تعالوا قاتلوا في سبيل الله " قالوا : أن
عبدالله بن أبي والمنافقين معه من أصحابه انخذلوا يوم أحد بنحو ( 2 ) من ثلاثمائة
رجل ، وقالوا : علام نقتل أنفسنا ؟ وقال لهم عبدالله بن عمرو بن حرام ( 3 ) الانصاري :
تعالوا قاتلوا قي سبيل الله واتقوا ولا تخذلوا نبيكم " أو ادفعوا " عن حريمكم
* هامش *
( 1 ) في المصدر : يعنى يوم احد من النكبة بقتل من قتل منكم .
( 2 ) في المصدر : انخزلوا يوم احد نحوا .
( 3 ) في نسخة : حزام وهو وهم ، والصواب ما اخترناه في المتن ، والرجل هو والد جابر .
[ 38 ]
وأنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله ، وقيل : معناه ، وأقيموا معنا ، كثروا سوادنا
" قالوا " أي المنافقون ( 1 ) .
" لو نعلم قتالا لاتبعناكم " قال البيضاوي : أي لو نعلم مما يصلح أن يسمى ( 2 )
قتالا لاتبعناكم فيه ، لكن ما أنتم عليه ليس بقتال ، بل إلقاء بالانفس إلى التهلكة
أو لو نحسن قتالا لاتبعناكم ، وإنما قالوا ذلك دغلا واستهزاء " هم للكفر يؤمئذ أقرب
منهم للايمان " لانخزالهم ( 3 ) وكلامهم هذا ، فإنهما أول أمارة ظهرت منهم مؤذنة
بكفرهم ، وقيل : هم لاهل الكفر أقرب نصرة منهم لاهل الايمان " يقولون بأفواههم
ما ليس في قلوبهم " يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطئ قلوبهم ألسنتهم بالايمان
" والله أعلم بما يكتمون " من النقاق وبما يخلو به بعضهم إلى بعض " الذين قالوا
لاخوانهم " أي لاجلهم ، يريد من قتل يوم أحد من أقاربهم أو من جنسهم " وقعدوا "
مقدرا بقد ( 4 ) ، أي قالوا قاعدين عن القتال " لو أطاعونا " في القعود " ما قتلوا "
كما لم نقتل " قل فادرؤا " الآية أي إن كنتم صادقين أنكم تقدرون على دفع القتل
عمن كتب عليه فادفعلوا عن أنفسكم الموت وأسبابه فإنه أحرى بكم ، والمعنى أن
العقود غير مغن ( 5 ) فإن أسباب الموت كثيرة ، وكما أن القتال يكون سببا للهلاك
والعقود ( 6 ) سببا للنجاة قد يكون الامر بالعكس ( 7 ) .
" ولا تحسبن الذين قتلوا " قال الطبرسي : قيل : نزلت في شهداء بدر ، و
قيل : في شهداء أحد وكانوا سبعين ، أربعة من المهاجرين : حمزة ، ومصعب بن عمير
* ( هامش ) *
( 1 ) مجمع البيان 2 : 533 .
( 2 ) في المصدر : لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا .
( 3 ) انخزل : انفرد . أى لاعتزالهم .
( 4 ) في المصدر : حال مقدرة بقد .
( 5 ) في المصدر : غير مغن عن الموت .
( 6 ) في المصدر : والقعود يكون سببا .
( 7 ) انوارالتنزيل 1 : 243 .
[ 39 ]
وعثمان بن شماس ، وعبدالله بن جحش ، وسائرهم من الانصار ، وقال الباقر عليه السلام
وكثير من المفسرين : إنها تتناول قتلى بدر وأحد معا ، وقيل : نزلت في شهداء
بئر معونة " الذين استجابوا لله والرسول " قال رحمه الله : لما انصرف أبوسفيان و
أصحابه من غزاة أحد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم عن المسلمين وتلاوموا ،
قالوا ( 1 ) : لا محمدا قتلتم ، ولا الكواعب أردفتم ( 2 ) ، قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا
الشريد تركتموهم ، ارجعوا ( 3 ) فاستأصلوهم ، فبلغ ذلك الخبر رسول الله صلى الله عليه وآله
فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة ، فندب أصحابه للخروج في
طلب أبي سفيان ، وقال : " ألا عصابة تشدد ( 4 ) لامر الله تطلب عدوها فإنها انكاء
للعدو وأبعد للسمع " فانتدب عصابة منهم مع ما من القرح والجرح الذي
أصابهم يوم أحد ، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله : ألا لا يخرجن معنا أحد إلا من
حضر يومنا ( 5 ) بالامس ، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ليرهب العدو وليبلغهم أنه
خرج في طلبهم فيظنوا به قوة : وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم فينصرفوا
فخرج في سبعين رجلا حتى بلغ حمرآء الاسد وهو من المدينة على ثمانية أميال .
وروى محمد بن إسحاق بن يسار عن عبدالله بن خارجة ، ( 6 ) عن زيد بن ثابت ،
عن أبي السائب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله من بني عبد الاشهل كان شهد
أحدا ، قال : شهدت أحدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين ، فلما أذن مؤذن رسول
الله صلى الله عليه وآله بالخروج في طلب العدو قلنا : لا تفوتنا ( 7 ) غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وآله
* ( هامش ) *
( 1 ) في المصدر : فقالوا .
( 2 ) ارتدفتم خ ل .
( 3 ) في المصدر : فارجعوا .
( 4 ) في المصدر : تسدد .
( 5 ) يومنا احد خ ل .
( 6 ) في المصدر وسيرة ابن هشام 2 : 52 : خارجة بن زيد بن ثابت . أقول . هذا هو
الصحيح ، وعبدالله هذا هو عبدالله بن خارجة بن عبدالله بن سليمان بن زيد بن ثابت الانصارى
وقد ينسب إلى جده .
( 7 ) في السيرة : أتفوتنا .
[ 40 ]
والله مالنا دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل ، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله و
كنت أيسر جرحا من أخي ، فكنت إذا غلب حملته عقبة ، ومشى عقبة حتى بلغنا مع
رسول الله صلى الله عليه وآله حمرآء الاسد . ( 1 ) فمر برسول الله عليه وآله معبد الخزاعي بحمرآء
الاسد وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عينة ( 2 ) رسول الله صلى الله عليه وآله بتهامة صففتهم
معه لا يخفون عنه شيئا ، ومعبد يؤمئذ مشرك ، فقال : والله يا محمد لقد عز علينا
مصابك في قومك وأصحابك ، ولوددنا أن الله كان أعفاك ( 3 ) فيهم ، ثم خرج من
عند رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحآء وأجمعوا الرجعة إلى
رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقالوا : قد أصبنا جل ( 4 ) أصحابه وقادتهم وأشرافهم ، ثم رجعنا
قبل أن نستأصلهم ، ( 5 ) فلما رأى أبوسفيان معبدا قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال :
محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرقا
وقد اجمتع عليه من كان تخلف عنه في يومكم ، وندموا على ضيعتهم ( 6 ) وفيهم من
الحنق ( 7 ) عليكم ما لم أر مثله قط ، قال : ويلك ما تقول ؟ فقال : والله ما أراك
ترتحل حتى ترى نواصي الخيل ، قال : فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم
قال : فوالله إني لانهاك عن ذلك ، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت أبياتا فيه
من شعر ، قال : وما قلت ؟ قال قلت :
كادت تهد من الاصوات راحلتي * إذ سالت الارض بالجرد الابابيل
* ( هامش ) *
( 1 ) في المصدر : حتى انتهينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حمراء الاسد .
( 2 ) في نسخة وفي السيرة : عيبة . وهو الموجود في المصدر .
( 3 ) عفاك منهم خ ل . أقول : في السيرة : عافاك فيهم .
( 4 ) في المصدر والسيرة : حد أصحابه . أقول : الحد من الانسان : بأسه وما يعتريه من
الغضب .
( 5 ) زاد في السيرة . لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم .
( 6 ) في المصدر : على صنيعهم وفي السيره . على ما ضيعوا .
( 7 ) الحنق : شدة الغيظ .
[ 41 ]
تردي ( 1 ) بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقآء ولا خرق معاذيل ( 2 ) . فظلت عدوا أظن الارض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول
وقلت : وي ( 3 ) لابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحآء بالجيل
إني نذير لاهل السير ( 4 ) ضاحية * لكل ذي إربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخش ( 5 ) تنابلة * وليس يوصف ما أثبت بالقيل
قال : فثني ذلك أبا سفيان ومن معه ، ومر به ركب من عبدالقيس فقال :


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 20 من ص 41 سطر 6 الى ص 49 سطر 6

أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة نريد الميرة ، فقال : فهل أنتم مبلغون عني محمدا
رسالة أرسلكم بها إليه ، وأحمل لكم أبلكم هذه زبيبا بعكاظ ( 6 ) غدا إذا وافيتمونا ؟
قالوا : نعم ، قال : إذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا الكرة إليه وإلى أصحابه ( 7 )
لنستأصل بقيتهم ، وانصرف أبوسفيان ، ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وآله وهو بحمراء
الاسد فأخبروه بقول أبي سفيان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه : حسبنا الله ونعم
الوكيل ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله بعد الثالثة إلى المدينة وقد ظفر في وجهه
* ( هامش ) *
( 1 ) اى تسرع .
( 2 ) في السيرة : ولا ميل معازيل . والميل جمع أميل . وهو الذى لا رمح له ، وقيل : هو
الذى لا ترس له . وقيل : هو الذى لا يثبت على السرج ومعازيل بالزاى في المصدر والسيرة
وهم الذين لا سلاح معهم .
( 3 ) في المصدر والسيرة : فقلت : ويل .
( 4 ) السيل خ ل أقول : في المصدر : السبل . وفي السيرة . البسل . والبسل : الحرام .
أراد أهل مكة . والاربة : العقل .
( 5 ) لا وحش خ . أقول : في السيرة : لا وحش قنابلة . وقنابلة جمع قنبلة وهى القطعة من الخيل .
( 6 ) عكاظ : سوق من اسواق العرب ، كانت العرب تجتمع فيها في الاشهر الحرم وتقوم
اسواقهم بها ، ويتناشدون الاشعار ويتحاجون ، ومن له اسير سعى في فدائه ، ومن له حكومة
ارتفع إلى الذى يقوم بأمر الحكومة ، ثم يفقون بعرفة ويقضون مناسك الحج ويرجعون إلى
أوطانهم .
( 7 ) في المصدر : الكرة عليه وعلى اصحابه . وفى السيرة : السير اليه وإلى اصحابه .
[ 42 ]
ذلك بمعاوية بن المغيرة بن العاص ، ( 1 وأبي غرة الجمحي ، ( 2 ) هذا قول أكثر
المفسرين ، وقال مجاهد وعكرمة : نرلت هذه الآيات في غزاة بدر الصغرى ، و
ذلك أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف : يا محمد موعدنا بيننا وبينك
موسم بدر الصغرى ، لقابل إن شئت ، ( 3 ) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ذلك بيننا وبينك ،
فلما كان العام المقبل خرج أبوسفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية من
مر الظهر ان ( 4 ) ، ثم ألقى الله عليه الرعب فبدا له في الرجوع ، فلقي نعيم بن
مسعود الاشجعي ، وقد قدم معتمرا ، فقال له أبوسفيان : إني واعدت محمدا وأصحابه
أن نلتقي بموسم بدر الصغرى . وإن هذه عام جذب فلا يصلح لنا إلا عام نرعى فيه
الشجر ، ونشرب فيه اللبن ، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة ، فألحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من
الابل أضعها على يدي سهيل بن عمرو ، فأتى نعيم المدينة فوجد الناس يتجهزون
لميعاد أبي سفيان ، فقال لهم : بئس الرأي رأيتم ، أتوكم في دياركم وقراركم ، فلم
يفلت منكم إلا شريد ، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم ، فوالله لا
يفلت منكم أحد ، فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الخروج ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :
والذي نفسي بيده لاخرجن ولو وحدي فأما الجبان فإنه رجع ، وأما الشجاع
فإنه تأهب للقتال ، وقال : حسبنا الله ونعم الوكيل ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في
أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى وهو ماء لبني كنانة ، وكان ( 5 ) موضع سوق لهم
في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام ، فأقام ببدر ينتظر أبا سفيان ،
* ( هامش ) *
( 1 ) في السيرة : معاوية بن المغيرة بن ابى العاص بن امية بن عبد شمس ، وهو جد عبد
الملك بن مروان ابو امه عائشة بنت معاوية .
( 2 ) في المصدر : ابى قرة . وكلاهما مصحفان ، والصحيح : ابى عزة وقد اشرنا اليه سابقا .
وهو الذى اسره رسول الله صلى الله عليه وآله ببدر ثم من عليه فاطلقه .
( 3 ) في المصدر : موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى القابل ان شئت .
( 4 ) ذكر ابن هشام بدر الصغرى في السيرة 2 : 221 وفيه : وبعض الناس يقول : قد بلغ
عسفان .
( 5 ) في المصدر : وكانت .
[ 43 ]
وقد انصرف أبوسفيان من مجنة إلى مكة فسماهم أهل مكة جيش السويق ، وقالوا :
إنما خرجتم تشربون السويق ، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه أحد من المشركين
ببدر ، ووافقوا السوق ، وكانت لهم تجارات فباعوها ، وأصابوا الدرهم ( 1 ) درهمين ،
وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين . وقد روى ذلك أبوالجارود عن الباقر عليه السلام
المعنى ( 2 ) .
" الذين استجابوا لله والرسول " أي أطاعوا الله في أوامره وأطاعوا رسوله " من
بعد ما أصابهم القرح " أي نالهم الجراح يوم أحد " للذين أحسنوا منهم " بطاعة رسول
الله صلى الله عليه وآله وإجابته إلى الغزو " واتقوا " معاصي الله " لهم أجر عظيم " أي ثواب جزيل
" الذين قال لهم الناس " في المعني بالناس الاول ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم الركب
الذين دسهم أبوسفيان إلى المسلمين ليجبنوهم عند منصرفهم من أحد ، لما أرادوا
الرجوع إليهم ، عن ابن عباس وابن إسحاق ، وقد مضت قصتهم .
والثاني : أنه نعيم بن مسعود الاشجعي ، وهو قول أبي جعفر وأبي
عبدالله عليهما السلام .
والثالث : أنهم المنافقون عن السدي .
" إن الناس قد جمعوا لكم " المعني به أبوسفيان وأصحابه عند أكثر المفسرين
أي جمعوا جموعا كثيرة لكم ، وقيل : جمعوا الآلات والرحال ، وإنما عبر بلفظ
الواحد عن الجمع في قوله : " قال لهم الناس " لامرين :
أحدهما أنه قد جاء هم من جهة الناس ، فأقيم كلامه مقام كلامهم ، وسمي
باسمهم .
والآخر أنه لتفخيم الشأن " فاخشوهم " أي فخافوهم ، ثم بين سبحانه أن
ذلك القول زادهم إيمانا وثباتا على دينهم ، وإقامة على نصر نبيهم ، بأن قال :
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : للدرهم .
( 2 ) المصدر خال عن كلمة ( المعنى ) ولعل المراد انه روى معنى ذلك . وليس هذا الفاظ
روايته .
[ 44 ]
" فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله " أي كافينا الله ( 1 ) وولينا وحفيظنا والمتولي
لامرنا " ونعم الوكيل " أي نعم الكافي والمعتمد والملجأ الذي يوكل إليه الامور
" فانقلبوا " أي فرجع النبي صلى الله عليه وآله ومن معه من أصحابه " بنعمة من الله وفضل "
أي بعافية من السوء وتجارة رابحة " لم يمسسهم سوء " أي قتل ، عن السدي ومجاهد ،
وقيل : النعمة ههنا : الثبوت على الايمان في طاعة الله ، والفضل : الربح في التجارة ،
عن الزجاج ، وقيل : أقل ما يفعله الله تعالى بالخلق فهو نعمة ، وما زاد على ذلك
فهو الموصوف بأنه فضل ، والفرق بين النعمة والمنفعة أن النعمة لا تكون نعمة إلا
إذا كانت حسنة ، والمنفعة قد تكون حسنة ، وقد تكون قبيحة ، وهذا لان النعمة
تستحق بها الشكر ، ولا يستحق الشكر بالقبيح " واتبعوا رضوان الله " بالخروج
إلى لقآء العدو " والله ذو فضل عظيم " على المؤمنين ( 2 ) .
قوله تعالى : " فما لكم في المنافقين فئتين " أقول : قد مر تفسيره في باب
جوامع الغزوات .
قوله : " ولا تهنوا " أي لا تضعفوا ، قال الطبرسي : قيل نزلت في الذهاب إلى بدر
الصغرى لموعد أبي سفيان يوم أحد ، وقيل : نزلت يوم أحد في الذهاب خلف أبي
سفيان وعسكره إلى حمرآه الاسد .
قال ابن عباس وعكرمة : لما أصاب المسلمون ما أصابهم يوم أحد وصعد
النبي صلى الله عليه وآله الجبل جآء أبوسفيان فقال : يا محمد لنا يوم ، ولكم يوم ، فقال صلى الله عليه وآله :
أجيبوه ، فقال المسلمون : لا سوآء قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار ، فقال
أبوسفيان :
لنا عزى ولا عزى لكم . فقال النبي صلى الله عليه وآله قولوا :
الله مولانا ولا مولى لكم .
فقال أبوسفيان :
* ( هامش ) *
( 1 ) في المصدر : أى الله كافينا .
( 2 ) مجمع البيان 2 : 535 و 539 - 541 .
[ 45 ]
اعل هبل .
فقال النبي صلى الله عليه وآله قولوا :
الله أعلى وأجل .
فقال أبوسفيان : موعدنا وموعدكم بدرالصغرى ، ونام المسلمون وبهم
الكلوم ، وفيهم نزلت " إن يمسسكم قرح " الآية ، وفيهم نزلت " إن تكونوا تألمون " الآية ، لان الله تعالى أمرهم على ما بهم من الجراح أن يتبعوهم ، وأراد بذلك إرهاب
المشركين ، فخرجوا إلى حمرآء الاسد وبلغ المشركين ذلك فأسرعوا حتى دخلوا
مكة .
" في ابتغآء القوم " أى في طلب المشركين " إن تكونوا تألمون " مما ينالكم
من الجراح منهم " فإنهم " يعني المشركين " يألمون " أيضاء مما ينالهم منكم من الجراح
والاذى " كما تألمون " من جراحهم وأذاهم " وترجون من الله الظفر عاجلا و
الثواب آجلا على ما ينالكم منهم " ما لا يرجون " على ما ينالهم منكم ( 1 ) .
قوله تعالى : " إن الذين كفروا ينفقون " قد مر تفسيره في باب قصة بدر .
توضيح : قميئة كسفينة مهموز ، اعل هبل ، أي صر عاليا بغلبة عابديك على
منكريك ، والطارق : النجم ، أي آباؤنا في الشرف والعلو كالنجم والنمارق جمع
النمرقة بضم النون والرآء وكسرها ، وهي الوسادة ، والوامق : المحب ، أي
نفارقكم فراق المعادي لا فراق المحب ، والمراد المفارقة والمعانقة بعد الحرب ،
إذا ( 2 ) كان الخطاب لاصحابه ، وإن كان للمسلمين فالمراد المعانقة عند الحرب . و
الاحابيش هم أحيآء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا ، والتحبش :
التجمع ، وقيل : حالفوا قريشا تحت جبل يسمى حبشيا فسمي بذلك ، والكبول
القصير ، وفي بعض النسخ : الدهر في الكيول باليآء المثناة التحتانية ، وهو كعيوق :
* ( هامش ) *
مجمع البيان 2 : 104 و 105 .
( 2 ) الظاهر أن ( اذا ) مصحف ( إن ) .
[ 46 ]
آخر الصفوف ، وهو أصوب ، أي أن لا أقيم في جميع دهري وعمري في آخر الصفوف ،
بل أتقدمها . والكواعب جمع الكاعب وهي الجارية حين يبدو ثديها للنهود ، أردفتم ،
أي لم تأسروهن فتجعلوهن خلفكم على الابل لتذهبوا بهن ، والشريد : الطريد
المتفرق المنهزم ، ويقال : نكيت في العدو : إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا
لذلك ، وقد يهمز ، وأبعد للسمع ، أي يذهب الخبر به إلى البلاد البعيدة فيصير
سببا لرعبهم ، فكنت إذا غلب ، أي غلبه الوجع حملته ، عقبة أي نوبة ، عينة رسول الله صلى الله عليه وآله ، أي جاسوسه ، وفي بعض النسخ بالبآء الموحدة ، وفي القاموس : العيبة
من الرجل : موضع سره ، وهو أظهر .
صفقتهم ، أي بيعتهم معه ، أعفاك فيهم ، أي لم يأمرك بقتالهم ، يتحرقون
عليكم ، أي يلتهبون غيظا ، أو يحكون أسنانهم عليكم غضبا ، تهد راحلتي ، أي تقع
وتخر ، من هد الحائط : إذا وقع . والجرد بالضم جمع الجريدة ، وهي من الخيل
جماعة جردت من سائرها لوجه ، أو هو جمع الاجرد ، يقال : فرس أجرد : إذا
رقت شعرته وقصرت ، وهو مدح . والابابيل : الجماعات الكثيرة ، ويقال : جاءت
إبلك أبابيل ، أي فرقا . تردي أي الجرد ، يقال : ردى الفرس يردي : إذا رجم
الارض بحوافره رجما بين العدو والمشي الشديد ، بأسد أي مع أسد . والتنابلة جمع
تنبل كدرهم ، أو تنبال بالكسر ، وهما القصير ، ولعله استعير للجبان أو الكسلان
كما هو المعروف في لغة العجم . والخرق بالضم : جمع الاخرق ، وهو من لا يحسن
العمل ، والمعاذيل جمع المعذال ، وقيل : المعذول وهو الملوم .
وعدوا مصدر لفعل محذوف ، أي اعدوا عدوا حال كوني أظن الارض مائلة .
لماسموا ، أي علوا برئيس وهو الرسول . والغطمطة : اضطراب موج البحر ،
وغليان الصدور ، والتغطمط : صوت مهه بحح . والبطحاء : مسيل واسع فيه دقاق
الحصى . والجيل بالكسر : الصنف من الناس ، وفي بعض النسخ بالخآء ويقال :
فعله ضاحية ، أي علانية ، والاربة بالكسر : الحيلة . والمعقول : العقل ، يقال :
عقل يعقل عقلا ومعقولا ، والوخش بفتح الواو وسكون الخآء المعجمة : الردي
[ 47 ]
من كل شئ ، ورزال الناس وسقاطهم ، للواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، وفي
بعض النسخ بالحآء المهملة ، أي ليسوا بمستوحشين ، والاول أظهر والقيل بالكسر :
القول .
1 - كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين
ابن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن أبان بن تغلب ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن
رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على حمزة وكفنه لانه كان جرد ( 1 ) .
2 - يه : استشهد حنظلة بن أبي عامر الراهب بأحد فلم يأمر النبي صلى الله عليه وآله
بغسله ، وقال : رأيت الملائكة بين السمآء والارض تغسل حنظلة بماء المزن ( 2 ) في
صحاف من فضة ، فكان يسمى غسيل الملائكة ( 3 ) .
3 - فس : " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع
عليم ( 4 ) " فإنه حدثني أبي ، عن صفوان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن
أبي عبدالله عليه السلام قال : سبب نزول هذه الآية أن قريشا خرجت من مكة تريد حرب
رسول الله ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يبتغي موضعا للقتال .
قوله : " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ( 5 ) " نزلت في عبدالله بن أبي وقوم
من أصحابه اتبعوا رأيه في ترك الخروج والعقود ( 6 ) عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال :
وكان سبب غزوة أحد أن قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة وقد أصابهم ما أصابهم
من القتل والاسر ، لانه قتل منهم سبعون ، وأسر منهم سبعون ، فلما رجعوا إلى
مكة قال أبوسفيان : يا معشر قريش لا تدعوا نسائكم يبكين على قتلاكم ( 7 ) ، فإن
* ( هامش ) *
( 1 ) فروع الكافى 1 : 58 .
( 2 ) المزن : السحاب أو ذو الماء منه .
( 3 ) من لا يحضره الفقيه : 49 . وفيه : وكان .
( 4 و 5 ) تقدم الايعاز إلى موضع الايتين في صدر الباب .
( 6 ) في المصدر : اتبعوا رأيه في القعود وترك الخروج .
( 7 ) قتلاهم خ ل .
[ 48 ]
البكاء والدمعة إذا خرجت أذهبت ( 1 ) الحزن والحرقة والعداوة لمحمد ، ويشمت
بنا محمد وأصحابه ، فلما غزوا رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد أذنوا لنسآئهم بعد ذلك في
البكآء والنوح ، فلما أرادوا أن يغزوا رسول الله إلى أحد ساروا في حلفائهم من كنانة
وغيرها فجمعوا الجموع والسلاح ، وخرجوا مكة في ثلاثه آلاف فارس ، وألفي
راجل ، وأخرجوا معهم النسآء يذكرنهم ويحثثنهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله ( 2 ) ،
وأخرج أبوسفيان هند بنت عتبة ، وخرجت معهم عمرة بنت علقمة الحارثية ( 3 ) ،
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك جمع أصحابه وأخبره أن قريشا قد تجمعت تريد
المدينة ، وحث أصحابه على الجهاد والخروج ، فقال عبدالله بن أبي وقوم : يا رسول
الله لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها ، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة و
العبد والامة على أفواه السكك وعلى السطوح ، فما أرادنا قوم قط فظفروا بنا و
نحن في حصوننا ودورنا ، وما خرجنا إلى أعدائنا قط إلا كان الظفر لهم علينا ،
فقام سعد بن معاذ وغيره من الاوس فقالوا : يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب
ونحن مشركون نعبد الاصنام ، فكيف يطمعون فينا وأنت فينا ، لا حتى نخرج
إليهم ( 4 ) فنقاتلهم ، فمن قتل منا كان شهيدا ، ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل
الله ، فقبل رسول الله قوله ، وخرج مع نفر من أصحابه يبتغون موضعا للقتال ( 5 )
كما قال الله : " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين " إلى قوله : " إذ همت طائفتان
* ( هامش ) *
( 1 ) ذهب خ ل .
( 2 ) وكان معهم مائتا فرس قد جنبوها . وسبعمائة دارع ، وثلاثه آلاف بعير .
( 3 ) وأخرج عكرمة بن أبى جهل ام حكيم بنت الحارث بن هشام ، والحارث بن هشام فاطمة
بنت الوليد بن المغيرة ، وصفوان بن امية برزة بنت مسعود بن عمرو الثقفية ، ويقال : رقية ،
وعمرو بن العاص ريطة بنت منبه بن الحجاج ، وطلحة بن أبى طلحة سلافة بنت سعد بن شهيدالانصارية
وخرجت ايضا خناس بنت مالك بن المضرب ، قاله ابن هشام في السيرة . وقال المقريزى في
الامتاع : خرجوا مح خمس عشرة امرائة .
( 4 ) في المصدر : وأنت فينا ، حتى لا نخرج إليهم .
( 5 ) يبغون موضع القتال خ ل .
[ 49 ]
منكم أن تفشلا ( 1 ) " يعني عبدالله بن أبي وأصحابه ( 2 ) ، فضرب رسول الله عسكره
مما يلي طريق العراق ( 3 ) ، وقعد عنه عبدالله بن أبي وقومه ( 4 ) وجماعة من الخزرج
اتبعوا رأيه ، ووافت قريش إلى أحد ، وكان رسول الله عليه وآله عد أصحابه وكانوا
سبعمائة رجل ، فوضع عبدالله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب ، وأشفق أن
يأتي كمينهم من ذلك المكان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعبدالله بن جبير وأصحابه : " إن
رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان ، وإن رأيتموهم قد


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 20 من ص 49 سطر 7 الى ص 57 سطر 7

هزمونا حتى أدخلوانا المدينة فلا تبرحوا وألزموا مراكزكم " ووضع أبوسفيان عليه
اللعنة خالد بن الوليد عليه اللعنة في مأتي فارس كمينا ، فقال له ( 5 ) : إذا رايتمونا قد اختلطنا
بهم فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا من وراءهم ، فلما أقبلت الخيل و
اصطفوا وعبأ رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه دفع الراية إلى أميرالمؤمنين عليه السلام ، فحملت ( 6 )
الانصار كلهم على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة ، ووقع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
في سوادهم ، وانحط خالد بن الوليد في مأتي فارس ، فلقي عبدالله بن جبير فاستقبلوهم
بالسهام ، فرجع ( 7 ) ، ونظر أصحاب عبدالله بن جبير إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
ينتهبون ( 8 ) سواد القوم ، قالوا لعبدالله بن جبير : ما يقيمنا ههنا وقد غنموا أصحابنا
ونبقى نحن بلا غنيمة ؟ فقال لهم عبدالله : اتقوا الله ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد تقدم
إلينا أن لا نبرح ، فلم يقبلوا منه ، وأقبل ينسل رجل فرجل حتى أخلوا ( 9 ) مراكزهم
* ( هامش ) *
( 1 ) ذكرنا موضع الاية في صدر الباب .
( 2 ) وقومه خ ل .
( 3 ) لان الطريق كان اسهل خ .
( 4 ) خلى المصدر عن كلمة : ( وقومه ) .
( 5 ) فقال لهم خ ل .
( 6 ) فحمل خ ل .
( 7 ) في المصدر : فرجعوا .
( 8 ) ينهبون خ ل . أقول : هو الموجود في المصدر .
( 9 ) في المصدر : حتى خلوا مراكزهم .
[ 50 ]
وبقي عبدالله بن جبير في اثني عشر رجلا ، وقد كانت راية قريش مع طلحة بن
أبي طلحة العبدري من بني عبدالدار ، فبرز ونادى : يا محمد تزعمون أنكم تجهزونا
بأسيافكم إلى النار ونجهزكم بأسيافنا إلى الجنة ، فمن شآء أن يلحق بجنته فليبرز
إلي ، فبرز إليه أميرالمؤمنين عليه السلام وهو يقول : يا طلح إن كنتم كما تقول * لكم خيول ولنا نصول ( 1 )
فاثبت لننظر أيناالمقتول * وأينا أولى بما تقول
فقد أتاك الاسد الصؤل
بصارم ليس به ( 2 ) فلول * ينصره القاهر ( 3 ) والرسول
فقال طلحة : من أنت يا غلام ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب ، قال : قد علمت
ياقضم ( 4 ) ، أنه لا يجسر علي أحد غيرك ، فشد عليه طلحة فضربه فاتقاه
أميرالمؤمنين عليه السلام بالحجفة ، ثم ضربه ( 5 ) أميرالمؤمنين على فخذيه فقطعهما جميعا
فسقط على ظهره ، وسقطت الراية ( 6 ) ، فذهب علي عليه السلام ليجهز عليه فحلفه بالرحم
* ( هامش ) *
( 1 ) لنا نصول ولكم خيول خ ل .
( 2 ) في المصدر : ليس له فلول .
( 3 ) الناصر خ ل .
( 4 ) في المصدر المطبوع : يا قضيم . وفي نسختى المخطوطة من المصدر : يا قصم بالمهملة
وفي السيرة : يا ابا القصم ، وفي هامشه : وقع في بعض النسخ " القصيم " مصغرا ، وفي بعض
آخر : " القصم " مكبرا كصرد ، والذى في شرح أبى ذر : والقصم بالقاف : الكسرالذى بيان
به بعض الشئ من بعضه والفصم بالفاء : الكسر الذى بيان به بعض الشئ من بعض ، قلت : و
الذى في النسخة ابى ذر هو الصواب ، وهو الموافق لما حكاه الزرقانى في شرح المواهب عن ابن
اسحاق ( ج 2 ص 35 ) . أقول : سيذكر المصنف عن الجزرى انه القضم .
( 5 ) ضرب خ ل .
( 6 ) في الامتاع : وفي ذلك يقول الحجاج بن علاط السلمى ،
لله اى مذبذب عن حرمة * اعنى ابن فاطمة المعم المخولا
جادت يداك لهم بعاجل طعنة * فتركت طلحة للجبين مجدلا
وشددت شدة باسل فكشفتهم * بالجر اذ يهوون أخول أخولا
وعللت سيفك بالدماء ولم تكن * لترده حران حتى ينهلا
[ 51 ]
فانصرف عنه فقال المسلمون : ألا أجهزت عليه ؟ قال : قد ضربته ضربة لا يعيش منها
أبدا ، ثم أخذ الراية أبوسعيد ( 1 ) بن أبي طلحة ، فقتله على عليه السلام ، وسقطت رايته
إلى الارض فأخذها عثمان بن أبي طلحة فقتله علي وسقطت الراية إلى الارض
فأخذها مسافع ( 2 ) بن أبي طلحة ، فقتله علي عليه السلام ، وسقطت الرآية إلى الارض
فأخذها الحارث بن أبي طلحة فقتله علي عليه السلام ، وسقطت الراية إلى الارض فأخذها
عزيز بن ( 3 ) عثمان ، فقتله علي عليه السلام ، وسقطت الرآية إلى الارض فأخذها عبدالله
بن جميلة ( 4 ) بن زهير ، فقتله علي عليه السلام وسقطت الراية إلى الارض ، فقتل أمير
المؤمنين التاسع ( 5 ) من بني عبدالدار وهو أرطاة بن شرحبيل مبارزة ، وسقطت
الرآية إلى الارض فأخذها مولاهم صوأب فضربه أميرالمؤمنين عليه السلام على يمينه فقطعها ،
وسقطت الرآية إلى الارض فأخذها بشماله ، فضربه أميرالمؤمنين عليه السلام على شماله
فقطعها ، فسقطت الرآية إلى الارض ، فاحتضنها بيديه المقطوعين ، ثم قال : يا بني
عبدالدار هل أعذرت فيما بيني وبينكم ؟ فضربه أميرالمؤمنين عليه السلام على رأسه فقتله ( 6 ) ،
وسقطت الرآية إلى الارض ، فأخذتها عمرة بنت علقمة الحارثية فنصبتها ، وانحط
خالد بن الوليد على عبدالله بن جبير وقد فر أصحابه وبقي في نفر قليل فقتلوهم
على باب العشب ، واستقفوا ( 7 ) المسلمين فوضعوا فيهم السيف ، ونظرت ( 8 ) قريش
* ( هامش ) * ( 1 ) هكذا في الكتاب ومصدره ، وفي سيرة ابن هشام والامتاع : أبوسعد بن أبى طلحة .
( 2 ) وأخذها مساقح خ ل مساقع أقول : الصحيح مسافع كما في المصدر والسيرة .
( 3 ) في المصدر المطبوع : أبوعزيز بن عثمان . ولم نجد أحدهما في السير ، نعم المذكور
في السيرة والامتاع ، ابويزيد بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار .
( 4 ) في المصدر المطبوع : عبدالله بن أبى جميلة وفي السيرة عبدالله بن حميد بن زهير
ابن الحارث بن أسد .
( 5 ) لم يذكر المصنف الثامن ، على انك عرفت أن عبدالله بن حميد أيضا لم يكن من بنى
عبدالدار ، بل كان من بنى اسد . وستأتى أسماء من قتله عليه السلام من أصحاب اللواء في كلام
الامام صادق عليه السلام وغيره . راجعه .
( 6 ) قد اختلفوا أهل السير في قاتله وفي قاتل بعض من تقدم . وسيأتى الايعاز إلى ذلك في
كلام المصنف .
( 7 ) واستعقبوا خ ل .
( 8 ) وبصرت خ ل .
[ 52 ]
في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها وأقبل خالد بن الوليد يقتلهم ( 1 ) ، و
انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله هزيمة قبيحة ، وأقبلوا يصعدون في الجبال وفي كل
وجه ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه فقال ( 2 ) : " إلي
إني ( 3 ) أنا رسول الله ، إلى أين تفرون ، عن الله وعن رسوله ؟ " .
وحدثني أبي ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام ، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه سئل
عن معنى قول طلحة بن أبي طلحة لما بارزه علي عليه السلام : ياقضم ( 4 ) ، قال : إن رسول
الله صلى الله عليه وآله كان بمكة لم يجسر عليه أحد لموضع أبي طالب ، وأغروا به الصبيان ، و
كانوا إذا خرج رسول الله يرمونه بالحجارة والتراب ، وشكى ذلك إلى علي عليه السلام
فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرجت فأخرجني معك فخرج رسول الله
صلى الله عليه وآله ومعه أميرالمؤمنين عليه السلام فتعرض الصبيان لرسول الله صلى الله عليه وآله كعادتهم ، فحمل
عليهم أميرالمؤمنين عليه السلام ، وكان يقضمهم ( 5 ) في وجوههم وآنافهم وآذانهم ، فكان
الصبيان يرجعون باكين إلى آبائهم ويقولون : قضمنا علي ، قضمنا علي ( 6 ) ،
فسمى لذلك القضم ( 7 ) .
وروي عن أبي واثلة ( 8 ) شقيق بن سلمة قال : كنت أماشي عمر بن الخطاب
إذ سمعت منه همهمة ، فقلت له : مه يا عمر ، فقال : ويحك أما ترى الهزبر القثم ابن القثم
والضارب ( 9 ) بالبهم ، الشديد على من طغا وبغا ( 10 ) بالسيفين والراية ، فالتفت فإذا
* ( هامش ) *
في المصدر : وأقبل خالد بن الوليد من وراء المسلمين يقتلهم .
( 2 ) وقال خ ل .
( 3 ) إلى إلى خ ل . أقول : في نسختى المخطوطة من المصدر : إلى إلى انى انا .
( 4 ) في المصدر المطبوع : ياقضيم . وفي المخطوط : ياقصم بالمهملة .
( 5 ) في المصدر المخطوط : يقصمهم .
( 6 ) " " " : قصمنا على قصمنا على . ( 7 ) في المصدر المطبوع : القضيم وفى المخطوط : القصم .
( 8 ) هكذا في الكتاب ومصدره ، وفيه وهم ، والصحيح : ابى وائل . راجع التقريب واسد
الغابة وغيرهما .
( 9 ) والمضارب خ ل أقول : هو الموجود في نسختى المخطوطة من المصدر .
( 10 ) هكذا في نسخة المصنف . وفيه تصحيف ، والصحيح اما طغى وبغى كما في المصدر ،
أو طغا وبغى . والاول يأتى من اليائى والواوى كليهما .
[ 53 ]
هو علي بن أبي طالب فقلت له يا عمر هو علي بن أبي طالب ، فقال : ادن مني أحدثك
عن شجاعته وبطالته ( 1 ) ، بايعنا النبي صلى الله عليه وآله يوم أحد على أن لا نفر ، ومن فر منا فهو
ضال ، ومن قتل منا فهو شهيد ، والنبي صلى الله عليه وآله زعيمه ، إذ حمل علينا مائة صنديد تحت كل
صنديد مائة رجل أو يزيدون ، فأزعجونا عن طاحونتنا ( 2 ) ، فرأيت عليا كالليث يتقي
الذر ( 3 ) إذ قد حمل كفا ( 4 ) من حصى فرمى به في وجوهنا ، ثم قال : " شاهت الوجوه ،
وقطت وبطت ولطت ، إلى أين تفرون ؟ إلى النار ؟ " فلم نرجع ، ثم كر علينا
الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت فقال : بايعتم ثم نكثتم ، فوالله لانتم أولى
بالقتل ممن أقتل ، فنظرت إلى عينيه كانهما سليطان يتوقدان نارا ، أو كالقدحين
المملوين دما ، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا فبادرت أنا إليه من بين أصحابي فقلت :
يا أبالحسن الله الله ، فإن العرب تفر وتكر ، وإن الكرة تنفي الفرة ، فكأنه
استجيى ، فولى بوجهه ( 5 ) عني ، فما زلت أسكن روعة فؤادي ، فوالله ما خرج ذلك
الرعب من قلبي حتى الساعة ، ولم يبق مع رسول الله إلا أبودجانة سماك بن خرشة
وأميرالمؤمنين
عليه السلام ، وكلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه واله استقبلهم أمير المؤمنين
صلوات الله عليه فيدفعهم عن رسول الله ، ويقتلهم حتى انقطع سيفه ، وبقيت مع
رسول الله صلى الله عليه وآله نسيبة بنت كعب المازنية وكانت تخرج مع رسول الله عليه السلام في
غزواته تداوي الجرحى ، وكان ابنها معها ، فأراد أن ينهزم ويتراجع فحملت عليه
فقالت : يا بني إلى أين تفر ؟ عن الله وعن رسوله ؟ فردته فحمل عليه رجل فقتله ،
فأخذت سيف ابنها ، فحملت على الرجل فضربته ( 6 ) على فخذه فقتلته ، فقال
* ( هامش ) * ( 1 ) من شجاعته وبطلته خ ل .
( 2 ) في المصدر : طاحوننا . ولعله مصحف طحوننا .
( 3 ) الدرق خ ل .
( 4 ) في المصدر المطبوع : واذا قد حمل كفا .
( 5 ) وجهه خ ل . أقول : يوجد ذلك في المصدرالمطبوع .
( 6 ) وضربت خ ل .
[ 54 ]
رسول الله صلى الله عليه وآله : " بارك الله عليك يانسيبة " .
وكانت تقي ريول الله صلى الله عليه وآله بصدرها وثدييها ( 1 ) حتى أصابتها جراحات
كثيرة ، وحمل ابن قميئة ( 2 ) على رسول الله عليه وآله فقال : أروني محمدا ، لا نجوت إن
نجا ، فضربه على حبل عاتقه ونادى : قتلت محمدا واللات والعزى ، ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله
إلى رجل من المهاجرين قد ألقى ترسه خلف ظهره وهو في الهزيمة ، فناداه : " يا صاحب الترس ألق ترسك ومر ( 3 ) إلى النار " فرمى بترسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :
يا نسيبة خذي الترس ، فأخذت الترس ، وكانت تقاتل المشركين . فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله : " لمقام نسيبة أفضل من مقام فلان وفلان وفلان " .
فلما انقطع سيف أميرالمؤمنين عليه السلام جاء إلى رسول الله عليه وآله فقال : يارسول
الله إن الرجل يقاتل بالسلاح ، وقد انقطع سيفي ، فدفع إليه رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه
ذا الفقار ، فقال : قاتل بهذا ، ولم يكن يحمل على رسول الله صلى الله عليه وآله أحد إلا استقبله ( 4 )
أميرالمؤمنين عليه السلام ، فإذا رأوه رجعوا ، فانحاز رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ناحية أحد ،
فوقف ، وكان القتال من وجه واحد ، وقد انهزم أصحابه ، فلم يزل أميرالمؤمنين عليه السلام
يقاتلهم حتى أصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون جراحة
فتحاموه ( 5 ) ، وسمعوا مناديا ( 6 ) من السمآء :
لا سيف إلا ذو الفقار ، ولا فتى إلا علي .
فنزل جبرئيل على رسول الله ( 7 ) صلى الله عليه وآله فقال : يا محمد هذه والله المواساة ،
* ( هامش ) *
( 1 ) في المصدر المطبوع بيديها وصدرها وثدييها . وفي المخطوط : بصدرها ويديها . ( ثدييها خ ل ) .
( 2 ) قمية خ ل أقول : الصواب ما اخترنا في المتن .
( 3 ) وسر خ ل .
( 4 ) ويستقبله خ ل . أقول : هو الموجود في المصدر المخطوط ، وحذف العاطف في المطبوع .
( 5 ) في المصدر المطبوع : فتخامره . وفي المخطوط : فتحاموه . فتهابوه خ ل .
( 6 ) دويا خ ل . أقول . هو الموجود في المصدر المطبوع والمخطوط .
( 7 ) إلى رسول الله صلى الله عليه واله خ ل .
[ 55 ]
فقال رسول الله عليه وآله : لاني منه وهو مني ، فقال جبرئيل : وأنا منكما .
وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر فكلما انهزم رجل من قريش دفعت
إليه ميلا ومكحلة ، وقالت : إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا .
وكان حمزة بن عبدالمطلب يحمل على القوم ، فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت
له أحد ، وكانت هند بنت عتبة عليها اللعنة قد أعطت وحشيا عهدا : لئن قتلت محمدا
أو عليا أو حمزة لاعطيتك لاعطينك ( 1 ) رضاك ، وكان وحشي عبدا لجبير بن مطعم
حبشيا ، فقال وحشي : أما محمد فلا أقدر عليه ، وأما علي فرأيته رجلا حذرا كثير
الالتفات فلم أطمع فيه ، فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا ، فمر بي فوطئ على
جرف ( 2 ) نهر فسقط فأخذت حربتي فهززتها ورميته فوقعت في خاصرته وخرجت
من مثانته ( 3 ) فسقط ، فأتيته فشققت بطنه فأخذت كبده وجئت بها إلى هند فقلت
لها : هذه كبد حمزة ، فأخذتها في فمها ( 4 ) فلاكتها فجعلها الله في فيها مثل الداغصة ( 5 )
فلفظتها ورمت ( 6 ) بها فبعث الله ملكا فحمله وردة إلى موضعه .
فقال أبوعبدالله عليه السلام : أبى الله أن يدخل شيئا من بدن حمزة النار .
فجاءت إليه هند فقطعت مذاكيره ( 7 ) ، وقطعت أذنيه ، وجعلتهما خرصين ،
* ( هامش ) *
( 1 ) لاعطينك رضاك خ ل .
أقول : في المصدر المطبوع : " لاعطيتك " وفي المخطوط : " لاعطينك رضاك ، ولا عطينك "
ولعل التكرار مع حذف المتعلق بعد ذكره اولا عاما لافادة امر خاص كان الوحشى له صبا .
( 2 ) في المصدر : على حرف .
( 3 ) من ثنيته خ ل . في المصدر المطبوع : فخرج من مثانته مغمسة بالدم . أقول : في
السيرة : من ثنيته . وفى الامتاع : من مثانته .
( 4 ) في فيها خ ل :
( 5 ) في المصدر المطبوع : مثل الفضة . وفي المخطوط : مثل العضة . الداغصة خ ل .
( 6 ) فرمت خ ل .
( 7 ) مذاكير جمع الذكر على غير قياس .
[ 56 ]
وشدتهما في عنقها ، وقطعت يديه ورجليه ، وتراجع الناس ، فصارت قريش على الجبل
فقال أبوسفيان وهو على الجبل : اعل هبل .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لاميرالمؤمنين : قل له :
الله أعلى وأجل .
فقال : يا علي إنه قد أنعم علينا .
فقال علي : بل الله أنعم علينا .
ثم قال : ياعلي أسألك باللات والعزى هل قتل محمد ؟ فقال له : لعنك الله ولعن
اللات والعزى معك ، والله ما قتل وهو يسمع كلامك ، قال : أنت أصدق ، لعن الله ابن قميئة ، زعم أنه قتل محمدا .
وكان عمرو بن قيس ( 1 ) قد تأخر إسلامه فلما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله في
الحرب أخذ سيفه وترسه وأقبل كالليث العادي يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن
محمدا رسول الله ، ثم خالط القوم فاستشهد ، فمر به رجل من الانصار فرآه صريعا بين
القتلى ، فقال : يا عمرو وأنت على دينك الاول ؟ قال : لا والله ، إني أشهد أن لا إله
إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ثم مات ، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله : يا
رسول الله إن عمرو بن ثابت ( 2 ) قد أسلم وقتل فهو شهيد ؟ قال : إي والله شهيد ، ما رجل
لم يصل لله ركعة دخل ( 3 ) الجنة غيره .
* ( هامش ) *
( 1 ) قيس خ ل ثابت خ ل أقول : في المصدر : عمرو بن قيس ولعل الصحيح : عمرو بن
ثابت ، قال ابن الاثير في اسد الغابة : عمرو بن ثابت بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الاشهل
الانصارى الاوسى الاشهلى ، وهو اخو سلمة بن ثابت ، وابن عم عباد بن بشر ، استشهد يوم احد
وهو الذى قيل انه دخل الجنة ولم يصل صلاة اه . ثم ذكر نحو ما في المتن .
( 2 ) في المصدر : عمرو بن قيس . وقد عرفت صوابه في تعليقنا السابق .
( 3 ) " " : ودخل .
[ 57 ]
وكان حنظلة بن أبي عامر ( 1 ) رجل من الخزرج تزوج في تلك الليلة التي
كانت صبيحتها حرب أحد ببنت ( 2 ) عبدالله بن أبي بن سلول ، ودخل بها في تلك
الليلة ، وأستاذن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقيم عندها ، فأنزل الله : " إنما المؤمنون الذين
آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين
يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن
شئت منهم ( 3 ) " فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهذه الآية في سورة النور ، وأخبار أحد
في سورة آل عمران ، فهذا الدليل على أن التأليف على خلاف م