بحار الانوار الجزء
75
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس
الله سره) الجزء الخامس والسبعون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان الطبعة الثانية
المصححة 1403 ه. 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - صرب: 1457 - هاتف: 386868
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم 49 - كتاب
الغارات: (1) لابراهيم بن محمد الثقفي، عن أبي زكريا الجريري عن بعض أصحابه قال:
خطبة لامير المؤمنين عليه السلام الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده و رسوله انتجبه
بالولاية، واختصه بالاكرام، وبعثه بالرسالة، أحب خلقه إليه. وأكرمهم عليه، فبلغ
رسالات ربه، ونصح لامته، وقضى الذي عليه. اوصيكم بتقوى الله، فان تقوى الله خير ما
تواصت به العباد، وأقربه من رضون الله، وخيره في عواقب الامور. فبتقوى الله امرتم،
ولها خلقتم، فاخشوا الله خشية ليست بسمعة ولا تعذير (2) فانه لم يخلقكم عبثا، وليس
بتارككم سدى (3) قد أحصى أعمالكم، وسمى آجالكم، وكتب آثاركم، فلا تغرنكم الدنيا
فإنها غرارة،. مغرور من اغتر بها، وإلى فناء ما هي. نسأل الله ربنا وربكم أن يرزقنا
وإياكم خشية السعداء، ومنازل الشهداء ومرافقة الانبياء، فإنما نحن به وله.
(1) مخطوط. (2) عذر في الامر تعذيرا: قصر
فيه بعد جهد. (3) أي لا يترككم مهملا باطلا.
[2]
50 - وبهذا الاسناد خطبة له عليه السلام:
الحمد لله نحمدة تسبيحا، ونمجده تمجيدا نكبر عظمته لعز جلاله، ونهلله تهليلا، موحدا
مخلصا، ونشكره في مصانعة الحسنى، أهل الحمد والثناء الاعلى، ونستغفره للحت من
الخطايا، ونستعفيه من متح ذنوب البلايا (1) ونؤمن بالله يقينا في أمره، ونستهدي
بالهدى العاصم المنقذ العازم بعزمات خير قدر (؟) موجب فضل عدل قضاء نافذ بفوز سابق
بسعادة في كتاب كريم مكنون، ونعوذ بالله من مضيق مضائق السبل على أهلها بعد اتساع
مناهج الحق لطمس آيات منير الهدى بلبس ثياب مضلات الفتن، ونشهد غير ارتياب، حال دون
يقين مخلص بأن الله واحد موحد، وفي وعده، وثيق عقده، صادق قوله، لا شريك له في
الامر، ولا ولي له من الذل، نكبره تكبيرا، لاإله إلا الله هو العزيز الحكيم. ونشهد
أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده بعيث الله لوحيه، ونبيه بعينه، ورسوله بنوره،
مجيبا مذكرا مؤديا، مبقيا مصابيح شهب ضياء مبصر. وماحيا ماحقا مزهقا رسوم أباطيل
خوض الخائضين، بدار اشتباك ظلمة كفر دامس، فجلا غواشي أظلام لجي راكد (2) بتفصيل
آياته من بعد توصيل قوله وفصل فيه القول للذاكرين بمحكمات منه بينات، ومشتبهات
يتبعها الزايغ قلبه ابتغاء التأويل تعرضا للفتن. والفتن محيطة بأهلها. والحق نهج
مستنير، من يطع الرسول يطع الله ومن يطع الله يستحق الشكر من الله بحسن الجزاء، ومن
يعص الله ورسوله يعاين عسر الحساب لدى اللقاء، قضاء بالعدل عند القصاص بالحق يوم
إفضاء الخلق إلى الخالق. أما بعد فمنصت سامع لواعظ نفعه إنصاته وصامت ذولب شغل قلبه
بالفكر في أمر الله حتى أبصر فعرف فضل طاعته على معصيته، وشرف نهج ثوابه على احتلال
من عقابه، ومخبر النائل رضاه عند المستوجبين غضبه عند تزايل الحساب. وشتى بين
الخصلتين وبعيد تقارب ما بينهما، اوصيكم بتقوى الله بارئ الازواح وفالق الاصباح.
(1) الحت بتشديد التاء السقوط، والمتح
استقاء الماء بالدلو، والذنوب بفتح الذال المعجمة: الدلو. (2) اللج: معظم الماء.
[3]
51 - من كتاب مطالب السؤول (1) لمحمد بن
طلحة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم إن من
صرحت (2) له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحم الشبهات، ألا وإن
الخطايا خيل شمس (3) حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، ألا وإن
التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها واعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة. حق وباطل ولكل
أهل، فلئن أمر الباطل (4) لقديما فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل ولقلما أدبر شئ
فأقبل. لقد شغل من الجنة والنار أمامه. ساع سريع نجا، وطالب بطئ رجا، ومقصر في
النار هوى، اليمين والشمال مضلة (5) والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب
(6) وآثار النبوة، ومنها منفذ السنة، وإليها مصير العاقبة، هلك من ادعى، وخاب من
افترى، وخسر من باع الاخرة بالاولى، ولكل نبأ مستقر وكل ما هو آت قريب. 52 - ومنه:
(7) لقد جاهرتكم العبر، وزجرتم بما فيه مزدجر، وما يبلغ عن الله بعد رسل الله إلا
البشر، ألا وإن الغاية أمامكم، وإن وراءكم الساعة، تحدوكم تخففوا تلحقوا، فانما
ينتظر بأولكم آخركم (8).
(1) المصدر ص 28. (2) الزعيم: الضامن.
والتصريح: كشف الامر وانكشافه. (3) الشموس: معرب چموش. (4) أمر يأمر - من باب تعب
-: كثر. (5) أي طرفي الافراط والتفريط. (6) هو ما يبقى من أثر مشيه وموضع قدمه كانه
مشى على الطريق الوسطى. وقيل باقى الكتاب هو ما لم ينسخ منه لكن الاول هو الصواب.
(7) مطالب السؤول ص 33. (8) تحدوكم أي تسوقكم. وقوله " تخففوا تلحقوا " أي تخففوا
بالقناعة وترك الحرص أو كناية عن عدم الركون الي الدنيا واتخاذها دار ممر لا دار
مقر. والانتظار بالاول كناية - - -
[4]
53 - وقال عليه السلام يوما وقد أحدق
الناس به: احذركم الدنيا فانها منزل قلعة وليست بدار نجعة (1) هانت على ربها فخلط
خيرها بشرها، وحلوها بمرها، لم يضعها لاوليائه، ولا يضنن بها علي أعدائه، وهي دار
ممر لا دار مستقر، والناس فيها رجلان رجل باع نفسه فأوبقها (2) ورجل ابتاع نفسه
فأعتقها، إن اعذوذب منها جانب فحلا، أمر منها جانب فأوبى (3) أولها عناء، وآخرها
فناء، من استغنى فيها فتن ومن اقتفر فيها حزن، من ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته،
ومن أبصر فيها بصرته ومن أبصر إليها أعمته، فالانسان فيها غرض المنايا، مع كل جرعة
شرق، ومع كل اكلة غصص، لا تنال منها نعمة إلا بفراق اخرى. 54 - وقال يوما في مسجد
الكوفة وعنده وجوه الناس: أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد
فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما
جهلنا، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، والناس على أربعة أصناف منهم من لا يمنعه
الفساد في الارض إلا مهانة نفسه وكلالة حده ونضيض وفره. ومنهم المصلت بسيفه، المعلن
بشره (4) والمجلب بخيله ورجله، قد أهلك نفسه، وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب
يقوده، أو منبر يفرعه (5) ولبئس المتجر أن ترى - - - -
عن كونهم كمن سبق من الرفقة إلى بلدة لا
يؤذن لهم في دخولها الا بالاجتماع ولحوق الاخرين أي لابد لكم من ترك هذه الدار
ونزول دار القرار والاجتماع. (1) القلعة - بضم القاف - المال العارية أو ما لا
يدوم. والنجعة - بالضم - طلب الكلاء وقوله " هانت " من المهانة. (2) أوبقها أي
أهلكها وأذلها. (3) أي يبتلى بالوباء. (4) القارعة: الداهية. ونض الماء نضيضا: سال
قليلا قليلا، واصلات السيف هو اعلان الشر والفساد. (5) الانتهاز: الانتظار.
والمقنب: جماعة من الخيل تجتمع للغارة جمع مقانب. وفرع الجبل: صعده.
[5]
الدنيا لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله
عوضا. ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الاخرة ولا يطلب الاخرة بعمل الدنيا، قد طأمن من
شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه (1) وزخرف من نفسه الامانة واتخذ سر الله تعالى
ذريعة إلى المعصية. ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه (2) وانقطاع سببه،
فقصرته الحال على حاله، فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس أهل الزهادة، وليس من ذلك
في مراح، ولا مغدى (3) وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر،
فهم بين شريد ناء، وخائف مقموع، وساكت مكعوم (4) وداع مخلص، وثكلان موجع قد أخملتهم
التقية، وشملتهم الذلة فهم في بحر اجاج، أفواههم خامرة (5) وقلوبهم قرحة، قد وعظوا
حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا، فلتكن الدنيا عندكم أصغر من حثالة
القرظ، وقراضة الجلم (6). واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم،
وارفضوها ذميمة فانها رفضت من كان أشغف بها منكم، فياما أغر خداعها مرضعة، وياما
أضر نكالها فاطمة. 55 - وقد نقل عنه عليه السلام أنه قال وقد اجتمع حوله خلق كثير:
اتقوا الله فما
(1) طأمن مقلوب طمأن أي سكن، وطأمن منه أي
سكنه، وشمر ثوبه أي رفعه عن ساقيه للتنزه والاحتراز من النجاسة والقذارة. (2)
الضؤولة - بالضم -: الحقارة. ورجل ضئيل أي ضعيف نحيف. (3) المراح موضع يروح القوم
منه أو إليه. والمغدى اسم مكان من الغدو. (4) المقموع: المقهور. والمكعوم: الملحم.
(5) خمر - كضرب ونصر -: سكت ولم يتكلم. (6) الحثالة - بالضم - ما يسقط من قشر
الشعير والارز. والقرظ - بالتحريك - ورق السلم يدبغ به الاديم. وقراضة الجلم يعنى
ريزه دم قيچى.
[6]
خلق امرء عبثا فيلهو، ولا ترك سدى فيلغو،
وما دنياه التي تحسنت له بخلف من الاخرة التي قبحها سوء ظنه عنده، وما المغرور
بزخرفها الذي بناج من عذاب ربه عند مرده إليه. 56 - وقال عليه السلام: عليكم بالعلم
فانه صلة بين الاخوان، ودال على المروة وتحفة في المجالس، وصاحب في السفر، ومونس في
الغربة، وإن الله تعالى يحب المؤمن العالم الفقيه، الزاهد الخاشع، الحيي العليم،
الحسن الخلق، المقتصد المنصف. 57 - وقال عليه السلام: من تواضع للمتعلمين وذل
للعلماء ساد بعلمه، فالعلم يرفع الوضيع، وتركه يضع الرفيع، ورأس العلم التواضع،
وبصره البراءة من الحسد وسمعه الفهم، ولسانه الصدق، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة
أسباب الامور، و من ثمراته التقوى، واجتناب الهوى، واتباع الهدى، ومجانبة الذنوب،
ومودة الاخوان والاستماع من العلماء، والقبول منهم، ومن ثمراته ترك الانتقام عند
القدرة واستقباح مقارفة الباطل، واستحسان متابعة الحق. وقول الصدق، والتجافي عن
سرور في غفلة، وعن فعل ما يعقب ندامة، والعلم يزيد العاقل عقلا، ويورث متعلمه صفات
حمد، فيجعل الحليم أميرا، وذا المشورة وزيرا، ويقمع الحرص، ويخلع المكر، ويميت
البخل، ويجعل مطلق الوحش مأسورا (1) وبعيد السداد قريبا. 58 - وقال عليه السلام (2)
العقل عقلان عقل الطبع وعقل التجربة وكلاهما يؤدي إلى المنفعة، والموثوق به صاحب
العقل والدين، ومن فاته العقل والمروة فرأس ماله المعصية، وصديق كل امرء عقله،
وعدوه جهله، وليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الشرين،
ومجالسة العقلاء تزيد في الشرف، والعقل الكامل قاهر الطبع السوء، وعلى العاقل أن
يحصي على نفسه مساويها في الدين والرأي والاخلاق والادب فيجمع ذلك في صدره أو في
كتاب
(1) المأسور: الاسير. (2) مطالب السؤول ص
49.
[7]
ويعمل في إزالتها. 59 - وقال عليه السلام:
الانسان (1) عقل وصورة فمن أخطأه العقل ولزمته الصورة لم يكن كاملا، وكان بمنزلة من
لا روح فيه، ومن طلب العقل المتعارف فليعرف صورة الاصول والفضول، فإن كثيرا من
الناس يطلبون الفضول ويضعون الاصول، فمن أحرز الاصل اكتفى به عن الفضل، وأصل الامور
في الانفاق طلب الحلال لما ينفق والرفق في الطلب، وأصل الامور في الدين أن يعتمد
على الصلوات ويجتنب الكبائر وألزم ذلك لزوم ما لا غنى عنه طرفة عين، وإن حرمته هلك،
فان جاوزته إلى الفقه والعبادة فهو الحظ، وإن أصل العقل العفاف وثمرته البراءة من
الاثام، وأصل العفاف القناعة وثمرتها قلة الاحزان. وأصل النجدة القوة وثمرتها
الظفر، وأصل العقل (2) القدرة وثمرتها السرور، ولا يستعان على الدهر إلا بالعقل،
ولا على الادب إلا بالبحث، ولا على الحسب إلا بالوفاء، ولا على الوقار إلا
بالمهابة، ولا على السرور إلا باللين، ولا على اللب إلا بالسخاء، ولا على البذل إلا
بالتماس المكافأة، ولا على التواضع إلا بسلامة الصدر، وكل نجدة يحتاج إلى العقل،
وكل معونة تحتاج إلى التجارب، وكل رفعة يحتاج إلى حسن احدوثة، وكل سرور يحتاج إلى
أمن، وكل قرابة يحتاج إلى مودة، وكل علم يحتاج إلى قدرة، وكل مقدرة تحتاج إلى بذل،
ولا تعرض لما لا يعنيك بترك ما يعنيك. فرب متكلم في غير موضعه قد أعطبه ذلك. 60 -
وقال عليه السلام: لا تسترشد إلى الحزم بغير دليل العقل فتخطئ منهاج الرأي فان أفضل
العقل معرفة الحق بنفسه، وأفضل العلم وقوف الرجل عند علمه، و أفضل المروة استبقاء
الرجل ماء وجهه، وأفضل المال ما وقي به العرض، وقضيت به الحقوق. 61 - وعن عبد الله
بن عباس قال: ما انتفعت بكلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كانتفاعي
(1) المصدر ص 49. (2) كذا وفي بعض النسخ "
أصل الفعل ".
[8]
بكتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب عليه
السلام فإنه كتب إلي: أما بعد (1) فان المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه
فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها،
وما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحا، وما فاتك منه فلا تأس عليه جزعا، وليكن همك
فيما بعد الموت. والسلام. 62 - وقال عليه السلام لجماعة: خذوا عني هذه الكلمات فلو
ركبتم المطي حتى تنضوها ما صبتم مثلها (2): لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا
ذنبه، ولا يستحي إذا لم يعلم أن يتعلم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا
أعلم، واعلموا أن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس
له، فاصبروا على ما كلفتموه رجاء ما وعدتموه. 63 - وقال عليه السلام: الشئ شيئان شئ
قصر عني لم ارزقه فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي، وشئ لا أناله دون وقته ولو استعنت
عليه بقوة أهل السماوات والارض، فما أعجب أمر هذا الانسان يسره درك ما لم يكن
ليدركه، ولو أنه فكر لابصر ولعلم أنه مدبر، واقتصر على ما تيسر، ولم يتعرض لما
تعسر، واستراح قلبه مما استوعر، فبأي هذين أفنى عمري، فكونوا أقل ما يكونون في
الباطن أموالا، أحسن ما يكونون في الظاهر أحوالا، فان الله تعالى أدب عباده
المؤمنين العارفين أدبا حسنا فقال: جل من قائل: " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف
تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا " (3). 64 - وقال عليه السلام: لا يكون غنيا
حتى يكون عفيفا، ولا يكون زاهدا حتى يكون متواضعا، ولا يكون حليما حتى يكون وقورا،
ولا يسلم لك قلبك حتى تحب للمؤمنين ما تحب لنفسك، وكفى بالمرء جهلا أن يرتكب ما نهي
عنه، وكفى به عقلا
(1) المصدر ص 55. وفى النهج مثله. (2)
أنضى البعير: هزله. (3) البقرة: 273.
[9]
أن يسلم عن شره، فأعرض عن الجهل وأهله،
واكفف عن الناس ما تحب أن يكف عنك، وأكرم من صافاك وأحسن مجاورة من جاورك، وألن
جانبك واكفف عن الاذى، واصفح عن سواء الاخلاق، ولتكن يدك العليا إن استطعت، ووطن
نفسك على الصبر على ما أصابك، وألهم نفسك القنوع، واتهم الرجاء، وأكثر الدعاء تسلم
من سورة الشيطان ولا تناقس على الدنيا، ولا تتبع الهوى، وتوسط في الهمة تسلم ممن
يتبع عثراتك، ولا تك صادقا حتى تكتم بعض ما تعلم، احلم عن السفيه يكثر أنصارك عليه،
عليك بالشيم العالية تقهر من يعاديك، قل الحق، وقرب المتقين، واهجر الفاسقين، وجانب
المنافقين، ولا تصاحب الخائنين. 65 - وقال عليه السلام: قل عند كل شدة " لا حول ولا
قوة إلا بالله " تكف بها وقل عند كل نعمة " الحمد لله " تزدد منها، وقل إذا أبطأت
عليك الارزاق " أستغفر الله " يوسع عليك. عليك بالمحجة الواضحة التي لا تخرجك إلى
عوج، و لا تردك عن منهج. الناس ثلاث: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج
رعاع. مفتاح. الجنة الصبر، مفتاح الشرف التواضع، مفتاح الغنى اليقين، مفتاح الكرم
التقوى. من أراد أن يكون شريفا فيلزم التواضع، عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله،
الطمأنينة قبل الحزم ضد الحزم، المغتبط من حسن يقينه. 66 - وقال عليه السلام: اللهو
يسخط الرحمن ويرضي الشيطان وينسى القرآن، عليكم بالصدق فان الله مع الصادقين،
المغبون من غبن دينه. جانبوا الكذب فانه مجانب الايمان، والصادق على سبيل نجاة
وكرامة، والكاذب على شفا هلك وهون. قولوا الحق تعرفوا به، واعملوا الحق تكونوا من
أهله، وأدوا الامانة إلى من ائتمنكم، ولا تخونوا من خانكم، وصلوا أرحام من قطعكم،
وعودوا بالفضل على من حرمكم، أوفوا إذا عاهدتم، واعدلوا إذا حكمتم، لا تفاخروا
بالاباء، و لا تنابزوا بالالقاب، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وافشوا
السلام، و ردوا التحية بأحسن منها، وارحموا الارملة واليتيم، وأعينوا الضعيف
والمظلوم وأطيبوا المكسب، وأجملوا في الطلب.
[10]
67 - وقال عليه السلام: لا راحة لحسود،
ولا مودة لملول، ولا مروة لكذوب، ولا شرف لبخيل، ولا همة لمهين، ولا سلامة لمن أكثر
مخالطة الناس، الوحدة راحة والعزلة عبادة، والقناعة غنية، والاقتصاد بلغة (1) وعدل
السلطان خير من خصب الزمان، والعزيز بغير الله ذليل، والغني الشره فقير (2) لا يعرف
الناس إلا بالاختبار، فاختبر أهلك وولدك في غيبتك، وصديقك في مصيبتك، وذا القرابة
عند فاقتك، وذا التودد والملق عند عطلتك (3) لتعلم بذلك منزلتك عندهم، واحذر ممن
إذا حدثته ملك، وإذا حدثك غمك، وإن سررته أو ضررته سلك فيه معك سبيلك، وإن فارقك
ساءك مغيبه بذكر سوأتك، وإن مانعته بهتك وافترى، وإن وافقته حسدك واعتدى، وإن
خالفته مقتك ومارى (4) يعجز عن مكافأة من أحسن إليه، ويفرط على من بغى عليه، يصبح
صاحبه في أجر، ويصبح هو في وزر، لسانه عليه لاله، ولا يضبط قلبه قوله، يتعلم
للمراء، ويتفقه للرياء، يبادر الدنيا، ويواكل التقوى، فهو بعيد من الايمان، قريب من
النفاق، مجانب للرشد، موافق للغي فهو باغ غاو، لا يذكر المهتدين. 68 - وقال عليه
السلام: (5) لا تحدث من غير ثقة فتكون كذابا، ولا تصاحب همازا فتعد مرتابا، ولا
تخالط ذا فجور فترى متهما، ولا تجادل عن الخائنين فتصبح ملوما وقارن أهل الخير تكن
منهم، وباين أهل الشرتبن عنهم، واعلم أن من الحزم العزم واحذر اللجاج تنج من كبوته
(6) ولا تخن من ائتمنك وإن خانك في أمانته، ولا
(1) الغنية - بالضم - اليسار والكفاية.
والبلغة - بالضم أيضا -: ما يكفى من العيش ولا يفضل. (2) الشره: الحريص. (3) العطلة
- بالضم -: البقاء بلا عمل. والمراد الفقر. (4) المماراة: المنازعة والمجادلة (5)
مطالب السؤول ص 56. (6) الكبوة السقوط على الوجه.
[11]
تذع سر من أذاع سرك، ولا تخاطر بشئ رجاء
ما هو أكثر منه، وخذ الفضل، و أحسن البذل، وقل للناس حسنا، ولا تتخذ عدو صديقك
صديقا فتعادي صديقك، وساعد أخاك وإن جفاك، وإن قطعته فاستبق له بقية من نفسك، ولا
تضيعن حق أخيك فتعدم إخوته، ولا يكن أشقى الناس بك أهلك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك
وليس جزاء من سرك أن تسوءه، واعلم أن عاقبة الكذب الذم، وعاقبة الصدق النجاة. 69 -
ونقل عنه عليه السلام: أنه رأى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - وقد تنفس الصعداء
(1) فقال عليه السلام: يا جبار على م تنفسك أعلى الدنيا ؟ فقال جابر: نعم فقال له:
يا جابر ملاذ الدنيا سبعة: المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح و المركوب والمشموم
والمسموع، فألذ المأكولات العسل وهو بصق من ذبابة، وأحلى المشروبات الماء، وكفى
بإباحته وسباحته على وجه الارض، وأعلى الملبوسات الديباج وهو من لعاب دودة، وأعلى
المنكوحات النساء وهو مبال في مبال، ومثال لمثال، وإنما يراد أحسن ما في المرأة
لاقبح ما فيها، وأعلى المركوبات الخيل وهو قواتل، وأجل المشمومات المسك وهو دم من
سرة دابة، وأجل المسموعات الغناء والترنم وهو إثم، فما هذه صفته لم يتنفس عليه
عاقل. قال جابر بن عبد الله: فوالله ما خطرت الدنيا بعدها على قلبي. 70 - وقال عليه
السلام: في الامثال: بالصبر يناضل (2) الحدثان، الجزع من أنواع الحرمان، العدل
مألوف والهوى عسوف (3) والهجران عقوبة العشق، البخل جلباب المسكنة، لا تأمنن ملولا،
إزالة الرواسي أسهل من تأليف القلوب المتنافرة، من اتبع الهوى ضل، الشجاعة صبر
ساعة، خير الامور أوسطها، القلب بالتعلل رهين، من ومقك
(1) الصعداء - بضم الصاد وفتح العين
المهملتين - التنفس الطويل من هم أو تعب. (2) ناضله مناضلة: باراه في رمى السهام
وناضل عنه: حامى وجادل ودافع عنه. وحدثان الدهر - بكسر الحاء وفتحها - نوائبه
ومصائبه. (3) العسوف - بفتح العين - الشديد العسف أي الجور. والظلم.
[12]
أعتبك (1) القلة ذلة، المجاعة مسكنة، خير
أهلك من كفاك، ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة، من ولع بالحسد ولم به الشؤم، كم تلف
من صلف، كم قرف من سرف (2) عدو عاقل خير من صديق أحمق، التوفيق من السعادة،
والخذلان من الشقاوة، من بحث عن عيوب الناس فبنفسه بدأ، من كان في حاجة أخيه كان
الله في حاجته، من سلم من ألسنة الناس كان سعيدا، من صحب الملوك تشاغل بالدنيا،
الفقر طرف من الكفر، من وقع في ألسنة الناس هلك، من تحفظ من سقط الكلام أفلح، كل
معروف صدقة، كم من غريب خير من قريب، لو القيت الحكمة على الجبال لقلقلتها (3)، كم
من غريق هلك في بحر الجهالة، وكم عالم قد أهلكته الدنيا، خير إخوانك من واساك، وخير
منه من كفاك، خير مالك ما أعانك على حاجتك، خير من صبرت عليه من لابد لك منه، أحق
من أطعت مرشد لا يعصيك، من أحب الدنيا جمع لغيره، المعروف فرض، والايام دول، عند
تناهي البلاء يكون الفرج، من كان في النعمة جهل قدر البلية، من قل سروره كان في
الموت راحته، قد ينمي القليل فيكثر، ويضمحل الكثير فيذهب. رب اكلة يمنع الاكلات،
أفلج الناس حجة من شهد له خصمه بالفلج (4) السؤال مذلة، والعطاء محبة، من حفر لاخيه
بئرا كان، بترديه فيها جديرا. أملك عليك لسانك، حسن التدبير مع الكفاف أكفى من
الكثير مع الاسراف. الفاحشة كاسمها، مع كل جرعة شرقة، مع كل أكلة غصة، بحسب السرور
يكون التنغيص، الهوى يهوي بصاحب الهوى، عدو العقل الهوى، الليل أخفى للويل صحبة
الاشرار تورث سوء الظن بالاخيار، من أكثر من شئ عرف به، رب كثير هاجه صغير، رب ملوم
لاذنب له، الحر حر ولو مسه الضر، ما ضل من
(1) ومقه: أحبه. (2) الصلف: التملق.
والقرف: النكس من مرض. (3) القلقلة: التحريك. (4) الفلج: الظفر.
[13]
استرشد، ولا حار من استشار، الحازم لا
يستبد برأيه، آمن من نفسك عندك من وثقت به على سرك، المودة بين الاباء قرابة بين
الابناء. 71 - وقال عليه السلام: من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه، ومن بالغ في
الخصومة أثم، ومن قصر فيها ظلم، من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته، إنه ليس
لانفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها، من عظم صغار المصائب ابتلاه الله
بكبارها، الولايات مضامير الرجال، ليس بلد أحق منك من بلد، وخير البلاد من حملك،
إذا كان في الرجل خلة رائعة فانتظر أخواتها، الغيبة جهد العاجز، رب مفتون بحسن
القول فيه، ما لابن آدم والفخر أوله نطفة، وآخره جيفة، لا يرزق نفسه، و لا يمنع
حتفه، الدنيا تغر وتضر وتمر إن الله تعالى لم يرضها ثوابا بأوليائه ولا عقابا
لاعدائه، وإن أهل الدنيا كركب بينا هم حلوا إذ صاح سائقهم فارتحلوا، من صارع الحق
صرعه، القلب مصحف البصر (1) التقى رئيس الاخلاق، ما أحسن تواضع الاغنياء للفقراء
طلبا لما عند الله. وأحسن منه تيه الفقراء على الاغنياء إتكالا على الله. كل مقتصر
عليه كاف (2) الدهر يومان يوم لك ويوم عليك، فان كان لك فلا تبطر، وإن كان عليك فلا
تضجر، من طلب شيئا ناله أو بعضه، الركون إلى الدنيا مع ما يعاين منها جهل، والتقصير
في حسن العمل مع الوثوق بالثواب عليه غبن والطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار عجز،
والبخل جامع لمساوي الاخلاق، نعم الله على العبد مجلبة لحوائج الناس إليه، فمن قام
لله فيها بما يجب عرضها للدوام والبقاء، ومن لم يقم فيها بما يجب عرضها للزوال
والفناء، الرغبة مفتاح النصب، والحسد مطية التعب. من علم أن كلامه من عمله قل كلامه
إلا فيما يعنيه من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم حببها (3) لنفسه فذلك الاحمق
بعينه، العفاف
(1) استعار لفظ المصحف للقلب باعتبار
انتقاشه بصور ما ينبغى التكلم به في لوح الخيال وادراك الحس المشترك له من باطن فهو
كالمصحف يقرأ منه. (2) أي كل ما يمكن الاقتصار عليه فهو كاف. (3) في بعض النسخ " ثم
رضيها ". (*)
[14]
زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، رسولك
ترجمان عقلك، وكتابك أبلغ ما ينطق عنك. الناس أبناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب
أمه، الطمع ضامن غير وفي، و الاماني تعمى أعين البصائر، لا تجارة كالعمل الصالح،
ولا ربح كالثواب، ولا قائد كالتوفيق، ولا حسب كالتواضع، ولا شرف كالعلم، ولا ورع
كالوقوف عند الشبهة، ولا قرين كحسن الخلق، ولا عبادة كأداء الفرائض، ولا عقل
كالتدبير، ولا وحدة أوحش من العجب، ومن أطال الامل أساء العمل. 72 - وسمع عليه
السلام (1) رجلا من الحرورية يقرأ ويتهجد فقال: نوم على يقين خير من صلاة في شك،
إذا تم العقل نقص الكلام، قدر الرجل قدر همته قيمة كل امرء ما يحسنه، المال مادة
الشهوات، الناس أعداء ما جهلوه، أنفاس المرء خطاه إلى أجله. 73 - وقال عليه السلام:
احذركم الدنيا فإنها خضرة حلوة، حفت بالشهوات، و تحببت بالعاجلة (2) وعمرت بالامال،
وتزينت بالغرور، ولا يؤمن فجعتها، ولا يدوم حبرتها (3) ضرارة غدارة غرارة زائلة
بائدة أكالة عوالة، لا تعد و إذا تناهت إلى امنية أهل الرضا بها (4) والرغبة فيها
أن يكون كما قال الله عز وجل " (5) " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض
فأصبح هشيما تذروه الرياح (6) على أن امرءا لم يكن فيها في حبرة إلا أعقبته بعدها
عبرة ولم يلق
(1) مطالب السؤول ص 57. (2) أي صارت
محبوبة للناس بكونها لذة عاجلة. والنفوس مولعة بحب العاجل. (3) الحبرة: النعمة
والسرور. (4) باد أي هلك. وغاله: أهلكه. وعداه يعدوه: جاوزه. والامنية: ما يتمناه
الانسان أي يريده ويأمله. (5) الكهف 45. (6) أي غاية موافقة الدنيا لاهلها لا يجاوز
المثل المضروب لها في الكتاب الكريم والمراد بالماء المطر، واختلاط النبات به دخوله
في خلل النبات عند النمو، والهشيم نبت يابس مكسر. وتذروه الرياح أي تطيره فيصير كأن
لم يكن.
[15]
من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا
(1) ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء (2) وحري إذا أصبحت له متنصرة
أن تمسى له متنكرة، فإن جانب منها اعذوذب لامرء واحلولى أمر عليه جانب فأوبي، وإن
لقى امرء من غضارتها رغبا زودته من نوائبها تعبا، ولا يمسي امرء منها في جناح أمن
إلا أصبح في خوافي خوف (3) غرارة غرور ما فيها، فانية فان من عليها، من أقل منها
استكثر مما يؤمنه (4) ومن استكثر منها لم يدم له وزال عما قليل عنه، كم من واثق بها
قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي خدع قد خدعته، وذي أبهة قد صيرته حقيرا،
وذي نخوة قد صيرته خائفا فقيرا، وذي تاج قد أكبته لليدين و الفم. سلطانها دول،
وعيشها رنق (5) وعذبها اجاج، وحلوها صبر، وغذائها سمام وأسبابها رمام (6) حيها بعرض
موت وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام عزيزها مغلوب، وملكها مسلوب، وضيفها
مثلوب، وجارها محروب (7) ثم من وراء
(1) الحبرة بالفتح: النعمة. والعبرة:
الدمعة. والسراء مصدر بمعنى المسرة و والضراء: الشدة. ويختص البطن بالسراء والظهر
بالضراء لان الاقبال يكون بالاول كما أن الادبار بالثاني، أو لان الترس يكون بطنه
اليك وظهره إلى عدوك. (2) الطل - بالفتح -: المطر الضعيف. والديمة - بالكسر -: مطر
يدوم في سكون بلا رعد وبرق. وهتنت أي انصبت. والحرى: الجدير والخليق. (3) الخوافى:
ريشات من الجناح إذا ضم الطائر جناحيه خفيت. وفى المثل " ليس القوادم كالخوافى ".
(4) أي من أخذ القليل من متاعها أخذ الكثير مما يؤمنه. (5) الدولة - بالفتح -
الانقلاب للزمان والجمع دول مثلثة. والرنق: الماء الكدر. (6) السمام - بالكسر - جمع
سم بالضم والفتح. والسبب في اصل الحبل الذى يتوصل به إلى الماء، ثم استعير لكل ما
يتوصل به إلى الشئ. والرمم - بالكسر - جمع رمة - بالضم - وهى قطعة جبل بالية. (7)
المثلوب: الملوم، وثلبه أي عابه ولامه. والمحروب: المسلوب ماله
[16]
ذلك هول المطلع، وسكرات الموت والوقوف بين
يدي الحكم العدل " ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ".
ألستم في منازل من كان أطول منكم أعمارا وآثارا، وأعد منكم عديدا، و أكثف جنودا (1)
وأشد منكم عتودا، تعبدوا الدنيا أي تعبد، وآثروها أي إيثار ثم ظعنوا عنها بالصغار.
فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم بفدية، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب، بل قد
أوهنتهم بالقوارع (2) وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر، و أعانت عليهم ريب
المنون (3) فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وأخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق أمد
إلى آخر المستند، هل أحلتهم إلا الضنك ؟ أو زودتهم إلا التعب ؟ أو نورت لهم إلا
الظلم، أو أعقبتهم إلا النار، فهذه تؤثرون ؟ أم على هذه تحرصون ؟ إلى هذه تطمئنون ؟
يقول الله جل من قائل: " من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها
وهم فيها لا يبخسون * اولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها
وباطل ما كانوا يعملون " (4). فبئست الدار لمن لا يتهمها وإن لم يكن فيها على وجل
منها، إعلموا وأنتم لا تعلمون أنكم تاركواها لابد (5) فانما هي كما نعتها الله
تعالى " لهو ولعب " واتعظوا * (الهامش) * (1) أي أكثر جنودا. (2) القوارع جمع
القارعة وهى الداهية. (3) أي سلطته عليهم وريب المنون: صروف الدهر. (4) هود: 18 و
19. (5) لعل العلم المأمور به هو اليقين المستتبع وهو العمل أي أيقنوا بأنكم
ستتركونها وترتحلون عنها وأنتم تعلمون ذلك لكن علما لا يترتب عليه الاثر. ويحتمل أن
يكون المعنى اعلموا ذلك وأنتم من أهل العلم وشأنكم المعرفة وتمييز الخير من الشر.
(6) أي يبنون بكل مكان مرتفع علما للمارة للعبث بمن يمر عليهم أو قصورا يفتخرون
بها، والمصانع جمع المصنع: مأخذ الماء، وقيل قصور مشيدة وحصونا.
[17]
بالذين كانوا يبنون بكل ريع آية تعبثون
ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون (1) و اتعظوا بالذين قالوا: " من أشد منا قوة " واتعظوا
باخوانكم الذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا، قد جعل لهم من الضريح أكنانا ومن
التراب أكفانا ومن الرفات جيرانا، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما (2)
قد بادت أضغانهم فهم كمن لم يكن وكما قال الله عزوجل " فتلك مساكنهم لم تسكن من
بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " (3) استبدلوا بظهر الارض بطنا، وبالسعة ضيقا،
وبالاهل غربة، جاؤوها كما فارقوها بأعمالهم إلى خلود الابد كما قال عز من قائل "
كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " (4). 74 - وقال (5) أيها
الذام للدنيا أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك (6) فقال قائل من الحاضرين بل
أنا المتجرم عليها يا أمير المؤمنين فقال له: فلم ذممتها ؟ أليست دار صدق لمن
صدقها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار عافية لمن فهم عنها ؟ مسجد أحبائه، ومصلى
أنبيائه، ومهبط الملائكة، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الطاعة، وربحوا فيها الجنة،
فمن ذا يذمها ؟ وقد آذنت بانتهائها، ونادت بانقضائها وأنذرت ببلائها، فان راحت
بفجيعة فقد غدت بمبتغى، وإن أعصرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى (7) ذمها رجال يوم
الندامة، ومدحها آخرون، حدثتهم فصدقوا، وذكرتهم فتذكروا. فيا أيها الذام لها،
المغتر بغرورها متى غرتك ؟ أم متى استذمت إليك أبمصارع
(1) الريع: المكن المرتفع. و " آية " أي
علما للمارة ببنهائها. (2) الضيم: الظلم والتعدى. والضغن: الحقد، الناحية، الحضن،
الميل. (3) القصص: 58. (4) الانبياء: 104. (5) مطالب السؤول ص 51. (6) تجرم على
فلان إذا ادعى على ذنبا لم أفعله. (7) أعصرت: دخلت في العصر. وأسفر الصبح أي أضاء
وأشرق.
[18]
آبائك من البلى ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت
الثرى ؟ كم عللت بيديك ومرضت ؟ وأذاقتك شهدا وصبرا ؟ فان ذممتها لصبرها فامدحها
لشهدها وإلا فاطرحها لا مدح ولا ذم، فقد مثلت لك نفسك حين ما يغني عنك بكاؤك ولا
يرحمك أحباؤك. 75 - وقال عليه السلام: إن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الاخرة
قد أقبلت وآذنت باطلاع (1) ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا، ألا وإن السبقة
الجنة والغاية النار. ألا وإنكم في أيام مهل، من ورائه أجل يحثه عجل، فمن عمل في
أيام مهله قبل حلول أجله نفعه عمله ولم يضره أمله، ومن لم يعمل أيام مهله قبل حضور
أجله ضره أمله ولم ينفعه عمله، ولو عاش أحدكم ألف عام كان الموت بالغه، ونحبه لاحقه
(2) فلا تغرنكم الاماني. ولا يغرنكم بالله الغرور، وقد كان قبلكم لهذه الدنيا سكان،
شيدوا فيها البنيان، ووطنوا الاوطان، أضحت أبدانهم (3) في قبورهم هامدة، وأنفسهم
خامدة، فتلهف المفرط منهم على ما فرط يقول: يا ليتني نظرت لنفسي، ياليتني كنت أطعت
ربي. 76 - وقال عليه السلام: إن الدنيا ليست بدار قرار، ولا محل إقامة، إنما أنتم
فيها كركب عرسوا وارتاحوا (4) ثم استقلوا فغدوا وراحوا، دخلوها خفافا، و ارتحلوا
عنها ثقالا، فلم يجدوا عنها نزوعا، ولا إلى ما تركوا بها رجوعا، جد بهم فجدوا،
وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا، حتى اخذ بكظمهم، ورحلوا إلى دار * (الهامش) * (1)
آذنت أي أعلمت والايذان الاعلام. والاطلاع: الاشراف من مكان عال والمقبل على
الانحدار أحرى بالوصول. والمضمار: مدة تضمير الفرس وموضعه أيضا وهو ان تعلفه حتى
يسمن ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوما. والسباق المسابقة. (2) النحب: الموت
والاجل. (3) في المصدر " أصبحت أبدانهم ". (4) عرس القوم تعريسا: نزلوا في السفر
للاستراحة ثم ارتحلوا. وارتاحوا أي نشطوا وسروا واستراحوا، ولعل الصواب " فأناخوا
". واستقل القوم: ارتحلوا.
[19]
قوم لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر، قل في
الدنيا لبثهم، وأعجل بهم إلى الاخرة بعثهم، وأصبحتم حلولا في ديارهم، وظاعنين على
آثارهم، والمنايا بكم تسير سيرا ما فيه أين ولا بطوء، نهاركم بأنفسكم دؤوب (1)
وليلكم بأرواحكم ذهوب، وأنتم تقتفون من أحوالهم حالا، وتحتذون من أفعالهم مثالا،
فلا تغرنكم الحياة الدنيا فانما أنتم فيها سفر حلول، والموت بكم نزول، فتلتضل فيكم
مناياه، وتمضي بكم مطاياه، إلى دار الثواب والعقاب، والجزاء والحساب، فرحم الله من
راقب ربه، و خاف ذنبه، وجانب هواه، وعمل لاخرته، وأعرض عن زهرة الحياة الدنيا. 77 -
وقال عليه السلام: كأن قد زالت عنكم الدنيا كما زالت عمن كان قبلكم فأكثروا عباد
الله اجتهادكم فيها بالتزود من يومها القصير ليوم الاخرة الطويل. فإنها دار العمل،
والدار الاخرة دار القرار والجزاء، فتجافوا عنها فان المغتر من اغتر بها، لن تعد
الدنيا إذا تناهت إليها امنية أهل الرغبة فيها، المطمئنين إليها المغترين بها أن
تكون كما قال الله تعالى: (2) " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما
يأكل الناس والانعام " ألا إنه لم يصب امرء منكم من هذه الدنيا حبرة إلا أعقبتها
عبرة، ولا يصبح امرء في حياة إلا وهو خائف منها أن تؤول جائحة أو تغير نعمه أو زوال
عافيته، والموت من وراء ذلكم، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل لتجزى كل
نفس بما كسبت ويجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. 78 - وقال
عليه السلام: مالكم والدنيا فمتاعها إلى انقطاع، وفخرها إلى وبال، وزينتها إلى
زوال، ونعيمها إلى بؤس، وصحتها إلى سقم أو هرم، ومآل ما فيها إلى نفاد وشيك (3)
وفناء قريب، كل مدة فيها إلى منتهى، وكل حي فيها إلى مقارنة البلى، أليس لكم في
آثار الاولين وآبائكم الماضين عبرة وتبصرة إن كنتم تعقلون، ألم تروا إلى الماضين
منكم لا يرجعون، وإلى الخلف الباقين، منكم
(1) الاين: الحين، والتعب والمشقة
والاعياء. والدؤوب: الجد والتعب. (2) يونس: 26. (3) الوشيك السريع.
[20]
لا يبقون، أو لستم ترون أهل الدنيا يمسون
ويصبحون على أحوال شتى ميت يبكى وآخر يعزى، وصريع مبتلى، وعايد يعود، ودنف بنفسه
يجود (1) وطالب للدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، على أثر الماضي يمضى
الباقي وإلى الله عاقبة الامور. 79 - وقال عليه السلام: انظروا إلى الدنيا نظر
الزاهدين فيها فإنها عن قليل تزيل الساكن وتفجع المترف (2) فلا تغرنكم كثرة ما
يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها، فرحم الله امرءا تفكر واعتبر، وأبصر إدبار ما قد
أدبر، وحضور ما قد حضر فكان ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن، وكأن ما هو كائن
من الآخرة لم يزل وكل ما هو آت قريب، فكم من مومل مالا يدركه، وجامع مالا يأكله،
ومانع مالا يتركه، ولعله من باطل جمعه، أو حق منعه، أصابه حراما، وورثه عدوانا،
فاحتمل ما ضره، وباء بوزره (3) وقدم على ربه آسفالا لاهفا خسر الدنيا والاخرة وذلك
هو الخسران المبين. 80 - وقال عليه السلام: الدنيا مثل الحية لين مسها، قاتل سمها
فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وكن آنس ما يكون إليها أوحش ما تكون منها
(4) فإن صاحبها كلما اطمئن منها، إلى سرور أشخصته إلى مكروه، فقد يسر المرء بما لم
يكن ليفوته وليحزن لفوات ما لم يكن ليصيبه أبدا وإن جهد، فليكن سرورك بما قدمت من
عمل أو قول، ولتكن أسفك على ما فرطت فيه من ذلك، ولا تكن
(1) الصريع: المطروح على الارض. والدنف:
المريض. وجاد بنفسه أي سمح بها عند الموت فكأنه يدفعها كما يدفع الانسان ماله. (2)
المترف - كمكرم -: المتروك بنعمته يصنع فيها ما يشاء ولا يمنع. (3) باء يبوء إليه:
رجع وباء بالحق أو بالذنب: أقر. (4) آنس حال و " ما " مصدرية وخبر كان احذر أي كن
حال انسك بها أحذر اكوانك منها. وقوله " فان صاحبها - الخ " أي ان سكون صاحبها الي
اللذة بها مستلزم العذاب المكروه في الاخرة.
[21]
على ما فاتك من الدنيا حزينا، وما أصابك
منها فلا تنعم به سرورا، واجعل همك لما بعد الموت فإن ما توعدون لات. 81 - وقال
عليه السلام (1): انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فانها والله عن قليل تشقي
المترف، وتحرك الساكن، وتزيل الثاوي (2) صفوها مشوب بالكدر، وسرورها منسوج بالحزن،
وآخر حياتها مقترن بالضعف، فلا يعجبنكم ما يغركم منها، فعن كثب تنقلون عنها (3)
وكلما هو آت قريب، و " هناك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل
عنهم ما كانوا يفترون " (4). 82 - وقال عليه السلام: احذركم الدنيا فإنها ليست بدار
غبطة، قد تزينت بغرورها، وغرت بزينتها لمن كان ينظر إليها، فاعرفوها كنه معرفتها
فإنها دار هانت على ربها، قد اختلط حلالها بحرامها، وحلوها بمرها، وخيرها بشرها،
ولم يذكر الله شيئا اختصه منها لاحد من أوليائه ولا أنبيائه، ولم يصرفها من أعدائه،
فخيرها زهيد، وشرها عتيد (5) وجمعها ينفد، وملكها يسلب، وعزها يبيد. فالمتمتعون من
الدنيا تبكي قلوبهم وإن فرحوا، ويشتد مقتهم لانفسهم وإن اغتبطوا ببعض ما رزقوا،
الدنيا فانية لا بقاء لها، والاخرة باقية لا فناء لها، الدنيا مقبلة، والاخرة ملجأ
الدنيا، وليس للاخرة منتقل ولا منتهى، من كانت الدنيا همه اشتد لذلك غمه، ومن آثر
الدنيا على الاخرة حلت به الفاقرة (6).
(1) مطالب السؤول ص 52. (2) الثاوى هو
الذى قام في مكان. (3) الكثب: القرب، يقال: رماه من كثب أو عن كثب أي رماه إذ كان
قريبا منه. (4) أي في ذلك المقام تختبر كل نفس ما قدمت من عمل. وقوله تعالى: " ردوا
إلى الله " أي إلى جزائه، وقوله " ضل عنهم " أي بطل وهلك عنهم ما كانوا يدعونه
افتراء على الله سبحانه. (5) العتيد: الحاضر المهيأ. (6) الفاقرة: الداهية الشديدة.
[22]
83 - وقال عليه السلام: إنما الدنيا دار
فناء وعناء وغير وعبر، فمن فنائها أنك ترى الدهر موتر قوسه، مفوق نبله، يرمي الصحيح
بالسقيم، والحي بالميت و البرئ بالمتهم، ومن عنائها أنك ترى المرء يجمع مالا يأكل،
ويبني مالا يسكن ويأمل مالا يدرك، ومن غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا والمغبوط
مرحوما، ليس بينهم إلا نعيم زال أو مثلة حلت أو موت نزل، ومن عبرها أن المرء يشرف
عليه أمله حتى يختطفه دونه أجله. 84 - وقال عليه السلام: اجعل الدنيا شوكا وانظر
أين تضع قدمك منها فإن من ركن إليها خذلته، ومن أنس فيها أوحشته، ومن يرغب فيها
أوهنته، ومن انقطع إليها قتلته، ومن طلبها أرهقته، ومن فرح بها أترحته (1) ومن طمع
فيها صرعته، ومن قدمها أخرته، ومن ألزمها هانته، ومن آثرها باعدته من الاخرة ومن
بعد من الاخرة قرب إلي النار، فهي دار عقوبة وزوال وفناء وبلاء، نورها ظلمة وعيشها
كدر، وغنيها فقير، وصحيحها سقيم، وعزيزها ذليل، فكل منعم برغدها شقي، وكل مغرور
بزينتها مفتون، وعند كشف الغطاء يعظم الندم، ويحمد الصدر أو يذم. 85 - وقال عليه
السلام يأتي على الناس زمان لا يعرف فيه إلا الماحل ولا يظرف فيه إلا الفاجر (2)
ولا يؤتمن فيه إلا الخائن، ولا يخون إلا المؤتمن، يتخذون الفئ مغنما، والصدقة
مغرما، وصلة الرحم منا، والعبادة استطالة على الناس وتعديا وذلك يكون عند سلطان
النساء، ومشاورة الاماء، وإمارة الصبيان. 86 - وقال عليه السلام: احذروا الدنيا إذا
أمات الناس الصلاة، وأضاعوا الامانات، واتبعوا الشهوات، واستحلوا الكذب، وأكلوا
الربا، وأخذوا الرشى وشيدوا البناء، واتبعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، واستخفوا
بالدماء وركنوا إلى الرياء، وتقاطعت الارحام، وكان الحلم ضعفا، والظلم فخرا
(1) الارهاق أن يحمل الانسان على ما لا
يطيقه. وأترحه أي أحزنه. (2) الماحل: الساعي إلى السلطان. ولا يظرف أي لا ينسب إلى
الظرافة.
[23]
والامراء فجرة، والوزراء كذبة، والامناء
خونة، والاعوان ظلمة، و القراء فسقة، وظهر الجور، وكثر الطلاق وموت الفجأة، وحليت
المصاحف، وزخرفت المساجد، وطولت المنابر، ونقضت العهود، وخربت القلوب، و استحلوا
المعازف، وشربت الخمور، وركبت الذكور، واشتغل النساء وشاركن أزواجهن في التجارة
حرصا على الدنيا، وعلت الفروج السروج، ويشبهن بالرجال، فحينئذ عدوا أنفسكم في
الموتى، ولا تغرنكم الحياة الدنيا فإن الناس اثنان بر تقي وآخر شقي، والدار داران
لا ثالث لهما، والكتاب واحد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ألا وإن حب
الدنيا رأس كل خطيئة، وباب كل بلية ومجمع كل فتنة، وداعية كل ريبة، الويل لمن جمع
الدنيا وأورثها من لا يحمده، وقدم على من لا يعذره، الدنيا دار المنافقين، وليست
بدار المتقين، فلتكن حظك من الدنيا قوام صلبك، وإمساك نفسك، وتزود لمعادك. 87 -
وقال عليه السلام: يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت، أم إلي تشوقت، هيهات هيهات غري غيري
قد بتتك ثلاثة، لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير وخطرك كبير، آه من قلة
الزاد، ووحشة الطريق. 88 - وقال عليه السلام: احذروا الدنيا فإن في حلالها حساب وفي
حرامها عقاب وأولها عناء وآخرها فناء، من صح فيها هرم، ومن مرض فيها ندم، ومن
استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن أتاها فاتته، ومن بعد عنها أتته، ومن نظر
إليها أعمته، ومن بصر بها بصرته، إن أقبلت غرت، وإن أدبرت ضرت. 89 - في وصفه
المؤمنين (1) قال عليه السلام، المؤمنون هم أهل الفضائل هديهم السكوت، وهيئتهم
الخشوع، وسمتهم التواضع (2) خاشعين، غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، رافعين
أسماعهم إلى العلم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء، لولا الاجال
التي كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة
(1) مطالب السؤول ص 53. (2) الهدى -
بالفتح -: الطريقة والسيرة. والسمت: هيئه أهل الخير.
[24]
عين، شوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب،
عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم كأنهم قد رأوا الجنة ونعيمها
والنار وعذابها، فقلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم ضعيفة،
ومعونتهم لاخوانهم عظيمة اتخذوا الارض بساطا، وماءها طيبا، ورفضوا الدنيا رفضا،
وصبروا أياما قليلة فصارت عاقبتهم راحة طويلة، تجارتهم مربحة، يبشرهم بها رب كريم،
أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فهربوا منها. أما الليل فأقدامهم مصطفة (1)
يتلون القرآن يرتلونه ترتيلا، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت
أنفسهم تشوقا (2) فيصيرونها نصيب أعينهم وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها
بقلوبهم وأبصارهم، فاقشعرت منها جلودهم ووجلت قلوبهم خوفا وفرقا (3) نحلت لها
أبدانهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها وصلصلة حديدها في آذانهم، مكبين على وجوههم
وأكفهم، تجري دموعهم على خدودهم. يجأرون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم. وأما
النهار فعلماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف فهم أمثال القداح (4) إذا نظر إليهم
الناظر يقول بهم مرض، وما بهم مرض، ويقول قد خولطوا وما خولطوا (5) إذا ذكروا عظمة
الله وشدة سلطانه وذكروا الموت وأهوال القيامة وجفت قلوبهم
(1) اصطف القوم: قاموا صفوفا. (2) التطلع
إلى الشئ: الاستشراف له والانتظار لوروده. (3) الفرق - بالتحريك -: الخوف. ونحلت أي
هزلت وضعفت. (4) برى السهم نحته. والقداح جمع قدح بالكسر فيهما وهو السهم قبل أن
يراش وينصل وهو كناية عن نحافة البدن وضعف الجسد. (5) خولط فلان في عقله إذا اختل
عقله وصار مجنونا. وخالطه إذا مازجه والمعنى كما قاله بعض شراح النهج يظن الناظر
بهم الجنون وما بهم من جنة بل مازج قلوبهم أمر عظيم وهو الخوف فتولهوا لاحله.
[25]
وطاشت حلومهم وذهلت عقولهم (1) فإذا
استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله بالاعمال الزاكية، لا يرضون بالقليل، ولا يستكثرون
الكثير، فهم لانفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إن زكي أحدهم خاف الله وغايلة
التزكية (2) قال: وأنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي مني، اللهم لا تؤاخذني بما
يقولون، واجعلني كما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون. ومن علامات أحدهم أن يكون له حزم
في لين، وإيمان في يقين، وحرص في تقوى، وفهم في فقه، وحلم في علم، وكيس في رفق،
وقصد في غنى، وخشوع في عبادة وتحمل في فاقة، وصبر في شدة وإعطاء في حق، وطلب لحلال،
ونشاط في هدى، وتحرج عن طمع، وتنزه عن طبع، وبر في استقامة، واعتصام بالله من
متابعة الشهوات، واستعاذة به من الشيطان الرجيم، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وشغله
الفكر (3) اولئك الامنون المطمئنون الذين يسقون من كأس لا لغو فيها ولا تأثيم (4)
90 - وقال عليه السلام: المؤمنون هم الذين عرفوا أمامهم، فذبلت شفاههم وغشيت
عيونهم، وشحبت ألوانهم (5) حتى عرفت في وجوههم غبرة الخاشعين. فهم عباد الله الذين
مشوا على الارض هونا، واتخذوها بساطا، وترابها فراشا، فرفضوا الدنيا وأقبلوا على
الاخرة على منهاج المسيح بن مريم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن
مرضوا لم يعادوا، صوام الهواجر، قوام الدياجر (6) * (الهامش) * (1) وجف الشئ اضطرب،
والقلب: خفق. وطاش أي ذهب عقله. والحلوم جمع حلم وهو العقل. والذهول. النسيان
والغيبة. (2) الغائلة الداهية والفساد والمهلكة. وغائلة التزكية عطف على " الله "
يعنى خاف الله أولا وغائلة التزكية ثانيا. (3) في بعض النسخ " يمسى وهمته الشكر
ويصبح وشغله الذكر ". (4) أثمه من باب التفعيل نسبه إلى الاثم. (5) شحبت لونه: تغير
من جوع أو مرض ونحوهما. (6) الهواجر جمع الهاجرة وهى شدة حرارة النهار. والديجور:
الظلام.
[26]
يضمحل عندهم كل فتنة، وينجلي عنهم كل
شبهة، اولئك أصحابي فاطلبوهم في أطراف الارضين، فإن لقيتم منهم أحدا فاسألوه أن
يستغفر لكم. - 91 وقال عليه السلام (1): شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون
في مودتنا المتوازرون في أمرنا، الذين إن غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا،
بركة على من جاوروه، سلم لمن خالطوه، اولئك هم السائحون الناحلون، الزابلون، ذابلة
شفاههم، خميصة بطونهم (2) متغيرة ألوانهم، مصفرة وجوههم كثير بكاؤهم جارية دموعهم.
يفرح الناس ويحزنون، وينام الناس ويسهرون، إذا شهدوا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم
يفتقدوا، وإذا خطبوا الابكار لم يزوجوا، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، وأنفسهم
عفيفة، وحوائجهم خفيفة، ذبل الشفاه من العطش خمص البطون من الجوع، عمش العيون من
السهر، الرهبانية عليهم لايحة، والخشية لهم لازمة، كلما ذهب منهم سلف خلف في موضعه
خلف، اولئك الذين يردون القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر. تغبطهم الاولون
والاخرون، ولا خوف عليهم ولا يحزنون. 92 - وقال عليه السلام: المؤمن يرغب فيما يبقى
ويزهذ فيما يفنى، يمزج الحلم بالعلم، والعلم بالعمل، بعيد كسله، دائم نشاطه، قريب
أمله، حي قلبه، ذاكر لسانه، لا يحدث بما لا يؤتمن عليه الاصدقاء، ولا يكتم شهادة
الاعداء، لا يعمل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء، الخير منه مأمول، والشر منه
مأمون، إن كان في الذاكرين لم يكتب في الغافلين، وإن كان في الغافلين كتب في
الذاكرين، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ويحسن إلى من أساء إليه،
لا يعزب حلمه، ولا يعجل فيما يريبه، بعيد جهله، لين قوله، قريب معروفه، غائب منكره
صادق كلامه، حسن فعله مقبل خيره، مدبر شره، في الزلازل وقور، وفي المكاره *
(الهامش) * (1) مطالب السؤول ص 53. (2) نحل جسمه أي سقم، والناحل الرقيق الجسم من
مرض أو تعب. وذبل النبات: قل ماؤه وذهبت نضارته. والذبل: اليابسة الشفه. والخميصة
أي الضامرة.
[27]
صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من
يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا يجحد حقا عليه، يعترف بالحق قبل
أن يشهد عليه، ولا يضيع ما استحفظ، ولا يرغب فيما لا تدعوه الضرورة إليه، لا يتنابز
بالالقاب، ولا يبغي على أحد، ولا يهزء بمخلوق، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب،
مؤدب بأداء الامانات، مسارع إلى الطاعات، محافظ على الصلوات، بطئ في المنكرات. لا
يدخل على الامور بجهل، ولا يخرج، عن الحق بعجز، إن صمت فلا يغمه الصمت، وإن نطق لا
يقول الخطأ، وإن ضحك فلا تعلو صوته سمعه، ولا يجمح به الغضب (1) ولا تغلبه الهوى،
ولا يقهره الشح، ولا تملكه الشهوة، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم، ويسأل ليفهم،
ينصت إلى الخير ليعمل به، ولا يتكلم به ليفخر على ما سواه، نفسه منه في عناء والناس
منه في راحة، يتعب نفسه لاخرته ويعصي هواه لطاعة ربه، بعده عمن تباعد منه نزاهة،
ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس بعده بكبر، ولا قربه خديعة، مقتد بمن كان قبله من
أهل الايمان، إمام لمن بعده من البررة المتقين. 93 - وقال عليه السلام: طوبى
للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الاخرة، اولئك قوم اتخذوا أرض الله مهادا، وترابها
وسادا، وماءها طيبا، وجعلوا الكتاب شعارا والدعاء دثارا، وإن الله أوحى إلى عبده
المسيح عليه السلام أن قل لبني إسرائيل لا تدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة،
وأبصار خاشعة، وأكف نقية، وأعلمهم أني لا اجيب لاحد منهم دعوة، ولاحد من خلقي قبله
مظلمة. 94 - وقال عليه السلام: المؤمن وقور عند الهزاهز، ثبوت عند المكاره، صبور
عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الاعداء، ولا يتحامل
للاصدقاء (2)، الناس منه راحة ونفسه منه في تعب، العلم خليله، والعقل قرينه *
(الهامش) * (1) جمح الفرس: تغلب على راكبه ولا ينقاد له. (2) أي لا يحتمل الوزر
لاجلهم، أو يتحمل عنهم مالا يطيق الاتيان به من الامور المشاقة فيعجز عنها.
[28]
والحلم وزيره، والصبر أميره، والرفق أخوه،
واللين والده. 95 - وقوله عليه السلام لنوف البكالي: أتدري يا نوف من شيعتي ؟ قال:
لا والله، قال: شيعتي الذبل الشفاه، الخمص البطون، الذين تعرف الرهبانية في وجوههم،
رهبان بالليل، أسد بالنهار، الذين إذا جنهم الليل ائتزروا على أوساطهم، وارتدوا على
أطرافهم (1) وصفوا أقدامهم، وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى
الله في فكاك أعناقهم (2) وأما النهار فحلماء علماء كرام نجباء أبرار أتقياء، يا
نوف شيعتي من لم يهر هرير الكلب، ولم يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس ولو مات
جوعا، إن رأى مؤمنا أكرمه، وإن رأى فاسقأهجره، هؤلاء والله شيعتي. 96 - قال نوف:
عرضت لي حاجة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فاستتبعت إليه جندب بن
زهير والربيع بن خثيم وابن أخيه همام بن عبادة بن خثيم وكان من أصحاب البرانس
المتعبدين فأقبلنا إليه فألفيناه حين خرج يؤم المسجد فأفضى ونحن معه إلى نفر
متدينين قد أفاضوا في الاحدوثات تفكها وهم يلهى بعضهم بعضا، فأسرعوا إليه قياما
وسلموا عليه، فرد التحية، ثم قال: من القوم ؟ فقالوا اناس من شيعتك يا أمير
المؤمنين، فقال لهم: خيرا، ثم قال: يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية
أحبتنا ؟ ! فأمسك القوم حياء، فأقبل عليه جندب والربيع فقالا له: ماسمة شيعتك يا
أمير المؤمنين ؟ فسكت فقال همام - كان عابدا مجتهدا - أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت
وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتك ؟ فقال: لا تقسم فسأنبئكم جميعا ووضع يده على
منكب همام وقال:
(1) أي يشدون المئزر على وسطهم احتياطا
لستر العورة فانهم كانوا لا يلبسون السراويل أو المراد شد الوسط بالازار كالمنطقة
ليجمع الثياب. وقيل هو كناية عن الاهتمام في العبادة. (قاله المؤلف) وقوله "
وارتدوا على أطرافهم " أي يلبسون الرداءة أو يشدونها على أطرافهم ويشتملون بها. (2)
جأر إلى الله: تضرع ورفع صوته بالبكاء. (*)
[29]
شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر
الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب مأكولهم القوت، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم
التواضع، بخعوا لله تعالى بطاعته (1) وخضعوا له بعبادته، فمضوا غاضين أبصارهم عما
حرم الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء
كالذي نزلت منهم في الرخاء، رضوا عن الله تعالى بالقضاء، فلولا الاجال التي كتب
الله تعالى لهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين، شوقا إلى لقاء الله والثواب،
وخوفا من أليم العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة
كمن رآها فهم على أرائكها متكئون. وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذبون، صبروا
أياما قليلة، فأعقبتهم راحة طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها،
أما الليل فصافون أقدامهم تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يعظون أنفسهم
بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة يفترشون جباههم وأنفسهم وركبهم وأطراف
أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما ويجأرون إليه في فكاك أعناقهم،
هذا ليلهم، وأما نهارهم فحلماء علماء بررة أتقياء، براهم خوف باريهم (2) فهم
كالقداح تحسبهم مرضى وقد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربهم، وشدة سلطانه
ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا اشتاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى
بالاعمال الزكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل فهم لانفسهم متهمون،
ومن أعمالهم مشفقون. يرى لاحدهم قوة في دين، وحزما في لين (3) وإيمانا في يقين،
وحرصا على
(1) بخع نفسه - بتقديم الباء على الخاء
المعجمة المفتوحة -: أنهكها وكاد يهلكها من غم أو غضب. وبخع - بكسر الخاء - بالحق:
أقر وأذعن. (2) أي نحتهم خوف ربهم، فانما يخشى الله من عباده العلماء. والقداح جمع
القدح بالكسر فيهما: السهم. (3) الحزم في اللين أن يكون لينه حزما وفى موضعه، لا عن
مهانة وذلة.
[30]
علم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكيسا
في قصد، وقصدا في غنى، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وخشوعا في عبادة، ورحمة في
مجهود، وإعطاء في حق ورفقا في كسب، وطلبا من حلال وتعففا في طمع، وطمعا في غير طبع،
ونشاطا في هدى، واعتصاما في شهوة، وبرا في استقامة، لا يغره ما جهله، ولا يدع إحصاء
ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل وهو من صالح عمله على وجل، يصبح وشغله الذكر ويمسي
وهمه الشكر، يبيت حذرا من سنة الغفلة، ويصبح فرحا بما أصاب من الفضل والرحمة. وإن
استصعب عليه نفسه فيما تكره لم يطعها سؤلها مما إليه تسره، رغبته فيما يبقى،
وزهادته فيما يفنى، قد قرن العلم بالعمل والعمل بالحلم، ويظل دائما نشاطه، بعيدا
كسله، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه،
عازبا جهله، محرزا دينه، ميتا داؤه، كاظما غيظه، صافيا خلقه آمنا منه جاره، سهلا
أمره، معدوما كبره، متينا صبره، كثيرا ذكره. لا يعمل شيئا من الخير رياء، ولا يتركه
حياء. اولئك شيعتنا وأحبتنا ومنا ومعنا، آها وشوقا إليهم. فصاح همام صيحة ووقع
مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا - رحمه الله تعالى - فغسل وصلى عليه
أمير المؤمنين عليه السلام ونحن معه. فشيعته عليه السلام هذه صفتهم وهي صفة
المؤمنين. وتقدم بعضها. 97 - وقال عليه السلام: الجنة التي أعدها الله تعالى
للمؤمنين خطافة لابصار الناظرين فيها درجات متفاضلات، ومنازل متعاليات، لا يبيد
نعيمها ولا يضمحل حبورها ولا ينقطع سرورها ولا يظعن مقيمها ولا يهرم خالدها ولا
يبؤس ساكنها، آمن سكانها من الموت فلا يخافون، صفالهم العيش، ودامت لهم النعمة في
أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين
وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم. على فرش موزونة وأزواج
مطهرة وحور عين كأنهن اللؤلؤ المكنون، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة
[31]
" والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام
عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ". أقول: قد مضى في كتاب الايمان والكفر في باب
المؤمن وصفاته خبر همام وطلبه عنه عليه السلام ذكر صفات المؤمن وأنه عليه السلام
قال الخطبة بمسجد الكوفة بعدة طرق من كتب عديدة ولكن بينها أنواع من الاختلافات،
وكذلك بينها وبين هذا الخبر فلا تغفل، ثم قد سبق في ذلك الباب كلام ابن أبي الحديد
من كون همام هذا هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة، والمذكور هنا ينافيه كما لا يخفى.
98 - جع، (1) جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: جئتك لاسأل عن أربعة
مسائل، فقال عليه السلام: سل وإن كان أربعين. فقال: أخبرني ما الصعب وما الاصعب ؟
وما القريب وما الاقرب ؟ وما العجب وما الاعجب ؟ وما الواجب وما الاوجب ؟. فقال
عليه السلام: الصعب المعصية، والاصعب فوت ثوابها، والقريب كل ما هو آت والاقرب هو
الموت، والعجب هو الدنيا وغفلتنا فيها أعجب، والواجب هو التوبة، وترك الذنوب هو
الاوجب. 99 - قيل: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال: جئتك من سبعمائة
فرسخ لاسألك عن سبع كلمات فقال عليه السلام: سل ما شئت، فقال الرجل: أي شئ أعظم من
السماء ؟ وأي شئ أوسع من الارض ؟ وأي شئ أضعف من اليتيم ؟ وأي شئ أحر من النار ؟
وأي شئ أبرد من الزمهرير ؟ وأي شئ أغنى من البحر ؟ وأي شئ أقسى من الحجر ؟ قال أمير
المؤمنين عليه السلام: البهتان على البرئ أعظم من السماء والحق أوسع من الارض،
ونمائم الوشاة أضعف من اليتيم (2) والحرص أحر من النار، وحاجتك إلى البخيل أبرد من
الزمهرير، والبدن القانع أغنى من البحر، وقلب الكافر أقسى من الحجر. 100 - ختص (3)
روى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: المفتخر بنفسه أشرف
(1) جامع الاخبار ص 161. الفصل السادس
والتسعون. (2) الواشى هو النمام عند الامير أو الحاكم أو السلطان وجمعه الوشاة. (3)
الاختصاص: 188.
[32]
من المفتخر بأبيه لاني أشرف من أبي والنبي
صلى الله عليه وآله أشرف من أبيه وإبراهيم أشرف من تارخ. 101 - قيل: وبم الافتخار ؟
قال: بإحدى ثلاث: مال ظاهر، أو أدب بارع أو صناعة لا يستحي المرء منها. 102 - قيل:
لامير المؤمنين عليه السلام: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين ؟ قال: أصبحت آكل وأنتظر
أجلي. 103 - قيل له عليه السلام: فما تقول في الدنيا ؟ قال: فما أقول في دار أولها
غم، وآخرها الموت، من استغنى فيها افتقر، ومن افتقر فيها حزن، في حلالها حساب وفي
حرامها النار. 104 - قيل: فمن أغبط الناس ؟ قال: جسد تحت التراب قد أمن من العقاب
ويرجو الثواب. 105 - وقال عليه السلام: من زار أخاه المسلم في الله ناداه الله أيها
الزائر طبت وطابت لك الجنة. 106 - وقال عليه السلام: ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلا
ناداه الله علي ثوابك ولا أرضى لك بدون الجنة. 107 - وقال عليه السلام: ثلاثة يضحك
الله إليهم يوم القيامة: رجل يكون على فراشه مع زوجته وهو يحبها فيتوضأ ويدخل
المسجد فيصلي ويناجي ربه، ورجل أصابته جنابة ولم يصب ماء فقام إلى الثلج فكسره ثم
دخل فيه واغتسل، ورجل لقى عدوا وهو مع أصحابه وجاءهم مقاتل فقاتل حتى قتل.108 -
وقال عليه السلام: التعزية تورث الجنة. 109 - وقال عليه السلام: إذا حملت بجوانب
سرير الميت خرجت من الذنوب كما ولدتك أمك. 110 - وقال عليه السلام: من اشترى لعياله
لحما بدرهم كان كمن أعتق نسمة من ولد إسماعيل.
[33]
111 - وقال عليه السلام: من شرب من سؤر
أخيه تبركا به خلق الله بينهما ملكا يستغفر لهما حتى تقوم الساعة. 112 - وقال عليه
السلام: في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داء. 113 - ختص: (1) محمد بن الحسين، عن محمد
بن سنان، عن بعض رجاله عن أبي الجارود يرفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام:
من أوقف نفسه موقف التهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في
يده، وكل حديث جاوز اثنين فشى، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا
تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا، وعليك بإخوان الصدق
فكثر في اكتسابهم عدة عند الرخاء، وجندا عند البلاء، وشاور حديثك الذين يخافون
الله، وأحبب الاخوان على قدر التقوى، واتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر،
إن أمرنكم بالمعروف فخالفوهن حتى لا يطمعن في المنكر. 114 - ما (2) عن جماعة، عن
أبي المفضل، عن محمد بن جعفر الرزاز، عن أيوب بن نوح، عن الشارب بن ذراع (3) عن
أخيه يسار، عن حمران، عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام، عن جابر بن عبد الله
قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام في جماعة من أصحابه أنا فيهم إذ ذكروا الدنيا
وتصرفها بأهلها فذمها رجل فذهب في ذمها كل مذهب فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:
أيها الذام للدنيا، أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ؟ فقال: بل أنا المتجرم
عليها يا أمير المؤمنين، قال: فبم تذمها ؟ أليست منزل صدق لمن صدقها، ودار غنى لمن
تزود منها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومساجد أنبياء الله، ومهبط وحيه، ومصلى
ملائكته، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، ورجوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها ؟
وقد آذنت ببينها، ونادت بانقطاءها، ونعت نفسها وأهلها
(1) المصدر ص 226 وفيه محمد بن الحسن. (2)
الامالى ج 2 ص 207. (3) في المصدر " بشار بن ذراع ".
[34]
فمثلت ببلائها البلى، وشوقت بسرورها إلى
السرور، تخويفا وترغيبا فابتكرت بعافية، وراحت بفجيعة، فذمها رجال فرطوا غداة
الندامة، وحمدها آخرون اكتسبوا فيه الخير، فيا أيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها !
متى استذمت إليك أو متى غرتك ؟ أم بمضاجع آبائك من البلى، أم بمصارع امهاتك تحت
الثرى، كم مرضت بيديك، وعالجت بكفيك، تلتمس لهم الشفاء، وتستوصف لهم الاطباء، لم
تنفعهم بشفاعتك، ولم تسعفهم في طلبتك، مثلت لك - ويحك - الدنيا بمصرعهم مصرعك، و
بمضجعهم مضجعك، حين لا يغني بكاؤك، ولا ينفعك أحباؤك. ثم التفت إلى أهل المقابر
فقال: يا أهل التربة، ويا أهل القربة أما المنازل فقد سكنت، وأما الاموال فقد قسمت،
وأما الازواج فقد نكحت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟ ثم أقبل على أصحابه
فقال: والله لو أذن لهم في الكلام لاخبروكم أن خير الزاد التقوى. 115 - ما (1) عن
جماعة، عن أبي المفضل، عن عبيد الله بن الحسين العلوي، عن محمد بن علي بن حمزة
العلوي، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه
السلام: الهيبة خيبة (2) والفرصة خلسته، والحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها ولو عند
المشرك تكونوا أحق بها وأهلها. 116 - ما (3) عن أحمد بن محمد بن الصلت، عن ابن
عقدة، عن محمد بن عيسى الضرير، عن محمد بن زكريا المكي، عن كثير بن طارق، عن زيد،
عن أبيه علي ابن الحسين عليهما السلام قال: خطب علي بن أبي طالب عليه السلام بهذه
الخطبة في يوم الجمعة فقال: الحمد لله المتوحد بالقدم والازلية الذي ليس له غاية في
دوامه، ولا له أولية، أنشأ صنوف البرية لا عن اصول كانت بدية (4) وارتفع من مشاركة
الانداد
(1) الامالى ج 2 ص 237 و 238. (2) يعنى من
تهيب أمرا خاب من ادراكه. والخلسة - بضم الخاء -: الفرصة المناسبة وفى المثل "
الخلسة سريعة الفوت بطيئة العود " ويأتى نظيره عن قريب. (3) الامالى ج 2 ص 315. (4)
البدء والبديئة: اول الحال والنشأة.
[35]
وتعالى عن اتخاذ صاحبة وأولاد، هو الباقي
بغير مدة، والمنشئ لا بأعوان، لا بآلة فطر، ولا بجوارح صرف ما خلق، لا يحتاج إلى
محاولة التفكير، ولا مزاولة مثال ولا تقدير، أحدثهم على صنوف من التخطيط والتصوير،
لا بروية ولا ضمير، سبق علمه في كل الامور، ونفذت مشيته في كل ما يريد في الازمنة
والدهور، وانفرد بصنعة الاشياء فأتقنها بلطائف التدبير، سبحانه من لطيف خبير، ليس
كمثله شئ وهو السميع البصير. 117 - كتاب الغارات (1) لابراهيم بن محمد الثقفي، عن
عبد الرحمن بن نعيم عن أشياخ من قومه إن عليا عليه السلام كان كثيرا ما يقول في
خطبته: أيها الناس إن الدنيا قد أدبرت وآذنت أهلها بوداع، وإن الاخرة قد أقبلت
وآذنت باطلاع، ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا، ألا وإن السبق الجنة، والغاية
النار، ألا وإنكم في إيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل، فمن عمل في أيام مهله قبل
حضور أجله نفعه عمله، ولم يضره أمله، ألا وإن الامل يسهي القلب ويكذب الوعد ويكثر
الغفلة ويورث الحسرة، فاعزبوا عن الدنيا (2) كاشد ما أنتم عن شئ تعزبون، فإنها من
ورود صاحبها منها في غطاء معنى، وافزعوا إلى قوام دينكم بإقامة الصلاة لوقتها و
أداء الزكاة لاهلها (3) والتضرع إلى الله والخشوع له، وصلة الرحم، وخوف المعاد
وإعطاء السائل، وإكرام الضيف، وتعلموا القرآن واعملوا به، واصدقوا الحديث وآثروه،
وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم وأدوا الامانة إذا ائتمنتم، وارغبوا في ثواب الله وخافوا
عقابه فاني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، فتزودوا من الدنيا ما
تحوزوا به أنفسكم غدا من النار، واعملوا بالخير تجزوا بالخير يوم يفوز أهل الخير
بالخير.
(1) مخلوط. (2) عزب: بعد وغاب وخفى. (3)
في بعض النسخ " أداء الزكاة لمحلها ".
[36]
16 - * (باب) * * " (ما جمع من جوامع كلم)
" * أمير المؤمنين صلى الله عليه وعلى ذريته: وقد جمع الجاحظ من علماء العامة مائة
كلمة من مفردات كلامه عليه السلام، وهي رسالة معروفة شايعة، وقد جمع بعض علمائنا
أيضا كلماته عليه السلام في كتاب نثر اللالي، والسيد الرضي - رحمه الله - قد أورد
كلماته عليه السلام في مطاوي نهج البلاغة، ولا سيما في أواخره، وكذا في كتاب خصائص
الائمة عليهم السلام، ثم جمع بعده الامدي من أصحابنا أيضا كثيرا من ذلك في كتاب
الغرر والدرر، وهو كتاب مشهور متداول. ثم قد أوردها مع كلمات النبي وسائر الائمة
عليهم السلام جماعة اخرى من العامة والخاصة أيضا في مؤلفاتهم ومنهم الحسن بن علي بن
شعبة في كتاب تحف العقول، والحسين بن محمد بن الحسن في كتاب النزهة الناظر، والشهيد
في كتاب الدرة الباهرة من الاصداف الطاهرة، وكذا الشيخ علي بن محمد الليثي الواسطي
في كتاب عيون الحكم والمواعظ وخيرة المتعظ والواعظ، الذي قد سمينا بكتاب العيون
والمجاسن، وهو يشتمل على كثير من كلماته، وكلمات باقي الائمة عليهم السلام. وقد جمع
الشيخ سعد بن عبد القاهر أيضا من علمائنا بين كلمات النبي صلى الله عليه وآله
المذكور في كتاب الشهاب للقاضي القضاعي من العامة وبين كلماته عليه السلام المذكورة
في النهج في كتاب مجمع البحرين ونحن قد أوردنا كل كلام له عليه السلام وله خبر في
باب يناسبه في مطاوي هذا الكتاب أعني كتابنا بحار الانوار بقدر الامكان والان لنذكر
شطرا صالحا من ذلك إن شاء الله تعالى. 1 - ف (1): قال عليه السلام: من كنوز الجنة
البر وإخفاء العمل والصبر على
(1) التحف ص 200.
[37]
الرزايا (1) وكتمان المصائب. 2 - وقال
عليه السلام: حسن الخلق خير قرين، وعنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه. 3 - وقال عليه
السلام: الزاهد في الدنيا من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال شكره. 4 - وكتب
عليه السلام: إلى عبد الله بن عباس (2): أما بعد فإن المرء يسره درك ما لم يكن
ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلته من آخرتك، وليكن أسفك
على ما فاتك منها. ومانلته من الدنيا فلا تكثرن به فرحا، وما فاتك منها فلا تأسفن
عليه حزنا، وليكن همك فيما بعد الموت. 5 - وقال عليه السلام: في ذم الدنيا: أولها
عناء وآخرها فناء (3)، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب. من صح فيها أمن، ومن مرض
فيها ندم، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، من ساعاها فاتته (4) ومن قعد
عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن نظر بها بصرته (5). 6 - وقال عليه السلام:
احبب حبيبك هونا ما عسى أن يعصيك يوما ما (6) وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون
حبيبك يوما ما. 7 - وقال عليه السلام: لاغنى مثل العقل، ولا فقر أشد من الجهل. 8 -
وقال عليه السلام: قيمة كل امرء ما يحسن.
(1) الرزايا: جمع الرزية: المصيبة
العظيمة. (2) منقول في النهج بادنى اختلاف. (3) العناء: النصب والتعب. (4) " ساعاها
" أي غالبها في السعي، وفى كنز الفوائد " فاتنه ". (5) أي نظرها بعين الحقيقة نظر
تأمل وتفكر. وفى كنز الفوائد " ومن نظر إليها ألهته ومن تهاون بها نصرته ". (6)
الهون: الرفق، السهل، السكينة والمراد احببه حبا مقتصدا لا افراط فيه. وأبغضه بغضا
مقتصدا.
[38]
9 - وقال عليه السلام: قرنت الهيبة
بالخيبة (1). والحياء بالحرمان. والحكمة ضالة المؤمن فليطلبها ولو في أيدي أهل
الشر. 10 - وقال عليه السلام: لو أن حملة العلم حملوه بحقه لاحبهم الله وملائكته
وأهل طاعته من خلقه، ولكنهم حملوه لطلب الدنيا، فمقتهم الله وهانوا على الناس. 11 -
وقال عليه السلام: أفضل العبادة الصبر، والصمت، وانتظار الفرج. 12 - وقال عليه
السلام: إن للنكبات غايات لابد أن تنتهي إليها، فإذا حكم على أحدكم بها فليطأ طألها
ويصبر حتى تجوز (2) فإن إعمال الحيلة فيها عند إقبالها زائد في مكروهها. 13 - وقال
عليه السلام للاشتر: يا مالك احفظ عني هذا الكلام وعه. يا مالك بخس مروته من ضعف
يقينه. وأزرى بنفسه من استشعر الطمع (3) ورضي [ب] الذل من كشف [عن] ضره. وهانت
عليه نفسه من اطلع على سره. وأهلكها من أمر عليه لسانه (4). الشره جزار الخطر، من
أهوى إلى متفاوت خذلته الرغبة (5) البخل عار، والجبن منقصة، والورع جنة، والشكر
ثروة، والصبر شجاعة والمقل غريب في بلده (6)، والفقر يخرس الفطن عن حجته (7)، ونعم
القرين
(1) الهيبة. المخافة. والخيبة: عدم الظفر
بالمطلوب. وقد مر آنفا. (2) طأطأ: خفض وخضع. (3) أي احتقرها. يقال: أزرى به أي عابه
ووضع من حقه. (4) أمر لسانه أي جعله أميرا على نفسه. (5) - الشره: اشد الحرص وطلب
المال مع القناعة. والجزار: الذباح. والمتفاوت: المتباعد وفى كنز الفوائد " إلى
متفاوت الامور " وفى النهج " من أومأ إلى متفاوت خذلته الحيل " أي من طلب تحصيل
المتباعدات وضم بعضها إلى بعض لم ينجح فيها فخذلته الحيل والرغبة فيما يريد. (6)
المقل: الفقير. وفى النهج " في بلدته ". (7) الفطن. - بفتح فكسر -: الفاطن أي صاحب
الفطنة والحذاقة.
[39]
الرضى، الادب حلل جدد (1)، ومرتبة الرجل
عقله، وصدره خزانة سره والتثبت حزم، والفكر مرآه صافية، والحلم سجية فاضلة، والصدقة
دواء منجح (2)، وأعمال القوم في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم، والاعتبار تدبر صلح
(3)، والبشاشة فخ المودة. 14 - وقال عليه السلام: الصبر من الايمان كمنزلة الرأس من
الجسد، فمن لا صبر له لا إيمان له. 15 - وقال عليه السلام: أنتم في مهل، من ورائه
أجل، ومعكم أمل يعترض دون العمل، فاغتنموا المهل، وبادروا الاجل، وكذبوا الامل،
وتزودوا من العمل، هل من خلاص ؟ أو مناص ؟ أو فرار ؟ أو مجاز ؟ أو معاذ ؟ أو ملاذ ؟
أولا ؟ فأنى تؤفكون. 16 - وقال عليه السلام: اوصيكم بتقوى الله فإنها غبطة للطالب
الراجي، وثقة للهارب اللاجي، استشعروا التقوى شعارا باطنا، واذكروا الله ذكرا خالصا
تحيوا به أفضل الحياة، وتسلكوا به طرق النجاة، وانظروا إلى الدنيا نظر الزاهد
المفارق، فإنها تزيل الثاوي الساكن (4). وتفجع المترف الامن، لا يرجى منها ماولى
فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فيستنظر وصل الرخاء منها بالبلاء، والبقاء منها إلى
الفناء، سرورها مشوب بالحزن، والبقاء منها إلى الضعف والوهن. 17 - وقال عليه
السلام: إن الخيلاء من التجبر، والتجبر من النخوة، والنخوة من التكبر، وإن الشيطان
عدو حاضر يعدكم الباطل، إن المسلم أخ المسلم
(1) الحلل: جمع الحلة - بالضم -: كل ثوب
جديد. والجدد: جمع جديد. (2) انجحت حاجته: قضيت، والرجل: فاز وظفر بها. (3) كذا
والصحيح " والاعتبار منذر صالح " كما في النهج. والفخ. المصيدة أي آلة يصاد بها.
وفى النهج " والبشاشة حبالة المودة " والحبالة - بالضم - شبكة الصيد. (4) الثاوى:
القائم. يعنى أن الدنيا تزيل من اقام بها واتخذها وطنا.
[40]
فلا تخاذلوا ولا تنابزوا فإن شرايع الدين
واحدة، وسبله قاصدة، فمن أخذ بها لحق، ومن فارقها محق، ومن تركها مرق (1). ليس
المسلم بالكذوب إذا نطق ولا بالمخلف إذا وعد، ولا بالخائن إذا ائتمن. 18 - وقال
عليه السلام: العقل خليل المؤمن، والحلم وزيره، والرفق والده، واللين أخوه. ولا بد
للعاقل من ثلاث: أن ينظر في شأنه، ويحفظ لسانه، ويعرف زمانه، ألا وإن من البلاء
الفاقة، وأشد من الفافة مرض البدن وأشد من مرض البدن مرض القلب، ألا وإن من النعم
سعة المال، وأفضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب. 19 -
وقال عليه السلام: إن للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربه، و ساعة يحاسب فيها
نفسه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل. و ليس للعاقل أن يكون شاخصا
إلا في ثلاث: مرمة لمعاشه (2) وخطوة لمعاده أو لذة في غير محرم. 20 - وقال عليه
السلام: كم مستدرج بالاحسان إليه (3) وكم من مغرور بالستر عليه، وكم من مفتون بحسن
القول فيه، وما ابتلى الله عبدا بمثل الاملاء له (4). قال الله عزوجل: " إنما نملي
لهم ليزدادوا إثما " (5). 21 - وقال عليه السلام: ليجتمع في قلبك الافتقار إلى
الناس والاستغناء عنهم يكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك (6) ويكون
استغناؤك عنهم في
(1) محق: هلك. ومرق: خرج من الدين بضلالة
أو بدعة. (2) رممت الشئ - بالتئقيل -: اصلحته. والمرمة: الاصلاح. (3) استدرجه الله
من حيث لا يعلم بالانعام والاحسان إليه، وهو يعصى الله ولا يعلم أن ذلك بلاغا للحجة
عليه واقامة للمعذرة في أخذه. (4) الاملاء: الامهال. (5) سورة آل عمران: 178. (6)
البشر - بالكسر -: بشاشة الوجه. والنزاهة: العفة والبعد عن المكروه.
[41]
نزاهة عرضك وبقاء عزك. 22 - وقال عليه
السلام: لا تغضبوا، ولا تعضبوا (1) افشوا السلام، وأطيبوا الكلام. 23 - وقال عليه
السلام: الكريم يلين إذا استعطف واللئيم يقسوا إذا ألطف. 24 - وقال عليه السلام ألا
اخبركم بالفقيه حق الفقيه ؟ من لم يرخص الناس في معاصي الله، ولم يقنطهم من رحمة
الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه، ولا خير في
عبادة ليس فيها نفقه، ولا خير في علم ليس فيه تفكر ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر.
25 - وقال عليه السلام: إن الله إذا جمع الناس نادى فيهم مناد أيها الناس إن أقربكم
اليوم من الله أشدكم منه خوفا، وإن أحبكم إلى الله أحسنكم له عملا وإن أفضلكم عنده
منصبا أعملكم (2) فيما عنده رغبة، وإن أكركم عليه أتقاكم. 26 - وقال عليه السلام:
عجبت لاقوام يحتمون الطعام مخافة الاذى كيف لا يحتمون الذنوب مخافة النار ؟ (3)
وعجبت ممن يشتري المماليك بماله كيف لا يشتري الاحرار بمعروفه فيملكهم ؟ ثم قال: إن
الخير والشر لا يعرفان إلا بالناس، فإذا أردت أن تعرف الخير (4) فاعمل الخير تعرف
أهله، وإذا أردت أن تعرف الشر فاعمل الشر تعرف أهله. 27 - وقال عليه السلام: إنما
أخشى عليكم اثنين: طول الامل، واتباع الهوى أما طول الامل فينسي الاخرة، وأما اتباع
الهوى، فانه يصد عن الحق. 28 - وسأله رجل بالبصرة عن الاخوان فقال: الاخوان صنفان:
إخوان الثقة وإخوان المكاشرة، فأما إخوان الثقة فهم الكهف والجناح (5) والاهل و
(1) في بعض النسخ " ولا تغضبوا " والصحيح
كما في المتن " ولا تعضبوا " أي لا تقطعوا. (2) في بعض النسخ " أعلمكم ". (3)
يحتمون أي يتقون. (4) في بعض النسخ " أن تعمل الخير ". (5) المكاشرة - مفاعلة من
كشر كضرب - وكشر الرجل عن أسنانه أي أبدى وأظهر - - - -
[42]
المال، فإن كنت من أخيك على حد الثقة
فابذل له مالك ويدك وصاف من صافاه (1) وعاد من عاداه، واكتم سره وعيبه، وأظهر منه
الحسن إعلم أيها السائل أنهم أقل من الكبريب الاحمر، وأما إخوان المكاشرة فإنك تصيب
منهم لذتك فلا تقطعن منهم لذتك، ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم، وابذل لهم ما
بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان. 29 - وقال عليه السلام: لا تتخذن عدو صديقك
صديقا فتعدي صديقك. 30 - وقال عليه السلام: لا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون
استعتاب (2). 31 - وقال عليه السلام: ينبغي للمسلم أن يجتنب مؤاخاة ثلاثة: الفاجر
(3) والاحمق، والكذاب. فأما الفاجر فيزين لك فعله، ويحب أنك مثله، ولا يعينك على
أمر دينك ومعادك، فمقارنته جفاء وقسوة، ومدخله عار عليك (4). وأما الاحمق فإنه لا
يشير عليك بخير، ولا يرجه لصرف السوء عنك ولو جهد نفسه (5) وربما أراد نفعك فضرك،
فموته خير من حياته، وسكوته خير من نطقه، و بعده خير من قربه. وأما الكذاب فإنه لا
يهنئك معه عيش، ينقل حديثك و ينقل إليك الحديث، كلما أقنى أحدوثة مطاها باخرى مثلها
(6) حتى أنه
- - - - ويكون في الضحك. والمكاشر:
المتبسم في وجه. والكهف: الملجأ. ورواه الصدوق في الخصال وفيه " فهم الكف والجناح
والاصل والاهل والمال " والجناح من الانسان: اليد: لانه بمنزلة جناح الطائر. (1)
صافى فلانا: أخلص له الود. (2) لا تصرم أي لا تقطع. والاستعتاب: الاسترضاء. (3)
رواه الكليني رحمه الله في الكافي ج 2 ص 639 وفيه " الماجن الفاجر ". (4) في الكافي
" مقاربته جفاء ". و " مدخله " أي زيارته ومواجهته. (5) في الكافي " ولو أجهد نفسه
". (6) مطا يمطو، أسرع في سيره، ومطا بالقوم: مد بهم في السير، وفى الكافي " مطرها
" وفى بعض نسخه " مطها ".
[43]
يحدث بالصدق فلا يصدق، يغري بين الناس
بالعداوة (1) فيثبت الشحناء في الصدور. فاتقوا الله وانظروا لانفسكم. 32 - وقال
عليه السلام: لا عليك (2) أن تصحب ذا العقل وإن لم تجمد كرمه (3) ولكن انتفع بعقله
واحترس من سيئ أخلاقه، ولا تدعن صحبة الكريم وإن لم تنتفع بعقله، ولكن انتفع بكرمه
بعقلك، وافرر الفرار كله من اللئيم الاحمق. 33 - وقال عليه السلام: الصبر ثلاثة:
الصبر على المصيبة، والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية. 34 - وقال عليه السلام:
من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق بأن لا ينزل به مكروه أبدا، قيل:
وما هن ؟ قال: العجلة، واللجاجة، والعجب والتواني. 35 - وقال عليه السلام: الاعمال
ثلاثة: فرائض وفضائل ومعاصي، فأما الفرائض فبأمر الله ومشيئته وبرضاه وبعلمه وقدره،
يعملها العبد فينجو من الله بها. وأما الفضائل فليس بأمر الله لكن بمشيئته وبرضاه
وبعلمه وبقدره، يعملها العبد فيثاب عليها. وأما المعاصي فليس بأمر الله ولا بمشيئته
ولا برضاه، لكن بعلمه وبقدره يقدرها لوقتها فيفعلها العبد باختياره فيعاقبه الله
عليها، لانه قد نهاه عنها فلم ينته. 36 - وقال عليه السلام: يا أيها الناس إن لله
في كل نعمة حقا، فمن أداه زاده ومن قصر عنه خاطر بزوال النعمة وتعجل العقوبة،
فليراكم الله من النعمة وجلين كما يراكم من الذنوب فرقين (4). 37 - وقال عليه
السلام: من ضيق عليه في ذات يده فلم يظن أن ذلك حسن نظر
(1) يغرى أي القى بينهم العداوة والشحناء:
العداوة والبغضاء امتلات منها النفس من شحن أي ملاء. وفى الكافي " يفرق بين الناس
بالعداوة فينبت السخائم في الصدور ". (2) أي لا بأس بك ولا حرج. (3) جمدت يده: بخل.
(4) " وجلين " أي خائفين. " فرفين " أي فزعين.
[44]
من الله [له] فقد ضيع مأمولا. ومن وسع
عليه في ذات يده فلم يظن أن ذلك استدراج من الله فقد أمن مخوفا (1). 38 - وقال عليه
السلام يا أيها الناس سلوا الله اليقين وارغبوا إليه في العافية فإن أجل النعم
العافية، وخير مادام في القلب اليقين، والمغبون من غبن دينة والمغبوط من حسن يقينه.
39 - وقال عليه السلام: لا يجد رجل طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن
ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. 40 - وقال عليه السلام: ما ابتلي المؤمن بشئ هو
أشد عليه من خصال ثلاث يحرمها، قيل: وماهن ؟ قال: المواساة في ذات يده، والانصاف من
نفسه، وذكر الله كثيرا، أما إني لا أقول لكم: سبحان الله والحمد لله، ولكن ذكر الله
عند ما أحل له، وذكر الله عند ما حرم عليه. 41 - وقال عليه السلام: من رضي من
الدنيا بما يجزيه كان أيسر ما فيه يكفيه، و من لم يرض من الدنيا بما يجزيه لم يكن
فيها شئ يكفيه. 42 - وقال عليه السلام: المنية لا الدنية، والتجلد لا التبلد (2)
والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فلا تحزن،
فبكليهما ستختبر. 43 - وقال عليه السلام: أفضل على من شئت يكن أسيرك. 44 - وقال
عليه السلام: ليس من أخلاق المؤمن الملق ولا الحسد إلا في طلب -
(1) ذات يده: ما يملكه. ومأمولا أي ما أمل
ورجا. أي من كان في ضيق بحسب المال ولم يظن ان ذلك احسانا من الله وامتحانا منه فقد
ضيع أجرا مأمولا، وهكذا إذا لم يظن أن نعمته استدرجا منه فقد أمن من مكر الله. (2)
المنية: الموت أي يكون الموت ولا يكون ارتكاب الدنية. والتجلد: تكلف الجلد - محركة
- والصبر عليه. والتبلد: ضد التجلد والتلهف. ونظير هذا الكلام منقول في النهج وفيه
" والتقلل ولا التوسل ". (*)
[45]
العلم. 45 - وقال عليه السلام: أركان
الكفر أربعة: الرغبة والرهبة والسخط والغضب. 46 - وقال عليه السلام: الصبر مفتاح
الدرك. والنجح عقبى من صبر (1) ولكل طالب حاجة وقت يحركه القدر. 47 - وقال عليه
السلام: اللسان معيار، أطاشة الجهل (2) وأرجحه العقل. 48 - وقال عليه السلام: من
طلب شفا غيظ بغير حق أذاقه الله هوانا بحق. إن الله عدوا ماكره. 49 - من قال عليه
السلام: ما حار من استخار، ولا ندم من استشار (3). 50 - وقال عليه السلام: عمرت
البلدان بحب الاوطان. 51 - وقال عليه السلام: ثلاث من حافظ عليها سعد: إذا ظهرت
عليك نعمة فأحمد الله، وإذا أبطأ عنك الرزق فاستغفر الله، وإذا أصابتك شدة فأكثر من
قول: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". 52 - وقال عليه السلام: العلم ثلاثة: الفقه
للاديان، والطب لابدان، والنحو للسان. 53 - وقال عليه السلام: حق الله في العسر
الرضى والصبر، وحقه في اليسر الحمد والشكر. 54 وقال عليه السلام: ترك الخطيئة أيسر
من طلب التوبة. وكم من شهوة ساعة قد أورثت حزنا طويلا. والموت فضح الدنيا، فلم يترك
لذي لب فيها فرحا، ولا لعاقل لذة. 55 - وقال عليه السلام: العلم قائد، والعمل سائق،
والنفس حرون (4). 56 - وقال عليه السلام: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجوا، فإن
موسى عليه السلام
(1) النجح - بالضم -: الفوز والظفر. (2)
أطاشه أي خفه. وبالفارسية " يعنى سبك ميكند اورا ". (3) الحور - بالفتح -: التحير
والرجوع إلى النقصان. (4) الحرون من الخيل: الذى لا ينقاد لراكبه فإذا استدرجريه
وقف.
[46]
خرج يقتبس لاهله نارا فكلمه الله ورجع
نبيا. وخرت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان عليه السلام. وخرجت سحرة فرعون يطلبون العز
لفرعون فرجعوا مؤمنين. 57 - وقال عليه السلام: الناس بامرائهم أشبه منهم بآبائهم.
58 - وقال عليه السلام: أيها الناس اعلموا أنه ليس بعاقل من انزعج (1) من قول الزور
فيه، ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه. الناس أبناء ما يحسنون، وقدر كل امرء ما
يحسن، فتكلموا في العلم تبين أقداركم. 59 - وقال عليه السلام: رحم الله امرء راغب
ربه (2) وتوكف ذنبه، وكابر هواه، وكذب مناه، زم نفسه من التقوى بزمام، وألجمها من
خشية ربها بلجام، فقادها إلى الطاعة بزمامها، وقدعها عن المعصية بلجامها (3) رافعا
إلى المعاد طرفه، متوقعا في كل أوان حتفه، دائم الفكر، طويل السهر، عزوفا عن
الدنيا، كدوحا لاخرته (4)، جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته، ودواء [داء]
جواه (5)، فاعتبر وقاس، فوتر الدنيا والناس، يتعلم للتفقه والسداد، قد وقر قلبه ذكر
المعاد، فطوى مهاده (6) وهجر وساده، قد عظمت فيما عند الله رغبته، واشتدت منه
رهبته، يظهر دون ما يكتم، ويكتفي بأقل مما يعلم، أولئك ودائع الله في بلاده المدفوع
بهم عن عباده، لو أقسم أحدهم على الله لابره، آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
(1) ازعجه فانزعج: أقلقه وقلعه من مكانه
فقلق وانقلع. (2) في بعض النسخ " راقب دينه ". والتوكف: التجنب. والمكابرة:
المعاندة والمغالبة. (3) قدع الفرس باللجام: كبحه أي جذبه به لتقف وتجرى. (4) سهر
سهرا - كفرح - إذا لم ينم ليلا. عزفت نفسه عن الشئ: انصرفت وزهدت فيه. والكدح:
السعي في مشقة وتعب. (5) الجوى: الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن. (6) طوى نقيض
نشر. والمهاد: الفراش. وهجره أي تركه وأعرض عنه.
[47]
60 - وقال عليه السلام: وكل الرزق بالحمق،
ووكل الحرمان بالعقل، ووكل البلاء بالصبر. 61 - وقال عليه السلام: للاشعث (1) يعزيه
بأخيه عبد الرحمن: إن جزعت فحق عبد الرحمن وفيت، وإن صبرت فحق الله أديت، على أنك
إن صبرت جرى عليك القضاء وأنت محمود، وإن جزعت جرى عليك القضاء وأنت مذموم (2) فقال
الاشعث: إنا لله وإنا إليه راجعون فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أتدري ما
تأويلها ؟ فقال الاشعث: لانت غاية العلم ومنتهاه فقال عليه السلام: أما قولك: " إنا
لله " فإقرار منك بالملك. وأما قولك " وإنا إليه راجعون " فإقرار منك بالهلك (3).
62 - وركب عليه السلام يوما فمشى معه قوم فقال عليه السلام لهم: أما علمتم أن مشي
الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي، انصرفوا. 63 - وقال عليه السلام:
الامور ثلاثة: أمر بان لك رشده فاتبعه (4) وأمر بان
(1) الظاهر هو اشعث بن قيس المكنى بأبى
محمد ذكروه في جملة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان اسر بعد النبي " ص "
في ردة أهل ياسر وعفا عنه أبو بكر وزوجه اخته ام فروة وكانت عوراء فولدت له محمد.
وكان أشعث سكن الكوفة وهو عامل عثمان على آذربيجان، وكان أبا زوجة عمر بن عثمان
وكتب أمير المؤمنين عليه السلام إليه بعد فتح البصرة فسار وقدم على على عليه السلام
وحضر صفين، ثم صار خارجيا ملعونا. وقال ابن أبى الحديد كل فساد كان في خلافة أمير
المؤمنين عليه السلام وكل اضطراب فأصله الاشعث، و هو الذى شرك في دمه عليه السلم،
وابنته جعدة سمت الحسن عليه السلام، ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليه السلام. (2)
في النهج عزاه عن ابن له قال: " يا اشعث ان تحزن على ابنك فقد استحقت منك ذلك
الرحم. وان تصبر ففى الله من كل مصيبة خلف. يا أشعث ان صبرت جرى عليك القدر وانت
مأجور، وان جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزوريا أشعث ابنك سرك وهو بلاء وفتنة و حزنك
وهو ثواب ورحمة ". (3) الهلك - بالضم -: الهلاك. (4) في بعض النسخ " فارتكبه ".
[48]
لك غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فرددته
إلى عالمه (1). 64 - وقال له عليه السلام: جابر يوما: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين ؟
فقال عليه السلام: وبنا من نعم الله ربنا مالا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فلا ندري ما
نشكر، أجميل ما ينشر أم قبيح ما يستر. 65 - وعزى عبد الله بن عباس، عن مولود صغير
مات له، فقال عليه السلام: لمصيبة في غيرك لك أجرها أحب إلي من مصيبة فيك لغيرك
ثوابها، فكان لك الاجر لابك، وحسن لك العزاء لا عنك، وعوضك الله عنه مثل الذي عوضه
منك. 66 - وقيل له: ما التوبة النصوح ؟ فقال عليه السلام: ندم بالقلب، واستغفار
باللسان، والقصد على أن لا يعود (2). 67 - وقال عليه السلام: إنكم مخلوقون اقتدارا،
ومربوبون اقتسارا (3) ومضمنون أجداثا، وكائنون رفاتا، ومبعوثون أفرادا ومدينون
حسابا، فرحم الله عبدا اقترب فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، وعمر فاعتبر، وحذر
فازدجر، وأجاب فأناب، وراجع فتاب، واقتدى فاحتذى (4)، فباحث طلبا، ونجا هربا، وأفاد
ذخيرة وأطاب سريرة، وتأهب للمعاد، واستظهر بالزاد ليوم رحيله (5) ووجه سبيله، و حال
حاجته، وموطن فاقته، فقدم أمامه لدار مقامه، فمهدوا لانفسكم، فهل ينتظر أهل غضارة
الشباب إلا حواني الهرم ؟ وأهل بضاضة الصحة (6) إلا نوازل السقم، وأهل مدة البقاء
إلا مفاجأة الفناء، واقتراف الفوت، ودنو الموت ؟ !.
(1) في بعض النسخ " فرده إلى عالمه ". (2)
في بعض النسخ " العقد على أن لا يعود ". (3) في بعض النسخ [انتشارا]. والاقتسار:
عدم الاختيار، أي رباهم الله من عند كونهم أجنة في بطون أمهاتهم إلى كبرهم من غير
اختيار منهم. وفى بعض النسخ " ومضمون أحداثا. (4) الاحتذاء: الاقتداء أي أتى بكل ما
للاقتداء من معنى. (5) استظهر بالزاد: استعان به. (6) الحوانى جمع حين. والبضاضة:
رقة اللون وصفاؤه.
[49]
68 - وقال عليه السلام: اتقوا الله تقية
من شمر تجريدا وجد تشميرا، وانكمش في مهل، وأشفق في وجل (1) ونظر في كثرة المال،
وعاقبة الصبر، ومغبة المرجع (2) فكفى بالله منتقما ونصيرا، وكفى بالجنة ثوابا
ونوالا (3) وكفى بالنار عقابا و نكالا، وكفى بكتاب الله حجيجا وخصيما (4). 69 -
وسأله رجل عن السنة والبدعة والفرقة والجماعة. فقال عليه السلام: أما السنة فسنة
رسول الله صلى الله عليه وآله. وأما البدعة فما خالفها (5) وأما الفرقة فأهل الباطل
وإن كثروا، وأما الجماعة فأهل الحق وإن قلوا. وقال صلى الله وعليه وآله (6): " لا
يرجو العبد إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي العالم إذا سئل عما لا يعلم أن
يقول: الله أعلم (7) والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد. 70 - وقال له رجل:
أوصني. فقال عليه السلام: اوصيك أن لا يكونن لعمل الخير عندك غاية في الكثرة، ولا
لعمل الاثم عندك غاية في القلة. 71 - وقال له آخر: أوصني، فقال عليه السلام: لا
تحدث نفسك بفقر ولا طول عمر. 72 - وقال عليه السلام: إن لاهل الدين غلامات يعرفون
بها: صدق الحديث وأداء الامانة، ووفاء بالعهد، وصلة للارحام، ورحمة للضعفاء، وقلة
مؤاتاة
(1) التشمير: السرعة والخفة. وانكمش أي
أسرع وجد فيه. والمهل - بفتح فسكون وبالتحريك - مصدر بمعنى الرفق والامهال. (2)
المغبة - بفتح الميم والغين وتشديد الباء -: العاقبة. (3) النوال: العطاء والنصيب.
(4) الحجيج: المغالب باظهار الحجة. (5) في بعض النسخ " فمن خالفها ". (6) كذا في
جميع النسخ. (7) في الكافي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " للعالم إذا سئل عن
شئ وهو لا يعلمه أن يقول: الله أعلم وليس لغير العالم أن يقول ذلك. ج 1 ص 42.
[50]
للنساء (1) وبذل المعروف، وحسن الخلق،
وسعة الحلم، واتباع العلم، وما يقرب من الله زلفى، وطوبى لهم وحسن مآب. 73 - وقال
عليه السلام: ما أطال [ال] عبد الامل إلا أنسا [ه] العمل. 74 - وقال عليه السلام:
ابن آدم أشبه شئ بالمعيار: إما ناقص بجهل، أو راجح بعلم. 75 - وقال عليه السلام:
سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه. 76 - وقال عليه السلام: ابذل
لاخيك دمك ومالك، ولعدوك عدلك، وإنصافك وللعامة بشرك وإحسانك، تسلم على الناس
يسلموا عليك. 77 - وقال عليه السلام: سادة الناس في الدنيا الاسخياء، وفي الاخرة
الاتقياء. 78 - وقال عليه السلام: الشئ شيئان: فشئ غيري لم أرزقه فيما مضى، ولا
آمله فيما بقي، وشئ لا أناله دون وقته، ولو أجلبت عليه بقوة السماوات والارض فبأي
هذين أفنى عمري. 79 - وقال عليه السلام: إن المؤمن إذا نظر اعتبر، وإذا سكت تفكر،
وإذا تكلم ذكر، وإذا استغنى شكر، وإذا أصابته شدة صبر، فهو قريب الرضى، بعيد السخط
يرضيه عن الله اليسير، ولا يسخطه الكثير، ولا يبلغ بنيته إرادته في الخير، ينوي
كثيرا من الخير ويعمل بطائفة منه، ويتلهف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به (2).
والمنافق إذا نظر لها، وإذا سكت سها، وإذا تكلم لغا (3) وإذا استغنى طغا، وإذا
أصابته شدة ضغا (4) فهو قريب السخط بعيد الرضي، يسخط على الله اليسير، ولا
(1) المواتاة: المطاوعة. (2) تلهف أي حزن
عليه وتحسر. (3) " لها " أي لعب. " سها " أي غفل ونسى وذهب قلبه إلى غيره. و " لغا
" أي خطأ وتكلم من غير تفكر وروية. (4) " ضغا " أي تذلل وضعف.
[51]
يرضيه الكثير، ينوي كثيرا من الشر ويعمل
بطائفة منه، ويتلهف على ما فاته من الشر كيف لم يعمل به. 80 - وقال عليه السلام:
الدنيا والاخرة عدوان متعاديان، وسبيلان مختلفان، من أحب الدنيا ووالاها أبغض
الاخرة وعاداها، مثلهما مثل المشرق والمغرب، والماشي بينهما لا يزداد من أحدهما
قربا إلا ازداد من الاخر بعدا. 81 - وقال عليه السلام: من خاف الوعيد قرب عليه
البعيد (1) ومن كان من قوت الدنيا لا يشبع لم يكفه منها ما يجمع. ومن سعى للدنيا
فاتته، ومن قعد عنها أتته إنما الدنيا ظل ممدود إلى أجل معدود، رحم الله عبدا سمع
حكما فوعى، ودعي إلى الرشاد فدنا، وأخذ بحجزة ناج هاد فنجا (2) قدم صالحا، وعمل
صالحا، [قدم] مذخورا، واجتنب محذورا، رمى غرضا (3) [وقدم عوضا]، كابر هواه، وكذب
مناه، جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عذة وفاته (4) لزم الطريقة الغراء والمحجة
البيضاء، واغتنم المهل، وبادر الاجل، وتزود من العمل. 82 - وقال عليه السلام لرجل:
كيف أنتم ؟ فقال: نرجو ونخاف، فقال عليه السلام: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا
هرب منه، ما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لما خاف منه، وما أدري ما رجاء
رجل نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو. 83 - وقال عليه السلام لعباية بن ربعي:
(5) وقد سأله عن الاستطاعة التي تقوم
(1) الوعيد يستعمل في الشر كما أن الوعد
يستعمل في الخير غالبا. (2) الحجزة - كغرفة -: معقد الازار، واستعير لهدى الهادى،
ولزوم قصده والاقتداء به. (3) الغرض - بالتحريك -: الهدف الذى يرمى إليه. وكابر:
عاند وغالب. (4) العدة - بالضم - الاستعداد وما أعددته. وفى الخبر " استعدوا للموت
" أي اطلبوا العدة للموت وهى التقوى. والغراء: البيضاء. (5) هو عباية بن عمرو بن
ربعى الاسدي من أصحاب أمير المؤمنين والحسن عليهما - السلام بل من خواصهما ومعتمد
عليه في الحديث. (*)
[52]
ونقعد ونفعل: إنك سألت عن الاستطاعة فهل
تملكها من دون الله أو مع الله، فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن
قلت: تملكها مع الله قتلتك، وإن قلت: تملكها دون الله قتلتك، [ف] قال عباية: فما
أقول ؟ قال عليه السلام: تقول: إنك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملكك
إياها كان ذلك من عطائه، و إن سلبكها كان ذلك من بلائه، فهو المالك لما ملكك،
والقادر على ما عليه أقدرك (1). 84 - قال الاصبغ بن نباتة (2): سمعت أمير المؤمنين
عليه السلام: يقول: أحدثكم بحديث ينبغي لكل مسلم أن يعيه، ثم أقبل علينا، فقال عليه
السلام: ما عاقب الله عبدا مؤمنا في هذه الدنيا إلا كان أجود وأمجد من أن يعود في
عقابه يوم القيامة، ولا ستر الله على عبد مؤمن في هذه الدنيا وعفا عنه إلا كان أمجد
وأجود وأكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة، ثم قال عليه السلام: وقد يبتلي الله
المؤمن بالبلية في بدنه أو ماله أو ولده أو أهله وتلا هذه الاية: " ما أصابكم من
مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " (3) وضم يده ثلاث مرات ويقول: " ويعفو عن
كثير ". 85 - وقال عليه السلام: أول القطيعة السجا، ولا تأس أحدا إذا كان ملولا (4)
(1) في بعض النسخ " والقادر لما عليه قدرك
". (2) اصبغ بن نباتة المجاشعى كان من خاصة أمير المؤمين عليه السلام وعمر بعده و
روى عهده لمالك الاشتر الذى عهد إليه أمير المؤمنين عليه السلام لما ولاه مصر، وروى
أيضا وصية أمير المؤمنين إلى ابنه محمد الحنفية وكان يوم صفين على شرطة الخميس وكان
شيخا شريفا ناسكا عابدا وكان من ذخائر على عليه السلام ممن قد بايعه على الموت، وهو
من فرسان أهل العراق وكان عند سلمان رضى الله عنه وقت وفاته وبكائه على أمير
المؤمنين " ع " عند بابه لما ضربه ابن ملجم لعنه الله ودخوله عليه - وهو معصوب
الرأس بعمامة صفراء وقد نزف الدم واصفر وجه - مشهور. (3) سورة الشورى: 30. (4)
السجا: الستر، سجا الليل يسجو: ستر بظلمته. وفى النهج " ولا تأمنن ملولا "
[53]
أقبح المكافات المجازاة بالاساءة. 86 -
وقال عليه السلام: أول إعجاب المرء بنفسه فساد عقله. من غلب لسانه أمنه من لم يصلح
خلائقه كثرث بوائقه (1) من ساء خلقه مله أهله، رب كلمة سلبت نعمة، الشكر عصمة من
الفتنة، الصيانة رأس المروة، شفيع المذنب خضوعه، أصل الحزم الوقوف عند الشبهة، في
سعة الاخلاق كنوز الارزاق. 87 - وقال عليه السلام: المصائب بالسوية مقسومة بين
البرية، لا ييأس لذنبك وباب التوبة مفتوح، الرشد في خلاف الشهوة، تأريخ المنى
الموت، النظر إلى البخيل يقسي القلب، النظر إلى الاحمق يسخن العين (2)، السخاء
فطنة، واللوم تغافل. 88 - وقال عليه السلام: الفقر الموت الاكبر، وقلة العيال أحد
اليسارين وهو نصف العيش، والهم نصف الهرم، وما عال امر اقتصد (3)، وما عطب امرء
استشار والصنيعة لا تصلح إلا عند ذي حسب أو دين، والسعيد من وعظ بغيره، والمغبون لا
محمود ولا مأجور، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى. 89 - وقال عليه السلام: اصطنعوا
المعروف (4) تكسبوا الحمد. واستشعروا الحمد يؤنس بكم [العقلاء]. ودعوا الفضول
يجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس تعمر ناديكم (5)، وحاموا عن الخليط يرغب في
جواركم، وأنصفوا الناس من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الاخلاق فإنها رفعة،
وإياكم والاخلاق الدنية فإنها تضع الشريف وتهدم المجد. 90 - وقال عليه السلام: اقنع
تعز.
(1) الخلائق: جمع خليقة: الطبيعة.
والبوائق جمع بائقة: الشر والغائلة والداهية (2) سخنت عينه: نقيض قرت. (3) أي ما
افتقر امرء ان أخذ بالاقتصاد. وفى النهج " ما أعال ". وما عطب أي ما هلك. (4)
اصطنعوا: اعطوا واحسنوا واكرموا. (5) النادى: المجلس جمعه أندية.
[54]
91 - وقال عليه السلام: الصبر جنة من
الفاقة. والحرص علامة الفقر. والتجمل اجتناب المسكنة. والموعظة كهف لمن لجأ إليها.
92 - وقال عليه السلام: من كساه العلم ثوبه اختفى عن الناس عيبه. 93 - وقال عليه
السلام: لا عيش لحسود. ولا مودة لملوك. ولا مروة لكذوب. 94 - وقال عليه السلام:
تروح إلى بقاء عزك بالوحدة. 95 - وقال عليه السلام: كل عزيز داخل تحت القدرة فذليل.
96 - وقال عليه السلام: أهلك الناس اثنان: خوف الفقر وطلب الفخر. 97 - وقال عليه
السلام: أيها الناس إياكم وحب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة، وباب كل بلية، وقران كل
فتنة، وداعي كل رزية (1). 98 - وقال عليه السلام: جمع الخير كله في ثلاث خصال:
النظر والسكوت والكلام فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو
غفلة، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عبرة، وسكوته فكرة، و
كلامه ذكرا، وبكى على خطيئته، وأمن الناس من شره. 99 - وقال عليه السلام: ما أعجب
هذا الانسان مسرور بدرك ما لم يكن ليفوته محزون على فوت ما لم يكن ليدركه ولو أنه
فكر لابصر، وعلم أنه مدبر، وأن الرزق عليه مقدر، ولا قتصر على ما تيسر، ولم يتعرض
لما تعسر (2). 100 - وقال عليه السلام إذا طاف في الاسواق ووعظهم قال: يا معشر
التجار قدموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين (3) وتزينوا
بالحلم، وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتخافوا عن الظلم (4) وأنصفوا
المظلومين، ولا تقربوا الربا " وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم
(1) الرزية: المصيبة. (2) في بعض النسخ "
لا قتصر على ما يتيسر، ولم يتعرض لما يتعسر ". (3) أي تغاربوا بالمشترى وامضوا
المعاملة. (4) في بعض النسخ " تجافوا ".
[55]
ولا تعثوا في الارض مفسدين ". 101 - وسئل
أي شئ مما خلق الله أحسن ؟ فقال عليه السلام: الكلام. فقيل: أي شئ مما خلق الله
أقبح ؟ قال: الكلام، ثم قال: بالكلام ابيضت الوجوه، وبالكلام اسودت الوجوه. 102 -
وقال عليه السلام: قولوا الخير تعرفوا [به] واعملوا به تكونوا من أهله. 103 - وقال
عليه السلام: إذا حضرت بلية فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا
أنفسكم دون دينكم، واعلموا أن الهالك من هلك دينه، و الحرب من سلب دينه (1)، ألا
وإنه لافقر بعد الجنة، ولا غنى بعد النار. 104 - وقال عليه السلام: لا يجد عبد طعم
الايمان حتى يترك الكذب هزله وجده (2). 105 - وقال عليه السلام: ينبغي للرجل المسلم
أن يجتنب مؤاخاه الكذاب، إنه يكذب حتى يجيئ بالصدق فما يصدق. 106 - وقال عليه
السلام: أعظم الخطايا اقتطاع مال امرء مسلم بغير حق (3). 107 - وقال عليه السلام:
من خاف القصاص كف عن ظلم الناس. 108 - وقال عليه السلام: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم
من الحاسد. 109 - وقال عليه السلام: العامل بالظلم، والمعين عليه، والراضي به شركاء
ثلاثة. 110 - وقال عليه السلام: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن [جميل] و أحسن من
ذلك الصبر عندما حرم الله عليك. والذكر ذكران: ذكر عند المصيبة حسن جميل وأفضل من
ذلك ذكر الله عند ما حرم [الله] عليك فيكون ذلك حاجزا.
(1) الحرب الذى سلب ماله وترك بلا شئ. (2)
الهزل في الكلام: ضد الجد أي المزح والهذى. (3) اقتطع مال فلان أي أخذه لنفسه.
[56]
111 - وقال عليه السلام: اللهم لا تجعل بي
حاجة إلى أحد من شرار خلقك، وما جعلت بي من حاجة فاجعلها إلى أحسنهم وجها، وأسخاهم
بها نفسا، وأطلقهم بها لسانا وأقلهم علي بها منا. 112 - وقال عليه السلام: طوبى لمن
يألف الناس ويألفونه على طاعة الله. 113 - وقال عليه السلام: إن من حقيقة الايمان
أن يؤئر العبد الصدق حتى نفر عن الكذب حيث ينفع. ولا يعد المرء بمقالته علمه. 114 -
وقال عليه السلام: أدوا الامانة ولو إلى قاتل ولد الانبياء (1). 115 - وقال عليه
السلام: التقوى سنخ الايمان. 116 - وقال عليه السلام: ألا إن الذل في طاعة الله
أقرب إلى العز من التعاون بمعصية الله. 117 - وقال عليه السلام: المال والبنون حرث
الدنيا، والعمل الصالح حرث الاخرة وقد جمعها الله لاقوام. 118 - وقال عليه السلام:
مكتوب في التوارة في صحيفتين، إحديهما: من أصبح على الدنيا حزينا فقد أصبح لقضاء
الله ساخطا، ومن أصبح من المؤمنين يشكو مصيبة نزلت به إلى من يخالفه على دينه فإنما
يشكو ربه إلى عدوه. ومن تواضع لغني طلبا لما عنده ذهب ثلثا دينه (2) ومن قرأ القرآن
فمات فدخل النار فهو ممن يتخذ آيات الله هزوا. وقال: في الصحيفه الاخرى: من لم
يستشر يندم، ومن يستأثر من الاموال يهلك (3) والفقر الموت الاكبر. 119 - وقال عليه
السلام: الانسان لبه لسانه، وعقله دينه، ومروته حيث يجعل
(1) في كنز الفوائد " إلى قاتل الانبياء
". (2) لان الخضوع لغير الله اذاء عمل لغيره واستعظام المال ضعف في اليقين فلم يبق
الا الاقرار باللسان. (3) استأثر بالمال: اختص نفسه به واختاره.
[57]
نفسه، والرزق مقسوم، والايام دول، والناس
إلى آدم شرع سواء (1). 120 - وقال عليه السلام لكميل بن زياد: رويدك لا تشهر (2)
واخف شخصك لا تذكر، تعلم تعلم. واصمت تسلم، لا عليك إذا عرفك دينه لا تعرف الناس
ولا يعرفونك. 121 - وقال عليه السلام: ليس الحكيم من لم يدار من لا يجد بدا من
مداراته. 122 - وقال عليه السلام: أربع لو ضربتم فيهن أكباد الابل (3) لكان ذلك
يسيرا: لا يرجون أحد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحي أن يقول: لا أعلم إذا
هو لم يعلم، ولا يستكبر أن يتعلم إذا لم يعلم. 123 - وكتب إلى عبد الله بن العباس
أما بعد فاطلب ما يعنيك واترك ما لا يعنيك، فإن في ترك مالا يعنيك درك ما يعنيك،
وإنما تقدم على ما أسلفت لا على ما خلفت. وابن ما تلقاه غدا على ما تلقاه. السلام.
124 - وقال عليه السلام: إن أحسن ما يألف به الناس قلوب أودائهم، ونفوا به الضغن عن
قلوب أعدائهم: حسن البشر عند لقائهم، والتفقد في غيبتهم، والبشاشة بهم عند حضورهم.
125 - وقال عليه السلام: لا يجد عبد طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن
ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. 126 - وقال عليه السلام: يا رب ما أشقى جد من لم
يعظم في عينه وقلبه ما رأى من ملكك وسلطانك في جنب ما لم تر عينه وقلبه من ملكك
وسلطانك. وأشقى منه من لم يصغر في عينه وقلبه ما رأى وما لم يرمن ملكك وسلطانك في
جنب عظمتك وجلالك، لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. 127 - وقال عليه
السلام: إنما الدنيا فناء وعناء وغير وعبر فمن فنائها أنك
(1) " دول " أي لا ثبات فيها ولا قرار.
والشرع - بكسر فسكون وبفتحتين -: المثل. (2) رويدك - مصدر - أي امهل. (3) ضرب أكباد
الابل في طلب الشئ كناية من أن يرحل إليه.
[58]
ترى الدهر موترا قوسه مفوقا نبله (1) لا
تخطئ سهامه، ولا تشفي جراحه، يرمي الصحيح بالسقم، والحي بالموت، ومن عنائها أن
المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله لا ما لا حمل ولا بناء
نقل، ومن غيرها أنك ترى المغبوط مرحوما، والمرحوم مغبوطا، ليس بينهم إلا نعيم زال
وبؤس نزل، ومن عبرها أن المرء يشرف على أمله فيتخطفه أجله، فلا أمل مدروك، ولا مؤمل
متروك فسبحان [الله] ما أعز سرورها وأظمأ ريها وأضحى فيئها، فكأن ما كان من الدنيا
لم يكن وكأن ما هو كائن قد كان. [و] أن الدار الاخرة هي دار المقام ودار القرار
وجنة ونار. صار أولياء الله إلى الاجر بالصبر وإلى الامل بالعمل. 128 - وقال عليه
السلام: من أحب السبل إلى الله جرعتان: جرعة غيظ تردها بحلم وجرعة حزن تردها بصبر.
ومن أحب السبل إلى الله قطرتان: قطرة دموع في جوف الليل، وقطرة دم في سبيل الله،
ومن أحب السبل إلى الله خطوتان: خطوة امرء مسلم يشد بها صفا في سبيل الله، وخطوة في
صلة الرحم [وهي] أفضل من خطوة يشد (2) بها صفا في سبيل الله. 129 - وقال عليه
السلام: لا يكون الصديق لاخيه صديقا حتى يحفظه في نكبته وغيبته وبعد وفاته. 130 -
وقال عليه السلام: إن قلوب الجهال تستفزها الاطماع، وترهنها المنى وتستعلقها
الخدائع (3).
(1) موترا قوسه: مشد وترها. " مفوقا نبله
" أي موضع فوقته في الوتر ليرمى به. والفوق: موضع الوتر من رأس السهم حيث يقع
الوتر. (2) في بعض النسخ [يشهد] في الموضعين. (3) " تستفزها " أي تستخفها وتخرجها
من مقرها و " ترهنها المنى " في الكافي " ترتهنها " وهى اراده مالا يتوقع حصوله، أو
المراد بها ما يعرف للانسان من أحاديث النفس، وتسويل الشيطان. أي تأخذها وتجعلها
مشغولة بها ولا تتركها الا بحصول ما تتمناه، كما أن الرهن لا ينفك الا بأداء المال
وقوله: " تستعلقها " بالعين المهملة ثم القاف أي تصيدها وتربطها - - - -
[59]
131 - وقال عليه السلام: من استحكمت [لي]
فيه خصلة من خصال الخير اغتفرت ما سواها ولا أغتفر فقد عقل ولا دين، مفارقة الدين
مفارقة الامن، ولا حياة مع مخافة وفقد العقل فقد الحياة ولا يقاس [إلا] بالاموات
(1). 132 - وقال عليه السلام: من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ومن
كتم سره كانت الخيرة في يده (2). 133 - قال عليه السلام: إن الله يعذب ستة بستة:
العرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والامراء بالجور، والفقهاء بالحسد، والتجار
بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهل. 134 - وقال عليه السلام: أيها الناس اتقوا الله،
فإن الصبر على التقوى أهون من الصبر على عذاب الله. 135 - وقال عليه السلام: الزهد
في الدنيا قصر الامل وشكر كل ن