الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 70

العلامة المجلسي


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء السبعون دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م


 

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم - 122 - * (باب) * * " (حب الدنيا وذمها، وبيان فنائها وغدرها بأهلها) " * * " (وختل الدنيا بالدين) " * الايات: البقرة: أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون (1). وقال: زين للذين كفروا الحيوة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة والله يرزق من يشاء بغير حساب (2). آل عمران: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب * قل ءأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (3). وقال: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة (4). وقال: وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور (5). الانعام: وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين

 

(1) البقرة: 86. (2) البقرة: 212. (3) آل عمران: 14 - 15. (4) آل عمران: 152. (5) آل عمران: 185.

 

[2]

يتقون أفلا تعلقون (1). وقال تعالى: وغرتهم الحيوة الدنيا (2). الاعراف: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون افلا تعقلون (3). التوبه: أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا قليل (4). وقال تعالى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (5). وقال تعالى: كالذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون * ألم يأتهم نبؤ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم واصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (6). يونس: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها والذينهم عن آياتنا غافلون * أولئك مأويهم النار بما كانوا يكسبون (7). وقال تعالى: إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتيها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن

 

(1) الانعام: 32. (2) الانعام: 70. (3) الاعراف: 169. (4) براءة: 38. (5) براءة: 55. (6) براءة: 69 - 70. (7) يونس: 7 - 8.

 

[3]

بالامس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (1). وقال تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (2). وقال تعالى: متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (3). وقال سبحانه: وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحيوة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك (4). هود: من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (5). الرعد: وفرحوا بالحيوة الدنيا وما الحيوة الدنيا في الآخرة إلا متاع (6). ابراهيم: الذين يستحبون الحيوة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (7). الحجر: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم (8). النحل: ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (9). وقال تعالى: ذلك بأنهم استحبوا الحيوة الدنيا على الاخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرون (10). اسرى: وأمددناكم بأموال وبنين (11).

 

يونس: 24. (2) يونس: 58. (3) يونس: 70. (4) يونس: 88. (5) هود: 15 - 16. (6) الرعد: 26. (7) ابراهيم: 3. (8) الحجر: 88. (9) النحل: 96. (10) النحل: 107. (11) أسرى: 6 (*).

 

[4]

وقال تعالى: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (1). الكهف: تريد زينة الحيوة الدنيا (2). وقال تعالى: واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فاصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا * المال والبنون زينة الحيوة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا (3). طه: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (4). القصص: وما أوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى افلا تعقلون * أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحيوة الدنيا ثم هو يوم القيمة من المحضرين (5). وقال تعالى: فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحيوة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقيها إلا الصابرون (6). العنكبوت: ما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (7).

 

(1) أسرى: 18 - 21. (2) الكهف: 28. (3) الكهف: 45 - 46. (4) طه: 131. (5) القصص: 60 - 61. (6) القصص: 79 - 80. (7) العنكبوت: 64.

 

[5]

الروم: يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (1) لقمان: يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (2). فاطر: يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (3). ص: فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (4). الزمر: فإذا مس الانسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون * قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانو يكسبون * فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وماهم بمعجزين * أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (5). المؤمن: وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحيوة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (6). حمعسق: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (7). وقال تعالى: فما أوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (8). الزخرف: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات

 

(1) الروم: 7. (2) لقمان: 33. (3) فاطر: 5. (4) ص: 32. (5) الزمر: 49 - 52. (6) المؤمن: 38 - 39. (7) الشورى: 20. (8) الشورى: 36.

 

[6]

ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون * ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون * وإن كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (1). الجاثية: ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحيوة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (2). محمد: إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم (3). النجم: فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم (4). الحديد: واعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتريه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور (5). المجادلة: لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك اصحاب النار هم فيها خالدون (6). المنافقون: يا أيها الذين آمنوا لا تهلكم أموالكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (7).

 

(1) الزخرف: 31 - 35. (2) الجاثية: 35. (3) القتال: 36. (4) النجم: 29 - 30. (5) الحديد: 20. (6) المجادلة: 17. (7) المنافقون: 9.

 

[7]

التغابن: إنما أموالكم وأولادكم فتنه والله عنده أجر عظيم (1). القيمة: كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الاخرة (2). الدهر: إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورائهم يوما ثقيلا (3). النازعات: فأما من طغى * وآثر الحيوة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى (4). الاعلى: بل تؤثرون الحيوة الدنيا * والاخرة خير وأبقى * إن هذا لفي الصحف الاولى * صحف إبراهيم وموسى (5). الضحى: وللاخرة خير لك من الاولى (6) 1 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن درست بن أبي منصور، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام وهشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: راس كل خطيئة حب الدنيا (7). بيان: " رأس كل خطيئة حب الدنيا " لان خصال الشر مطوية في حب الدنيا وكل ذمائم القوة الشهوية والغضبية مندرجة في الميل إليها ولذا قال الله عزوجل " من كان يريد حرث الاخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب " (8) ولا يمكن التخلص من حبها إلا بالعلم بمقابحها ومنافع الاخرة وتصفية النفس وتعديل القوتين. 2 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن أبي أسامة زيد، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه

 

(1) التغابن: 15. (2) القيامة: 20 - 21. (3) الدهر: 27. (4) النازعات: 37 - 41. (5) الاعلى: 16 - 19. (6) الضحى: 4. (7) الكافي ج 2 ص 315. (8) الشورى: 20.

 

[8]

ومن لم ير لله عزوجل عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب أو ملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه (1). بيان: " من لم يتعز بعزاء الله " قال في النهاية: فيه ومن لم يتعز بعزاء الله فليس منا اي من لم يدع بدعوى الاسلام فيقول يا للاسلام ويا للمسلمين ويا لله، وقيل أراد بالتعزي التسلي والتصبر عند المصيبة وأن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون كما أمر الله تعالى ومعنى قوله بعزاء الله اي بتعزية الله تعالى إياه فأقام الاسم مقام المصدر انتهى وقيل: العزاء مصدر بمعنى الصبر أو اسم للتعزية وكلاهما مناسب وعلى الاول إسناده إلى الله تعالى لانه السبب له والباء إما للالية المجازية كما قيل في قوله تعالى: " فتقبلها ربها بقبول حسن " (2) أو للسببية والحاصل أنه من لم يصبر على ما فاته من الدنيا وعلى البلايا التي تصيبه فيها بما سلاه الله في قوله " وبشر الصابرون * الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون " (3) وساير الايات الواردة في ذم الدنيا وفنائها ومدح الرضا بقضائه تعالى تقطعت نفسه للحسرات على المصائب وعلى ما فاته من الدنيا وربما يحمل الحسرات على ما يحصل له عند الموت من مفارقتها أو الاعم منها ومما يحصل له في الدنيا وجمعية الحسرات مع كونها مصدرا لارادة الانواع. " ومن أتبع نظره ما في أيدي الناس " اي نظر إلى من هو فوقه من أهل الدنيا وما في أيديهم من نعيمها وزبرجها نظر رغبة وتحسر وتمن " كثر همه " لعدم تيسرها له، فيغتاظ لذلك ويحسدهم عليها، ولا يمكنه شفاء غيظه إلا بأن يحصل له مما في أيديهم أو يسلب الله عنهم جميع ذلك ولا يتيسر له شئ من الامرين فلا يشفى غيظه أبدا ولا يتهنأ له العيش ما رأى في نعمة أحدا ولا يتفكر في أنه إنما منعه الله تعالى ذلك لانه علم أنه سبب هلاكه فهو يتمنى حالهم ولا يعلم حقيقه مآلهم كما حكى الله

 

(1) الكافي ج 2 ص 315. (2) آل عمران: 37. (3) البقرة: 156.

 

[9]

سبحانه عن قوم تمنوا حال قارون حيث قالوا " يا ليت مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقيها إلا الصابرون * فلما خسف الله به وبداره الارض اصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون " (1) وانتفاء الخسف الظاهري بأهل الاموال والتجبر من هذه الامة لا يوجب انتهاء الخسف في دركات الشهوات النفسانية ومهاوي التعلقات الجسمانية، والحرمان عن درجات القرب والكمال، وخسفهم في الآخرة في عظيم النكال وشديد الوبال، أعاذنا الله وساير المؤمنين من جميع ذلك وسهل لنا الوصول في الدارين إلى أحسن الاحوال. " ومن لم ير أن لله عليه نعمة إلا في مطعم " اي من توهم أن نعمة الله عليه منحصرة في هذه النعم الظاهرة كالمطعم والمشرب والمسكن وأمثالها، فإذا فقدها أو شيئا منها ظن أنه ليس لله عليه نعمة، فلا ينشط في طاعة الله، وإن عمل شيئا مع هذه العقيدة الفاسدة وعدم معرفة منعمه لا ينفعه ولا يتقبل منه، فيكون عمله قاصرا وعذابه دانيا، لان هذه النعم الظاهرة حقيرة في جنب نعم الله العظيمة عليه من الايمان والهداية والتوفيق والعقل والقوى الظاهرة والباطنة والصحة ودفع شر الاعادي وغيرها بما لا يحصى، بل هذا الفقر أيضا من أعظم نعم الله عليه " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " (2). وقال بعض المحققين: معنى الحديث أن من لم يصبر ولم يسل أو لم يحسن الصبر والسلوة على ما رزقه الله من الدنيا، بل أراد الزيادة في المال أو الجاه مما لم يرزقه الله إياه تقطعت نفسه متحسرا حسرة بعد حسرة، على ما يراه في يدي غيره ممن فاق عليه في العيش، فهو لم يزل يتبع بصره ما في أيدي الناس ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه، فهو لم ير أن لله عليه

 

(1) العنكبوت: 79 - 82. (2) ابراهيم: 34.

 

[10]

نعمة إلا نعم الدنيا، وإنما يكون كذلك من لا يوقن بالآخرة ومن لم يوقن بالآخرة قصر عمله، وإذ ليس له من الدنيا إلا قليل بزعمه مع شدة طعمه في الدنيا وزينتها فقد دنى عذابه، نعوذ بالله من ذلك، ومنشأ ذلك كله الجهل وضعف الايمان وأيضا لما كان عمل أكثر الناس على قدر ما يرون من نعم الله عليه عاجلا وآجلا لا جرم من لم ير من النعم عليه إلا القليل، فلا يصدر عنه من العمل إلا قليل وهذا يوجب قصور العمل ودنو العذاب. 3 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن منصور بن العباس عن سعيد بن جناح، عن عثمان بن سعيد، عن عبد الحميد بن علي الكوفي، عن مهاجر الاسدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مر عيسى بن مريم عليه السلام على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابها فقال: أما إنهم لم يموتوا إلا بسخطة، ولو ماتوا متفرقين لتدافنوا فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته ادع الله أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها. فدعا عيسى عليه السلام ربه فنودي من الجو أن نادهم، فقام عيسى عليه السلام بالليل على شرف من الارض فقال: يا أهل هذه القرية فأجابه منهم مجيب لبيك يا روح وكلمته، فقال: ويحكم ما كانت أعمالكم ؟ قال: عبادة الطاغوت وحب الدنيا، مع خوف قليل، وأمل بعيد، في غفلة ولهو ولعب، فقال: كيف كان حبكم للدنيا ؟ قال: كحب الصبي لامه، إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا، وإذا ادبرت عنا بكينا وحزنا، قال: كيف كانت عبادتكم للطاغوت ؟ قال: الطاعة لاهل المعاصي، قال: كيف كانت عاقبة أمركم ؟ قال: بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية، فقال: وما الهاوية ؟ قال: سجين، قال: وما سجين ؟ قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة قال: فما قلتم وما قيل لكم ؟ قال: قلنا ردنا إلى الدنيا فنزهد فيها، قيل لنا: كذبتم قال: ويحك كيف لم يكلمني غيرك من بينهم ؟ قال: يا روح الله وكلمته إنهم ملجمون بلجام من نار، بأيدي ملائكة غلاظ شداد، وإني كنت فيهم ولم أكن عنهم، فلما نزل العذاب عمني معهم، فأنا معلق بشعرة على شفير جهنم، لا ادري أكبكب فيها


 

[11]

أم أنجو منها. فالتفت عيسى عليه السلام إلى الحواريين فقال: يا أولياء الله أكل الخبز اليابس بالملح الجريش، والنوم على المزابل، خير كثير مع عافية الدنيا والآخرة (1). بيان: " أما إنهم " قال الشيخ البهائي قدس الله روحه: أما بالتخفيف حرف استفتاح وتنبيه، يدخل على الجمل لتنبيه المخاطب، وطلب إصغائه إلى ما يلقى إليه وقد يحذف ألفها نحو أم والله زيد قائم " إلا بسخطة " السخط بالتحريك وبضم أوله وسكون ثانيه الغضب " لتدافنوا " الظاهر أن التفاعل هنا بمعنى فعل كتواني ويمكن إبقاؤه على أصل المشاركة بتكلف " فقال الحواريون " هم خواص عيسى عليه السلام قيل: سموا حواريين لانهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يقصرونها وينقونها من الاوساخ ويبيضونها، مشتق من الحور، وهو البياض الخالص. أقول: وقد قيل إنهم إنما سموا حواريين لنقاء ثيابهم، وقيل: لنقاء قلوبهم وقيل: الحواري بمعنى الناصر وقد كان الحواريون أنصار عيسى عليه السلام وقيل: لانهم كانوا نورانيين عليهم أثر العبادة ونورها وحسنها، وقيل: إنهم اتبعوا عيسى عليه السلام فكانوا إذا جاعوا قالوا يا روح الله جعنا، فيضرب عليه السلام بيده الارض سهلا كان أو جبلا ويخرج لكل منهم رغيفين وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله عطشنا، فيضرب بيده الارض فيخرج ماء ويشربون، فقالوا: يا روح الله من أفضل منا ؟ إذا شئنا أطعمنا وإذا شئنا سقينا، وقد آمنا بك واتبعناك ؟ فقال عيسى عليه السلام: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكرى بعد ذلك، ويأكلون من أجرته، وسيأتي في مطاوي شرح حديث الكافي في أواسط هذا الباب كلام أيضا في معنى الحواريين فانتظره. وقال بعض العلماء: إنهم لم يكونوا قصارين على الحقيقة، وإنما أطلق هذا الاسم عليهم رمزا إلى أنهم كانوا ينقون نفوس الخلائق من الاوساخ والاوصاف الذميمة والكدورات، ويرفعونها إلى عالم النور من عالم الظلمات.

 

(1) الكافي ج 2 ص 318.

 

[12]

" يا روح الله " أقول: في تسميته روحا أقوال أحدها أنه إنما سماه روحا لانه حدث عن نفخة جبرئيل عليه السلام في درع مريم بأمر الله تعالى، وإنما نسبه إليه لانه كان بأمره، وقيل إنما أضافه إليه تفخيما لشأنه كما قال: الصوم لي وأنا أجزي به وقد يسمى النفخ روحا، والثاني أن المراد به يحيى به الناس في دينهم كما يحيون بالارواح، والثالث أن معناه إنسان أحياه الله بتكوينه بلا واسطة من جماع ونطفة كما جرت العادة بذلك، الرابع أن معناه: ورحمة منه، والخامس أن معناه روح من الله خلقها فصورها ثم أرسلها إلى مريم فدخلت في فيها فصيرها الله سبحانه عيسى عليه السلام، السادس سماه روحا لانه كان يحيي الموتى كما أن الروح يصير سببا للحياة. وكذا اختلفوا في تسميته كلمة في قوله سبحانه " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم " (1) وقوله تعالى " إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقيها إلى مريم وروح منه " (2) على أقوال أحدها أنه إنما سمي بذلك لانه حصل بكلمة من الله من غير والد، وهو قوله " كن " كما قال سبحانه " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (3). والثاني أنه سمي بذلك لان الله تعالى بشر به في الكتب السالفة أو بشرت بها مريم على لسان الملائكة. والثالث أنه يهتدي به الخلق كما اهتدوا بكلام الله ووحيه. " فنودي من الجو " الجو بالفتح والتشديد: ما بين السماء والارض " على شرف " قال الشيخ البهائي قدس سره: الشرف المكان العالي قيل: ومنه سمي الشريف شريفا تشبيها للعلو المعنوي بالعلو المكاني " فقال ويحك " ويح اسم فعل بمعنى الترحم

 

(1) آل عمران: 45. (2) النساء: 171. (3) آل عمران، 59.

 

[13]

كما أن ويل كلمة عذاب وبعض اللغويين يستعمل كلا منهما مكان الاخرى والطاغوت فلعوت من الطغيان، وهو تجاوز الحد، وأصله طغيوت فقدموا لامه على عينه، على خلاف القياس، ثم قلبوا الياء ألفا فصار طاغوت، وهو يطلق على الكاهن والشيطان والاصنام، وعلى كل رئيس في الضلالة، وعلى كل ما يصد عن عبادة الله تعالى، وعلى ما عبد من دون الله، ويجئ مفردا لقوله تعالى: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " (1) وجمعا كقوله تعالى: " والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات " (2). وقال قدس سره: لعلك تظن أن ما تضمنه هذا الحديث من أن الطاعة لاهل المعاصي عبادة لهم، جار على ضرب من التجوز لا الحقيقة، وليس كذلك بل هو حقيقة، فان العبادة ليست إلا الخضوع والتذلل والطاعة والانقياد، ولهذا جعل سبحانه اتباع الهوى والانقياد إليه عبادة للهوى، فقال: " أرأيت من اتخذ إلهه هويه " (3) وجعل طاعة الشيطان عبادة له، فقال تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان " (4). ثم نقل أخبارا كثيرة في ذلك فقال بعد ذلك: وإذا كان اتباع الغير والانقياد إليه عبادة له فأكثر الخلق عند التحقيق مقيمون على عبادة أهواء نفوسهم الخسيسة الدنية وشهواتهم البهيمية والسبعية على كثرة أنواعها واختلاف أجناسها، وهي أصنامهم التي هم عليها عاكفون، والانداد التي هم لها من دون الله عابدون، وهذا هو الشرك الخفي نسال الله سبحانه أن يعصمنا عنه ويطهر نفوسنا عنه بمنه وكرمه. " وغفلة " عطف على " خوف " وعطفه على عبادة الطاغوت بعيد " في لهو "

 

(1) النساء: 60. (2) البقرة: 257. (3) الفرقان: 43. (4) يس: 60.

 

[14]

قال الشيخ البهائي رحمه الله: لفظة " في " هنا إما للظرفية المجازية كما في نحو النجاة في الصدق، أو بمعنى " مع " كما في قوله تعالى: " ادخلوا في أمم " (1) وللسببية كقوله تعالى: " فذلكن الذي لمتنني فيه " (2). " إذا أقبلت علينا " قال قدس سره: الشرطيتان واقعتان موقع اي المفسرة لحب الصبي لامه. " قال الطاعة لاهل المعاصي " قال رحمه الله: ما ذكره هذا الرجل المتكلم لعيسى على نبينا وآله وعليه السلام في وصف اصحاب تلك القرية، وما كانوا عليه من الخوف القليل، والامل البعيد، والغفلة واللهو واللعب، والفرح باقبال الدنيا والخوف بادبارها، هو بعينه حالنا وحال أهل زماننا، بل أكثرهم خال عن ذلك الخوف القليل أيضا. نعوذ بالله من الغفلة، وسوء المنقلب. " قال جبال من جمر " في القاموس الجمرة النار المتقدة، والجمع جمر، قال الشيخ المتقدم ذكره رحمه الله: هذا صريح في وقوع العذاب في مدة البرزخ أعني ما بين الموت والبعث، وقد انعقد عليه الاجماع، ونطقت به الاخبار، ودل عليه القرآن العزيز، وقال به أكثر أهل الملل، وإن وقع الاختلاف في تفاصيله والذي يجب علينا هو التصديق المجمل بعذاب واقع بعد الموت وقبل الحشر، في الجملة، وأما كيفياتها وتفاصيله فلم نكلف بمعرفتها على التفصيل، وأكثرها مما لا تسعه عقولنا فينبغي ترك البحث والفحص عن تلك التفاصيل، وصرف الوقت فيما هو أهم منها أعني فيما يصرف ذلك العذاب ويدفعه عنا كيف ما كان، وعلى أي نوع حصل، وهو المواظبة على الطاعات واجتناب المنهيات لئلا يكون حالنا في الفحص عن ذلك والاشتغال به عن الفكر فيما يدفعه وينجي منه كحال شخص أخذه السلطان وحبسه ليقطع في غد يده، ويجذع أنفه، فترك الفكر في الحيل المؤدية إلى خلاصه، وبقي طول ليله متفكرا في أنه هل يقطع بالسكين أو بالسيف ؟ وهل

 

(1) الاعراف: 38. (2) يوسف: 32.

 

[15]

القاطع زيد أو عمرو ؟. " قيل لنا كذبتم " دل على أنهم " لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " (1) كما نطقت به الآية أو كذبتم فيما عليه قولكم هذا أنه يمكنكم العود، وربما يقرء بالتشديد اي كذبتم الرسل، فلا محيص عن عذابكم. " قال يا روح الله " في بعض النسخ " يا روح الله وكلمته بقدس الله " فقوله: بقدس الله متعلق بروح الله وكلمته يعني أيها الذي صار روح الله وكلمته بقدس الله كما قيل، ويحتمل أن يكون الباء بمعنى " مع " أي مع تقدسه عن أن يكون له روح وكلمة حقيقة. ثم قال الشيخ البهائي رحمه الله: ثم لا يخفى أن ما قاله هذا الرجل من أنه كان فيهم ولم يكن منهم، فلما نزل العذاب عمه معهم، يشعر بأنه ينبغي المهاجرة عن أهل المعاصي والاعتزال لهم، وأن المقيم معهم شريك لهم في العذاب، ومحترق بنارهم، وإن لم يشاركهم في أفعالهم وأقوالهم، وقد يستأنس لذلك بعموم قوله تعالى: " إن الذين توفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وسائت مصيرا " (2) ولو لم يكن في الاعتزال عن الناس فائدة سوى ذلك لكفى، وفيه من الفوائد ما لا يعد ولا يحصى، نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لذلك بمنه وكرمه. " فأنا معلق " هذا كناية عن أنه مشرف على الوقوع فيها، ولا يبعد أن يراد به معناه الصريح أيضا، والشفير حافة الوادي وجانبه " أكبكب فيها " على البناء للمفعول اي أطرح فيها على وجهي، وفي القاموس جرش الشئ لم ينعم دقه فهو جريش، وفي الصحاح ملح جريش لم يطيب " مع عافية الدنيا " اي إذا كان مع عافية الدنيا من الخطايا " والآخرة " من النار، أو فيه عافية الدنيا من تشويش

 

(1) الانعام: 128. (2) النساء: 97.

 

[16]

البال ومشقة تحصيل الاموال، وعافية الآخرة من العذاب والسؤال. 4 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ما فتح الله على عبد بابا من أمر الدنيا إلا فتح الله عليه من الحرص مثله (1). بيان: يدل على زيادة الحرص بزيادة المال وغيره من مطلوبات الدنيا كما هو المجرب. 5 - كا: عن علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال عيسى بن مريم عليه السلام: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل ويلكم علماء سوء (2) الاجر تأخذون، والعمل تضيعون، يوشك رب العمل أن يقبل عمله، ويوشك أن تخرجوا من ضيق الدنيا إلى ظلمة القبر، كيف يكون من أهل العلم من هو في مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه، وما يضره أحب إليه مما ينفعه (3). بيان: " وأنتم ترزقون فيها بغير عمل " أي كد شديد كما قال تعالى " وما من دابة إلا على الله رزقها " (4) " وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل " كما قال تعالى " وأن ليس للانسان إلا ما سعى " (5) " علماء سوء " بفتح السين قال الجوهري ساءه يسوؤه سوءا بالفتح نقيض سره والاسم السوء بالضم، وقرئ قوله " عليهم دائرة السوء " (6) يعني الهزيمة والشر، ومن فتح فهو من المساءة، وتقول هذا رجل سوء بالاضافة ثم تدخل عليه الالف واللام فتقول هذا رجل السوء قال الاخفش ولا يقال: الرجل

 

(1 و 3) الكافي ج 2 ص 319. (2) ويلكم عملاء سوء ظ. (4) هود: 6. (5) النجم: 39. (6) براءة: 98.

 

[17]

السوء لان السوء ليس بالرجل، قال: ولايقال: هذا رجل السوء بالضم انتهى (1). " الاجر تأخذون " بحذف حرف الاستفهام، وهو على الانكار، ويحتمل أن يكون المراد أجر الدنيا اي نعم الله سبحانه وعلى هذا يحتمل أن يكون توبيخا لا استفهاما وأن يكون المراد أجر الاخرة فالاستفهام متعين فالواو في قوله " والعمل " للحالية أي كيف تستحقون أخذ الاجرة والحال أنكم تضيعون العمل. " أن يقبل عمله " أي يتوجه إلى أخذ عمله، وهو لا يأخذ ولا يقبل إلا العمل الخالص، فهو كناية عن الطلب ويؤيده أن في مجالس الشيخ " أن يطلب عمله " أو هو من الاقبال على الحذف والايصال، أي يقبل على عمله. وقال بعض الافاضل: أريد برب العمل العابد الذي يقلد أهل العلم في عبادته أعني يعمل بما يأخذ عنهم، وفيه توبيخ لاهل العلم الغير العامل، وقرء بعضهم يقيل بالياء المثناة من الاقالة أي يرد عمله فان المقيل يرد المتاع. 6 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان وعبد العزيز العبدي، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبداالله عليه السلام قال: من اصبح وأمسى والدنيا أكبر همه، جعل الله تعالى الفقر بين عينيه، وشتت أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له، ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه، جعل الله تعالى الغنى في قلبه وجمع له أمره (2). بيان: " أكبر همه " أي قصده أو حزنه " جعل الله الفقر بين عينيه " لانه كلما يحصل له من الدنيا يزيد حرصه بقدر ذلك فيزيد احتياجه وفقره، أو لضعف توكله على الله يسد الله عليه بعض أبواب رزقه، وقيل فهو فقير في الآخرة لتقصيره فيما ينفعه فيها، وفي الدنيا لانه يطلبها شديدا والغني من لا يحتاج إلى الطلب ولان مطلوبه كثيرا ما يفوت عنه، والفقر عبارة عن فوات المطلوب، وأيضا يبخل عن نفسه وعياله خوفا من فوات الدنيا وهو فقر حاضر.

 

(1) الصحاح ص 56. (2) الكافي ج 2 ص 319.

 

[18]

" وشتت أمره " التشتيت التفريق لانه لعدم توكله على ربه لا ينظر إلا إلى الاسباب ويتوسل بكل سبب ووسيلة، فيتحير في أمره ولا يدري وجه رزقه ولا ينتظم أحواله أو لشدة حرصه لا يقنع بما حصل له ويطلب الزيادة ولا يتيسر له فهو دائما في السعي والطلب ولا ينتفع بشئ، وحمله على تفرق أمر الآخرة بعيد. " ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له " يدل على أن الرزق مقسوم، ولا يزيد بكثرة السعي، كما قال تعالى " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " (1) ولذلك منع الصوفية من طلب الرزق، والحق أن الطلب حسن، وقد يكون واجبا وتقديره لا ينافي اشتراطه بالسعي والطلب، ولزومه على الله بدون سعي غير معلوم وقيل قدر سد الرمق واجب على الله، ويحتمل أن يكون التقدير مختلفا في صورتي الطلب وتركه بأن قدر الله تعالى قدرا من الرزق بدون الطلب، لكن مع التوكل التام عليه، وقدرا مع الطلب، لكن شدة الحرص وكثرة السعي لا يزيده، وبه يمكن الجمع بين أخبار هذا الباب وسيأتي القول فيه في كتاب التجارة إنشاء الله تعالى. وقيل: المراد بقوله " لم ينل من الدنيا إلا ما قسم له " أنه لا ينتفع إلا بما قسم له، وإن زاد بالسعي فانه يبقى للوارث، وهو حظه، وقيل: فيه إشارة إلى أن ذا المال الكثير قد لا ينتفع به بسبب مرض أو غيره، وذا المال القليل ينتفع به أكثر منه، ولا يخفى ما فيه. " جعل الله الغنا في قلبه " اي بالتوكل على ربه والاعتماد عليه، وإخراج الحرص وحب الدنيا من قلبه لا بكثرة المال وغيره، ولذا نسبه إلى القلب. " وجمع له أمره " اي جعل أحواله منتظمة وباله فارغا عن حب الدنيا وتشعب الفكر في طلبها. 7 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن عمر - فيما أعلم - عن ابي علي الحذاء، عن حريز، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أبعد ما يكون

 

(1) الزخرف: 32.

 

[19]

العبد من الله عزوجل إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه (1). بيان: " إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه " اي لا يكون اهتمامه وعزمه و سعيه وغمه وحزنه إلا في مشتهيات البطن والفرج، في القاموس الهم الحزن وما هم به في نفسه، وهمه الامر حزنه كأهمه فاهتم انتهى فالمراد الافراط فيهما وقصر همته عليهما، وإلا فللبطن والفرج نصيب عقلا وشرعا وهو ما يحتاج إليه لقوام البدن واكتساب العلم والعمل وبقاء النوع. 8 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن سنان عن حفص بن قرط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من كثر اشتباكه بالدنيا كان أشد لحسرته عند فراقها (2). بيان: " من كثر اشتباكه بالدنيا " اي اشتغاله وتعلق قلبه بها، يقال اشتبكت النجوم إذا كثرت وانضمت وكل متداخلين مشتبكان، ومنه تشبيك الاصابع لدخول بعضها في بعض، والغرض الترغيب في رفض الدنيا وترك محبتها لئلا يشتد الحزن والحسرة في مفارقتها. 9 - كا: عن علي، عن أبيه وعلي بن محمد جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان المنقري، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، عن الزهري محمد ابن مسلم بن عبيدالله قال: سئل علي بن الحسين عليهما السلام: اي الاعمال أفضل عند الله ؟ قال: ما من عمل بعد معرفة الله عزوجل ومعرفة رسوله صلى الله عليه وآله أفضل من بغض الدنيا، فان لذلك لشعبا كثيرة، وللمعاصي شعب، فأول ما عصى الله به الكبر معصية إبليس حين " أبى واستكبر وكان من الكافرين " (3) ثم الحرص وهي معصية آدم وحوا عليهما السلام حين قال الله عزوجل لهما " كلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " (4) فأخذا ما لا حاجة بهما إليه، فدخل ذلك على

 

(1 - 2) الكافي ج 2 ص 319. (3) البقرة: 34. (4) الاعراف: 19 (*).

 

[20]

ذريتهما إلى يوم القيامة، وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه. ثم الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله، فتشعب من ذلك حب النساء، وحب الدنيا، وحب الرياسة، وحب الراحة، وحب الكلام، وحب العلو والثروة، فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهم في حب الدنيا فقالت الانبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والدنيا دنياء ان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة (1). بيان: قد مر هذا الخبر بعينه في باب ذم الدنيا " ما من عمل بعد معرفة الله " يدل على أن المعرفة أفضل لانها أصل جميع الاخلاق والاعمال، ويدخل في معرفة الرسول معرفة الامام " فان لذلك " كأنه تعليل لكون بغض الدنيا بعد المعرفة أفضل وفيما مضى " وإن " كما في بعض النسخ هنا (2) وهو اظهر، و " ذلك " إشارة إلى بغض الدنيا أو إلى الدنيا وقيل: المشار إليه العمل يعني أن للاعمال الصالحة لشعبا يرجع كلها إلى بغض الدنيا وللمعاصي شعبا يرجع كلها إلى حب الدنيا، ثم اكتفى ببيان أحدهما عن الآخر وكأن ما ذكرنا اظهر. والمراد بالشعب الاولى أنواع الاخلاق والاعمال الفاضلة، والثانية أنواع المعاصي، والاولى مندرجة تحت بغض الدنيا، والثانية تحت حبها، فبغضها أفضل الاعمال لاشتماله على محاسن كثيرة كالتواضع المقابل للكبر والقنوع المقابل للحرص وهكذا وبحكم المقابلة حب الدنيا اقبح الاعمال لاشتماله على رذايل كثيرة وهي الكبر إلى آخر ما ذكر. " وذلك أن " وفي بعض النسخ " فلذلك " أي لدخول الحرص على ذريتهما وإنما قال " أكثر " لان طلب المحتاج إليه وهو القدر الضروري من الطعام واللباس والمسكن ونحوها ليس بمذموم بل ممدوح لانه لا يمكن بدونه تكميل النفس بالعلم والعمل. " حيث حسد أخاه " قيل حسده في قبول قربانه، وقيل: في حب النساء وقيل:

 

(1) الكافي ج 2 ص 316. (2) رواه الكليني في ص 130 باب ذم الدنيا والزهد فيها ايضا (*).

 

[21]

في حب الدنيا لئلا يكون له نسل يعيرون أولاده في رد قربانه وكأن المراد بحب الدنيا أولا حب المال أو حب البقاء في الدنيا وكراهة الموت، وبه ثانيا حب كل ما لا حاجة به في تحصيل الآخرة وقيل: يمكن أن يكون المراد بالسبع الكبر والحرص وحب النساء وحب الرياسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة وهما شعبة واحدة بقرينة عدم ذكر الحب في المعطوف وأما الحسد فقد اكتفى عنه بذكر شعبه وأنواعه " دنيا بلاغ " اي كفاف وكفاية أو تبلغ بها إلى الآخرة. 10 - كا: وبهذا الاسناد عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في مناجاة موسى عليه السلام: يا موسى إن الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عليه السلام عند خطيئته، وجعلتها ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي، يا موسى إن عبادي الصالحين زهدوا في الدنيا بقدر علمهم، وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم، وما من أحد عظمها فقرت عينه فيها ولا يحقرها أحد إلا انتفع بها (1). بيان: " جعلتها ملعونة " اللعن الطرد والابعاد والسب، وكأن المراد بلعنها لعن أهلها، أو كراهتها والمنع عن حبها وكل ما نهى الله تعالى عنها فقد لعنها وطردها وقيل: العرب تقول لكل شئ ضار ملعون، والشجرة الملعونة عندهم هي كل من ذاقها كرهها ولعنها وكذلك حال الدنيا فان كل من ذاق شهواتها لعنها إذا أحس بضررها. " ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي " أقول: هذا معيار كامل للدنيا المعلونة وغيرها، فكل ما كان في الدنيا ويوجب القرب إلى الله تعالى من المعارف والعلوم الحقة والطاعات وما يتوصل به إليها من المعيشة بقدر الضرورة والكفاف فهي من الآخرة، وليست من الدنيا، وكلما يصير سببا للبعد عن الله والاشتغال عن ذكره ويلهي عن درجات الآخرة وكمالاتها، وليس الغرض فيه القرب منه تعالى والوصول إلى رضاه، فهي الدنيا الملعونة. قيل: ما يقع في الدنيا من الاعمال أربعة أقسام: الاول ما يكون ظاهره

 

(1) الكافي ج 2 ص 317.

 

[22]

وباطنه لله كالطاعات والخيرات الخالصة، الثاني ما يكون ظاهره وباطنه للدنيا كالمعاصي وكثير من المباحات أيضا لانها مبدء البطر والغفلة، الثالث ما يكون ظاهره لله وباطنه للدنيا كالاعمال الريائية، الرابع عكس الثالث كطلب الكفاف لحفظ بقاء البدن والقوة على العبادة وتكميل النفس بالعلم والعمل. " بقدر علمهم " أي بعيوبها وفنائها ومضرتها " مامن أحد عظمها فقرت عينه فيها " أي من عظمها وتعلق قلبه بها تصير سببا لبعده عن الله ولا تبقى الدنيا له فيخسر الدنيا والآخرة، ومن حقرها تركها ولم يأخذ منها إلا ما يصير سببا لتحصيل الآخرة فينتفع بها في الدارين. 11 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الشيطان يدبر ابن آدم في كل شئ فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته (1). بيان: في القاموس جثم الانسان والطائر والنعام والخشف واليربوع يجثم ويجثم جثما وجثوما لزم مكانه فلم يبرح أو وقع على صدره أو تلبد بالارض انتهى والحاصل أن الشيطان يدبر ابن آدم في كل شئ أي يبعثه على ارتكاب كل ضلالة ومعصية، أو يكون معه ويلازمه عند عروض كل شبهة أو شهوة لعله يضله أو يزله " فإذا أعياه " المستتر راجع إلى ابن آدم، والبارز إلى الشيطان، أي لم يقبل منه ولم يطعه حتى أعياه، ترصد له واختفى عند المال فإذا أتى المال أخذ برقبته فأوقعه فيه بالحرام والشبهة. والحاصل أن [المال اعظم مصائد الشيطان، إذ قل من لم يفتتن به عند تيسره له، وكأنه محمول على الغالب، إذ قد يكون لا يفتتن بالمال ويفتتن بحب الجاه وبعض] (2) الشهوات الغالبة وقيل فإذا أعياه أي أعجزه عن كل شهوة ولذة وذلك بأن يشيب كما ورد في حديث آخر: يشيب ابن آدم ويشب فيه خصلتان الحرص وطول الامل.

 

(1) الكافي ج 2 ص 315 وفيه " ان الشيطان يدير ". (2) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 303

 

[23]

12 - كا: عن العدة، عن أحمد بن ابي عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القندي، عن أبي وكيع، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الاعور، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم (1). بيان: " إن الدينار والدرهم " أي حبهما وصرف العمر في تحصيلهما وتحصيل ما يتوقف عليهما " أهلكا من كان قبلكم " لان حبهما يمنع من حبه تعالى وصرف العمر فيهما يمنع من صرف العمر في طاعته تعالى والتمكن منهما يورث التمكن من كثير من المعاصي، ويبعثان على الاخلاق الدنية، والاعمال السيئة كالظلم والحسد والحقد والعداوة والفخر والكبر والبخل، ومنع الحقوق، إلى غير ذلك مما لا يحصى، ومفارقتهما عند الموت تورث الحسرة والندامة وحبهما يمنع من حب لقاء الله تعالى وتركهما يوجب الراحة في الدنيا وخفة الحساب في العقبى. 13 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن عقبة الازدي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت من القز عل ينفسها لفا كان أبعد لها من الخروج، حتى تموت غما، وقال أبو عبد الله عليه السلام: أغنى الغنا من لم يكن للحرص اسيرا وقال: لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات، فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت (2). بيان: كمثل دودة القز " هذا من أحسن التمثيلات للدنيا، وقد أنشد بعضهم فيه: ألم تر أن المرء طول حياته * حريص على ما لا يزال يناسجه كدود كدود القز ينسج دائما * فيهلك غما وسط ما هو ناسجه

 

(1 و 2) الكافي ج 2 ص 316 (*).

 

[24]

قوله عليه السلام: " أغنى الغنا " أي ليس الغنا وعدم الحاجة بكثرة المال بل بترك الحرص، فان الحريص كلما ازداد ماله اشتد حرصه، فيكون أفقر وأحوج ممن لا مال له " لا تشعروا قلوبكم " أي لا تلزموه إياها ولا تجعلوه شعارها، في القاموس اشعره الامر وبه أعلمه، والشعار ككتاب ما تحت الدثار من اللباس، وهو يلي شعر الجسد، واستشعره لبسه، وأشعره غيره البسه إياه وأشعر الهم قلبي لزق به: وكلما ألزقته بشئ اشعرته به " الاشتغال بما قد فات " أي من أمور الدنيا، سواء لم يحصل أو حصل وفات، فان اشتغال القلب به يوجب غفلته عن ذكر الله تعالى وحبه، فانه لا يجتمع حبان متضادان في قلب واحد. 14 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن ابن بكير عن حماد بن بشير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما ذئبان ضاريان في غنم قد فارقها رعاؤها أحدهما في أولها والآخر في آخرها بأفسد فيها من حب المال والثروة في دين المسلم (1). بيان: " بأفسد " هنا بمعنى أشد إفسادا وإن كان نادرا. 15 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما ذئبان ضاريان في غانم ليس لها راع هذا في أولها وهذا في آخرها بأسرع فيها من حب المال والشرف في دين المؤمن (2). بيان: بأسرع اي في القتل والافناء. 16 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من تعلق قلبه بالدنيا تعلق قلبه بثلاث خصال: هم لا يغني، وأمل لا يدرك، ورجاء لا ينال (3). بيان: " لا يغني " لانه لا يحصل له ما هو مقتضى حرصه وأمله في الدنيا

 

(1 - 2) الكافي ج 2 ص 315 " حب الدنيا والشرف " خ ل. (3) الكافي ج 2 ص 320.

 

[25]

ولا يمكنه الاحتراز عن آفاتها ومصائبها، فهو في الدنيا دائما في الغم لما فات والهم لما لم يحصل، فإذا فات فهو في أحزان وحسرات من مفارقتها، ولم يقدم منها شيئا ينفعه، فهمه لا يغني أبدا، والفرق بين الامل والرجاء أن متعلق الامل العمر والبقاء في الدنيا، ومتعلق الرجاء ما سواه، أو متعلق الامل بعيد الحصول ومتعلق الرجاء قريب الوصول، ومعلوم أن محب الدنيا وطالبها يأمل منها ما لا مطمع في حصوله، لكن لشدة حرصه يطلبه ويأمله ويرجو الانتفاع بها، فيحول الاجل بينه وبينها، أو يرجو الآخرة وجمعها مع الدنيا، مع أنه لا يسعى لتحصيل الآخرة ويقصر همه على تحصيل الدنيا ونعم ما قيل: يا طالب الرزق.. مجتهدا * أقصر عناك فان الرزق مقسوم لا تحرصن على ما لست تدركه * إن الحريص على الآمال محروم تتمة مهمة: قال بعض المحققين: اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة، ما هي ؟ وما الذي ينبغي أن يجتنب وما الذي لا يجتنب ؟ فلا بد أن نبين الدنيا المذمومة المأمور باجتنابها، لكونها عدوة قاطعة لطريق الله، ما هي ؟ فنقول: دنياك وآخرتك عبارتان عن حالتين من أحوال قلبك والقريب الداني منهما يسمى دنيا، وهي كل ما قبل الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة، وهي ما بعد الموت، فكل مالك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة، فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع مالك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم، بل هي تنقسم إلى ثلاثة اقسام: الاول ما يصحبك في الدنيا ويبقى معك ثمرته بعد الموت، وهو شيئان: العلم والعمل، فقط، وأعني بالعلم العلم بالله وصفاته وافعاله وملائكته وكتبه ورسله، وملكوت أرضه وسمائه، والعلم بشريعة نبيه، وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه الله، وقد يأنس العالم بالعلم حتى يصير ذلك ألذ الاشياء عنده فيهجر النوم والمنكح والمشرب والمطعم في لذته، لانه أشهى عنده من جميعها، فقد


 

[26]

صار حظا عاجلا في الدنيا، ولكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعد هذا من الدنيا اصلا، بل قلنا إنه من الآخرة وكذلك العابد قد يأنس بعبادته ويستلذها بحيث لو منعت عنه لكان ذلك أعظم العقوبات عليه، وهذا أيضا ليس من الدنيا المذمومة. الثاني وهو المقابل للقسم الاول على الطرف الاقصى كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة اصلا، كالتلذذ بالمعاصي، والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورات والحاجات الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات كالتنعم بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث والغلمان والجواري والخيول والمواشي والقصور، والدور المشيدة ورفيع الثياب ولذائذ الاطعمة، فحظ العبد من هذه كلها هي الدنيا المذمومة، وفيما يعد فضولا وفي محل الحاجة نظر طويل. الثالث وهو متوسط بين الطرفين كل حظ في العاجل معين على أعمال الآخرة كقدر القوت من الطعام والقميص الواحد الخشن، وكل ما لا بد منه ليتأتى للانسان البقاء والصحة التي بها يتوصل إلى العلم والعمل، وهذا ليس من الدنيا كالقسم الاول لانه معين على القسم الاول، ووسيلة إليه، فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة على العلم والعمل، لم يكن به متناولا للدنيا ولم يصربه من أبنائها، وإن كان باعثه الحظ العاجل، دون الاستعانة على التقوى، التحق بالقسم الثاني، وصار من جملة الدنيا. ولا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث: صفاء القلب، وأنسه بذكر الله وحبه لله، وصفاء القلب لا يحصل إلا بالكف عن شهوات الدنيا. والانس لا يحصل إلا بكثرة ذكر الله، والحب لا يحصل إلا بالمعرفة، ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر. فهذه الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت، وهي الباقيات الصالحات، أما طهارة القلب عن شهوات الدنيا فهي من المنجيات، إذ تكون جنة بين العبد وبين عذاب الله وأما الانس والحب فهما من المسعدات، وهما موصلان العبد إلى لذة


 

[27]

اللقاء والمشاهدة، وهذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنة، فيصير القبر روضة من رياض الجنة. وكيف لا يكون كذلك، ولم يكن له إلا محبوب واحد، وكانت العوائق تعوقه عن الانس بدوام ذكره ومطالعة جماله، فارتفعت العوائق وأفلت من السجن وخلي بينه وبين محبوبه، فقدم عليه مسرورا آمنا من العوائق آمنا من الفرق. وكيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا ولم يكن له محبوب إلا الدنيا وقد غصب منه، وحيل بينه وبينه، وسدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه، وليس الموت عدما إنما هو فراق لمحاب الدنيا، وقدوم على الله تعالى. فاذن سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث، وهي الذكر والفكر والعمل الذي يحفظه من شهوات الدنيا، ويبغض إليه ملاذها ويقطعه عنها وكل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن، وصحة البدن لا تنال إلا بالقوت والملبس والمسكن، ويحتاج كل واحد إلى أسباب. فالقدر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا، وكانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة، وإن أخذ ذلك على قصد التنعم ولحظ النفس صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها، إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب الله في الآخرة ويسمى ذلك حراما وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلى، ويعرضه لطول الحساب، ويسمى ذلك حلالا. والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لاجل المحاسبة أيضا عذاب، فمن نوقش في الحساب عذب، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلالها حساب وحرامها عقاب وقد قال أيضا: حلالها عذاب. إلا أنه عذاب أخف من عذاب الحرام بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلى في الجنة، وما يرد على القلب من التحسر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها، وهو أيضا عذاب، فالدنيا قليلها وكثيرها حلالها وحرامها ملعونة إلا ما أعان على تقوى


 

[28]

الله فان ذلك القدر ليس من الدنيا. وكل من كانت معرفته أقوى وأتقن، كان حذره من نعيم الدنيا أشد ولهذا روى الله تعالى الدنيا عن نبينا صلى الله عليه وآله فكان يطوي أياما، وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع، ولهذا سلط الله البلاء والمحن على الانبياء والاولياء ثم الامثل فالامثل كل ذلك نظرا لهم، وامتنانا عليهم، ليتوفر من الآخرة حظهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذيذ الفواكه، ويلزمه ألم الفصد والحجامة شفقة عليه وحبا له، لا بخلا به عليه، وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو للدنيا وما هو لله فليس من الدنيا. فان قلت: فما الذي هو لله ؟ فأقول: الاشياء ثلاثة أقسام: منها ما لا يتصور أن يكون لله، وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات وأنواع التنعمات في المباحات، وهي الدنيا المحضة المذمومة، فهي الدنيا صورة ومعنى. ومنها ما صورتها لله، ويمكن أن يجعل لغير الله، وهي ثلاثة: الفكر والذكر والكف عن الشهوات، فهذه الثلاث إذا جرت سرا ولم يكن عليها باعث سوى أمر الله واليوم الآخر فهي لله، وليست من الدنيا، وإن كان الغرض من النظر طلب العلم للشرف، وطلب القبول بين الخلق باظهار المعرفة، أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال أو الحمية لصحة البدن أو الاشتهار بالزهد فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى، وإن كان يظن بصورتها أنها لله. ومنها ما صورتها لحظ النفس، ويمكن أن يجعل معناه لله، وذلك كالاكل والنكاح وكل ما لا يرتبط به بقاؤه وبقاء ولده، فان كان القصد حظ النفس فهو من الدنيا، ولن كان القصد الاستعانة على التقوى فهو لله بمعناه، وإن كان صورته صورة الدنيا، قال صلى الله عليه وآله: من طلب من الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله وهو عليه غضبان، ومن طلبها استعفافا عن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر.


 

[29]

انظر كيف اختلف ذلك بالقصد، فإذا الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لامر الاخرة، ويعبر عنه بالهوى، وإليه أشار قوله تعالى: " ونهى النفس عن الهوى * فان الجنة هي المأوى " (1). واعلم أن مجامع الهوى خمسة أمور، وهي ما جمعه الله عزوجل في قوله: " إنما الحيوة الدنيا لهو ولعب وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد " (2) والاعيان التي تحصل منها هذه الامور سبعة يجمعها قوله تعالى: " زين للناس حب الشهواة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب " (3) فقد عرفت أن كل ما هو لله فليس من الدنيا، وقدر ضرورة القوت وما لا بد منه من مسكن وملبس فهو لله إن قصد منه وجه الله، والاستكثار منه تنعم وهو لغير الله، وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة، ولها طرفان وواسطة، طرف يقرب من حد الضرورة فلا يضر، فان الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن، وطرف تتاخم جانب التنعم ويقرب منه وينبغي أن يحذر، وبينهما وسائط متشابهة، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، والحزم في الحذر والتقوى، والتقرب من حد الضرورة ما أمكن اقتداء بالانبياء والاولياء. ثم قال: اعلم أن الدنيا عبارة من أعيان موجودة، وللانسان فيها حظ وله في إصلاحها شغل، فهذه ثلاثة أمور قد يظن أن الدنيا عبارة عن آحادها، وليس كذلك أما الاعيان الموجودة التي الدنيا عبارة عنها فهي الارض وما عليها قال الله تعالى: " إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " (4) فالارض فراش للادميين ومهاد ومسكن ومستقر وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح.

 

(1) النازعات: 40 - 41. (2) الحديد: 20. (3) آل عمران: 14. (4) الكهف: 7.

 

[30]

ويجمع ما على الارض ثلاثة أقسام المعادن والنبات والحيوان. أما المعادن فيطلبها الادمي للالات والاواني كالنحاس والرصاص أو للنقد كالذهب والفضة ولغير ذلك من المقاصد، وأما النبات فيطلبها الادمي للاقتات والتداوي، وأما الحيوان فينقسم إلى الانسان والبهائم أما البهائم فيطلب لحومها للمأكل وظهورها للمركب والزينة، وأما الانسان فقد يطلب الادمي أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم و يستسخرهم كالغلمان أو ليتمتع بهم كالجواري والنسوان ويطلب قلوب الناس ليملكها فيغرس فيها التعظيم والاكرام، وهو الذي يعبر عنه بالجاه، إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميين. فهذه هي الاعيان التي يعبر عنها بالدنيا وقد جمعها الله تعالى في قوله " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين " وهذا من الانس " والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة " وهذا من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه على غيرها من اللئالي واليواقيت " والخيل المسمومة والانعام " وهي البهائم والحيوانات " والحرث " وهو النبات والزرع. فهذه هي أعيان الدنيا، إلا أن لها من العبد علاقتين: علاقة مع القلب وهو حبه لها وحظه منها، وانصراف قلبه إليها حتى تصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بالدنيا، ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلقة بالدنيا كالكبر والغل والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة، وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر، فهذه هي الدنيا الباطنة، وأما الظاهرة فهي الاعيان التي ذكرناها، والعلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله باصلاح هذه الاعيان ليصلح لحظوظه وحظوظ غيره، وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها والخلق إنما نسوا أنفسهم ومآلهم ومنقلبهم لهاتين العلاقتين: علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل، ولو عرف ربه وعرف نفسه وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن هذه الاعيان التي سميتها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي تسير بها إلى الله تعالى وأعني بالدابة البدن، فانه لا يبقى إلا بمطعم وملبس ومسكن


 

[31]

كما لا يبقى الابل في طريق الحج إلا بعلف وماء وجلال. ومثال العبد في نسانه نفسه ومقصده مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق، ولا يزال يعلف الدابة ويتعهدها وينظفها ويكسوها ألوان الثياب و يحمل إليها أنواع الحشيش، ويبرد لها الماء بالثلج، حتى تفوته القافلة، وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة، وعن بقائه في البادية فريسة للسياع هو وناقته والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي فيتعهده وقلبه إلى الكعبة والحج، وإنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشغل بتعهد البدن إلا بالضرورة، كما لا يدخل بيت الماء إلا للضرورة، ولا فرق بين إدخال الطعام في البدن وبين إخراجه من البطن. وأكثر ما شغل الناس عن الله البدن فان القوت ضروري وأمر الملبس والمسكن أهون، ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الامور، واقتصروا عليها لم تستغرقهم أشغال الدنيا، فانما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظهم منها ولكنهم جهلوا وغفلوا، وتتابعت أشغال الدنيا واتصلت بعضها ببعض، وتداعت إلى غير نهاية محدودة، فتاهوا في كثرة الاشغال، ونسوا مقصودها. وأما تفاصيل أشغال الدنيا وكيفية حدوث الحاجة إليها وانجرار بعضها إلى بعض فمما يطول ذكرها وخارج عن مقصود كتابنا. وإذا تأملت فيها علمت أن الانسان لاضطراره إلى القوت والمسكن والملبس يحتاج إلى خمس صناعات: وهي الفلاحة لتحصيل النبات، والرعاية لحفظ الحيوانات واستنتاجها، والاقتناص لتحصيل ما خلق الله من صيد أو معدن أو حشيش أو حطب، والحياكة للباس، والبناء للمسكن، ثم يحتاج بسبب ذلك إلى التجارة والحدادة والخرز أي إصلاح جلود الحيوانات وأجزائها، ثم لبقاء النوع إلى المنكح، ثم إلى حفظ الولد وتربيته، ثم لاجتماعهم إلى قرية يجتمعون فيها ثم إلى قاض وحاكم يتحاكمون إليه، ثم إلى جند يحرسهم عن الاعادي، ثم إلى خراج يعان به الجند، ثم إلى عمال وخزان لذلك، ثم إلى ملك يدبرهم


 

[32]

وأمير مطاع وقائد على كل طائفة منهم، فانظر كيف ابتدأ الامر من حاجة القوت والمسكن والملبس وإلى ماذا انتهى ؟. وهكذا أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا وينفتح منها بسببه عشرة أبواب أخر، وهكذا يتناهى إلى حد غير محصور، وكأنها هاوية لا نهاية لعمقها، ومن وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى وهكذا على التوالي. فهذه هي الحرف والصناعات، ويتفرع عليها أيضا بناء الحوانيت والخانات للمتحرفة والتجار وجماعة يتجرون ويحملون الامتعة من بلد إلى بلد، ويتفرع عليها الكراية والاجارة، ثم يحدث بسبب البيوع والاجارات وأمثالها الحاجة إلى النقدين لنقع المعاملة بهما، فاتخذت النقود من الذهب والفضة والنحاس ثم مست الحاجة إلى الضرب والنقش والتقدير، فحدثت الحاجة إلى دار الضرب وإلى الصيارفة. فهذه أشغال الخلق وهي معايشهم، وشئ من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم وتعب في الابتداء، وفي الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه مانع فيبقى عاجزا إلى أن يأكل مما سعى فيه غيره، فتحدث منه حرفتان خسيستان: اللصوصية والكدية، وللصوص أنواع ولهم حيل شتى في ذلك وأما التكدي فله اسباب مختلفة، فمنهم من يطلب ذلك بالتمسخر والمحاكاة الشعبذة والافعال المضحكة، وقد يكون بالاشعار مع النغمة أو غيرها في المدح أو التعشق أو غيرهما، أو تسليم ما يشبه العوض وليس بعوض كبيع التعويذات والطلسمات وكأصحاب القرعة والفال والزجر من المنجمين، ويدخل في هذا الجنس الوعاظ المتكدون على رؤوس المنابر. فهذه هي اشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها وجرهم إلى ذكل كله الحاجة إلى القوت والكسوه، ولكن نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ومقصودهم ومنقلبهم ومآلهم فضلوا وتاهوا، وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أإن كدرها زحمة اشغال الدنيا خيالات فاسدة، وانقسمت مذاهبهم، واختلفت آراؤهم على عدة أوجه.


 

[33]

فطائفة غلب عليهم والغفلة، فلم ينفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمرهم فقالوا: المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجهد حتى نكسب القوت، ثم نأكل حتى نقوى على الكسب، ثم نكتسب حتى نأكل، فيأكلون ليكسبوا، ويكسبون ليأكلوا فهذه مذاهب الملاحين والمتحرفين، ومن ليس لهم تنعم في الدنيا ولا قدم في الدين. وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا للامر وهو أن ليس المقصود أن يشقى الانسان ولا يتنعم في الدنيا بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوات الدنيا، وهي شهوة البطن والفرج، فهؤلاء طائفة نسوا أنفسهم، وصرفوا همهم إلى اتباع النسوان وجمع لذائذ الاطعمة يأكلون كما تأكل الانعام، ويظنون أنهم إذا نالوا ذلك فقد ادركوا غايات السعادات فيشغلهم ذلك عن الله واليوم الآخر. وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكنز الكنوز، فأسهروا ليلهم ونهارهم في الجمع فهم يتعبون في الاسفار طول الليل والنهار، ويترددون في الاعمال الشاقة ويكسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحا وبخلا عليها أن تنقص، وهذه لذتهم وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يأتيهم الموت فيبقى تحت الارض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات، فيكون للجامع تعبها ووبالها، وللاكل لذتها وحسابها، ثم إن الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك في اشباههم وأمثالهم فلا يعتبرون. وطائفة زعموا أن السعادة في حسن الاسم وانطلاق الالسن بالثناء والمدح بالتجمل والمروة، فهؤلاء يتعبون في كسب المعايش ويضيقون على أنفسهم في المطعم والمشرب، ويصرفون جميع ما لهم إلى الملابس الحسنة والدواب النفيسة، ويزخرفون أبواب الدور، وما يقع عليه ابصار الناس، حتى يقال إنه غني وأنه ذو ثروة ويظنون أن ذلك هو السعادة، فهمتهم في ليلهم ونهارهم في تعهد موقع نظر الناس. وطائفة أخرى ظنوا أن السعادة في الجاه والكرامة بين الناس، وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير، فصرفوا همتهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة بطلب الولاية


 

[34]

وتقلد الاعمال عمال السلطانية، لينفذوا أمرهم بها على طائفة من الناس ويرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم، وانقادت لهم رعاياهم، فقد سعدوا سعادة عظيمة، وأن ذلك غاية المطلب، وهذا أغلب الشهوات على قلوب المتغافلين من الناس فهؤلاء شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله وعن عبادته، وعن التفكر في آخرتهم ومعادهم. ووراء هذا طوائف يطول حصرها تزيد على نيف وسبعين فرقة كلهم ضلوا واضلوا عن سواء السبيل، وإنما جرهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم والملبس والمسكن، فنسوا ما يراد له هذه الامور الثلاثة والقدر الذي يكفي منها، وانجرت بهم أوايل اسبابها إلى أواخرها، وتداعت لهم إلى مبادي لم يمكنهم الترقي منها. فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الاسباب والاشغال، وعرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل إلا وهو عالم بمقصوده، وعالم بحظه ونصيبه منه وأن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوة والكسوة حتى لا يهلك، وذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الاشغال، وفرغ القلب وغلب عليه ذكر الآخرة، وانصرفت الهمة إلى الاستعداد له، وإن تعدى به قدر الضرورة، كثرت الاشغال وتداعى البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير نهاية، فتشعب به الهموم ومن تشعب به الهموم في أودية الدنيا فلا يبال الله في اي واد أهلكه. فهذا شان المنهمكين في أشغال الدنيا وتنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان، فلم يتركهم واضلهم في الاعراض أيضا حتى انقسموا إلى طوايف فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء ومحنة، وأن الاخرة دار سعادة لكل من وصل إليها سواء تعبد في الدنيا أو لم يتعبد فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا وإليه ذهب طوائف من عباد الهند فهم يتهجمون على النار ويقتلون أنفسهم بالاحراق، ويظنون أن ذلك خخلاص منهم من سجن الدنيا. وظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص بل لا بد أولا من إماتة الصفات البشرية وقلعها عن النفس بالكلية، وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب، ثم أقبلوا على المجاهدة فشدوا على أنفسهم حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة، وبعضهم فسد


 

[35]

عقله وجن، وبعضهم مرض واسندت عليه طرق العبادة. وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية فظن أن ما كلفه الشرع محال وأن الشرع تلبيس لا اصل له، فوقع في الالحاد والزندقة، وظهر لبعضهم أن هذا التعب كله لله وأن الله مستغن عن عبادة العباد،، لا ينقصه عصيان عاص، ولا يزيده عبادة عابد، فعادوا إلى الشهوات، وسلكوا مسلك الاباحة، فطووا بساط الشرع والاحكام وزعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم، حيث اعتقدوا ان الله مستغن عن عبادة العباد. وظن طائفة أخرى أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله تعالى، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل، وبعد الوصال يستغني عن الوسيلة والحيلة فتركوا السعي والعبادة، وزعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة الله سبحانه [عن] أن يمتحنوا بالتكاليف وإنما التكليف على عوام الخلق. ووراء هذا مذاهب باطلة وضلالة هائلة وخيالات فاسدة، يطول إحصاؤها إلى أن يبلغ نيفا وسبعين فرقة، وإنما الناجي منها فرقة واحدة، وهي السالكة ما كان عليها رسول الله صلى الله عليه وآله واصحابه، وهو أن لا يتركوا الدنيا بالكلية، ولا يقمع في الشهوات بالكلية. أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل، فلا يتبع كل شهوة ولا يترك كل شهوة، بل يتبع العدل ولا يترك كل شئ من الدنيا، ولا يطلب كل شئ من الدنيا، بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا ويحفظه على حد مقصوده، فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة، ومن المسكن ما يحفظ به من اللصوص، والحر والبرد، ومن الكسوة كذلك، حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن، أقبل على الله بكنه همه، واشتغل بالذكر والفكر طول العمر، وبقي ملازما لسياسة الشهوات، ومراقبا لها حتى لا تجاوز حدود الورع والتقوى، ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية صحت عقايدهم واتبعوا الرسول وأئمة الهدى صلوات الله عليهم في أقوالهم وأفعالهم، فإنهم ما كانوا


 

[36]

يأخذون الدنيا للدنيا، بل للدين، وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية وما كان لهم في الامور تفريط ولا إفراط، بل كانوا بين ذلك قواما، وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين، وهو أحب الامور إلى الله تعالى والله المستعان. 17 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي عبد الله المؤمن، عن جابر قال: دخلت على ابي جعفر عليه السلام فقال: يا جابر والله إني لمحزون وإني لمشغول القلب، قلت: جعلت فداك، وما شغلك وما حزن قلبك ؟ فقال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله، شغل قلبه عما سواه، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا ؟ هل هي إلا طعام أكلته أو ثوب لبسته أو امرأة اصبتها ؟. يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الاخرة، يا جابر الاخرة دار قرار، والدنيا دار فناء وزوال، ولكن أهل الدنيا أهل غفلة، وكأن المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة لم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم، ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة، ففازوا بثواب الاخرة كما فازوا بذلك العلم. واعلم يا جابر أن أهل التقوى ايسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة تذكر فيعينونك، وإن نسيت ذكروك، قوالون بأمر الله، قوامون على أمر الله قطعوا محبتهم بمحبة ربهم، ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم، ونظروا إلى الله تعالى وإلى محبته بقلوبهم، وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه، أو كمال وجدته في منامك واستيقظت، وليس معك منه شئ. إني إنما ضربت لك هذا مثلا لانها عند أهل اللب والعلم بالله كفيئ الظلال، يا جابر فاحفظ ما استرعاك الله من دينه وحكمته، ولا تسألن عما لك عنده إلا ما له عند نفسك، فإن تكن الدنيا على غير ما وصفت لك، فتحول إلى دار المستعتب، فلعمري لرب حريص على أمر قد شقي به حين أتاه، ولرب كاره


 

[37]

لامر قد سعد به حين أتاه، وذلك قول الله تعالى: " وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين " (1). بيان: قوله عليه السلام: " صافي خالص دين الله " كأن إضافة الصافي إلى الخالص للبيان تأكيدا، ويحتمل اللامية، أي المحبة الصافية لله الحاصلة من خالص دينه، وفي تحف العقول: من دخل خالص حقيقة الايمان (2) و " أكلته " وأختاها على صيغة الخطاب، ويحتمل التكلم، والغرض أن هذه لذات قليلة فانية، ولا يختارها العاقل على النعم الجليلة الباقية. " لم يطمئنوا " اي لم يلههم الامل الطويل عن العمل " ولم يأمنوا " اي في كل حين " قدومهم الاخرة " بالموت أو عذاب الاخرة " أهل فكرة " خبر مبتدأ محذوف استينافا بيانيا وكذا قوله " لم يصمهم " استيناف بياني للاستيناف " ما سمعوا بأذانهم " من وصف ملاذ الدنيا وزهراتها، وحكومة أهلها وبسطة أيديهم فيها، والقصص الملهية الباطلة. " ولم يعمهم عن ذكر الله " الحاصل بالعبرة من أحوال الدنيا وفنائها " ففازوا " لترك الدنيا " بثواب الاخرة، كما فازوا بذلك العلم " وهو العلم اليقيني بدناءة الدنيا وفنائها، ورفعة الاخرة وبقائها، وتمييز الخير من الشر، والهدى من الضلالة وأهل الدنيا من أهل الاخرة، والمحقين من المبطلين، ومن يجب اتباعه من أهل الاخرة وأئمة الحق، وم يجب التبري عنه من أهل الدنيا واصحابها، وأئمة الضلالة فهذه هي الحكمة الحاصلة من الزهد في الدنيا، فلما فازوا بهذا العلم فازوا بنعيم الاخرة. " ايسر أهل الدنيا مؤنة " المؤنة بالفتح القوت والثقل، وذلك لانهم يكتفون بقدر الكفاية بل الضرورة والمعونة مصدر بمعنى الاعانة " تذكر " اي حاجتك لهم " فيعينونك " فيها، وإذا كنت متذكرا لما يوجب صلاح أمر دنياك وآخرتك

 

(1) الكافي ج 2 ص 132، والاية في آل عمران: 141. (2) تحف العقول ص 295 في ط وص 286 في ط آخر.

 

[38]

أعانوك على فعله، وإن كنت ناسيا له ذكروك، وأرشدونك إليه، ثم يعينونك مع الحاجة إلى الاعانة. " قوالون بأمر الله " أي بما أمر الله به أو بكل أمر يرضى الله به موعظة وإرشادا وتذكيرا وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر " قوامون على أمر الله " بحفظ دين الله وشرايعه واصول الدين وفروعه، وبمنع أهل الباطل وأرباب البدع من التغيير والتحريف في دين الله. " قطعوا محبتهم " أي عن كل شئ أو عمالا يرضى الله " بمحبة ربهم " اي بسببها أو جعلوا محبتهم تابعين لمحبة الله، ولا يحبون شيئا إلا لحب الله له كقوله تعالى " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله " (1). " وحشوا الدنيا " الوحشة ضد الانس اي لم يستأنسوا بالدنيا " لطاعة مليكهم " أي مالكهم وسيدهم، أو ذي الملك والسلطنة عليهم إما لامره بالزهد في الدنيا أو لان طاعة الله مطلقا والاخلاص فيها لا تجتمع مع حب الدنيا " نظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم " الظرف في قوله " بقلوبهم " متعلق بنظروا أي لم ينظروا بعين قلوبهم إلا إلى الله اي رضاه أو معرفته ومراقبته وذكره، وعدم الالتفات إلى غيره وإلى محبته أي تحصيل حبهم لله أو حب الله لهم أو الاعم كما قال تعالى " يحبهم ويحبونه " (2) أو ما يحبه الله من الاخلاق والاعمال والاقوال. " وعلموا أن ذلك " اي المذكور وهو الله ومحبته والاشارة للتعظيم " هو المنظور إليه " اي هو الذي ينبغي أن ينظر إليه لا غيره لعظمة شأنه وحقارة ما سواه بالنسبة إليه " فأنزل الدنيا " اي اجعلها عند نفسك " كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه " بل هذه الدنيا بالنسبة إلى الآخرة اقصر بالمراتب الغير المتناهية عن نسبة مدة نزول المنزل بالنسبة إلى مدة عمر الدنيا لان الاولى نسبة المتناهى إلى غير المتناهي، والثانية نسبة المتناهي إلى المتناهي، والغرض العمدة من التشبيه أنها لم تخلق للتوطن، بل للعبور

 

(1) الانسان: 30، التكوير: 29. (2) المائدة: 54 (*).

 

[39]

كما أن منازل المسافر إنما تبنى لذلك، وقد قال بعض الشعراء في هذا المعنى: نزلنا ههنا ثم ارتحلنا * كذا الدنيا نزول وارتحال أردنا أن نقيل بها ولكن * مقيل المرء في الدنيا محال وهذا مثل للمبتدين، ثم ذكر مثلا كاملا للكاملين، وهو " أو كمال وجدته في منامك " إلى آخره فان أكثر الناس في الدنيا كالنائمين لغفلتهم عن الآخرة وعما يراد بهم، فإذا ماتوا لم يجدوا معهم شيئا مما اكتسبوا في الدنيا للدنيا كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. ثم ذكر عليه السلام تمثيلا ثالثا وهو أنها كفئ الظلال في سرعة الزوال، والظلال بالكسر جميع الظل وهو والفئ بمعنى واحد عند كثير الناس، وقال ابن قتيبة الظل يكون غدوة وعشية، والفئ لا يكون إلا بعد الزوال، لانه ظل فاء عن جانب المغرب إلى جانب المشرق والفئ الرجوع وقال ابن السكيت: الظل من الطلوع إلى الزوال والفئ من الزوال إلى المغرب وقال تغلب: الظل للشجرة وغيرها للغداة والفئ للعشاء وقال رؤبة: كلما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو ظل وفئ وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل، ومن هنا قيل الشمس تنسخ الظل والفئ ينسخ الشمس، والمراد هنا بالفئ إما المصدر أي كرجوع الظلال اي كما تظل في ظل شجرة مثلا فتنتفع به ساعة، فترجع عنك فتكون في الشمس، أو المراد بالفئ الظل وبالظلال ما أظلك من شجر وجدار ونحوهما، أو المراد بالظلال قطعات السحاب التي تواري الشمس قليلا ثم تذهب وهذا أنسب قال في القاموس: الظل من كل شئ شخصه ومن السحاب وما وارى الشمس منه والظلالة بالكسر السحابة تراها وحدها وترى ظلها على الارض وكسحاب ما اظلك، وقال: راعيته لاحظته محسنا إليه، والامر نظرت إلى م يصير ؟ وأمره حفظه كرعاه واسترعاه إياهم استحفظه انتهى وفي تحف العقول " فاحفظ يا جابر ما أستودعك من دين الله وحكمته ". قوله عليه السلام " ولا تسألن " أقول: يحتمل وجوها الاول أن يكون المعنى لا تبالغ في الدعاء والسؤال من الله عما لك عنده من الرزق وغيره، مما ضمن لك، ولكن


 

[40]

سله التوفيق عما له عندك من الطاعات، والاستثناء ظاهره الانقطاع، ويحتمل الاتصال ايضا لان التوفيق والاعانة أيضا مما للعبد عند الله. الثاني أن يكون المراد لا تسأل أحدا عما لك عند الله من الاجر والرزق وأمثالهما فانها بيد الله وعلمها عنده ولا ينفعك السؤال عنها، بل سل العلماء عما لله عندك من الطاعات، لتعلم شرائطها وكيفياتها. الثالث أن يكون المعنى أنك لا تحتاج إلى السؤال عما لك عند الله من الثواب فانه بقدر ما لله عندك من عملك، فيمكنك معرفته بالرجوع إلى نفسك وعملك فعلى هذا يحتمل أن يكون التقدير لا تسأل عما لك عند الله من أحد إلا مما له عندك فيكون ماله عنده مسؤلا والاستثناء متصلا لكن في السؤال تجوز، ويؤيد الاخير على الوجهين ما روي في المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب أن يعلم ما له عند الله، فليعلم ما لله عنده. وفي تحف العقول في هذا الخبر مكان هذه الفقرة هكذا " وانظر ما لله عندك في حياتك فكذلك يكون لك العهد عنده في مرجعك ". قوله عليه السلام " فان تكن الدنيا " أقول: هذه الفقره ايضا تحتمل وجوها الاول ما ذكره بعض المحققين أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتكون تطمئن إليها فعليك أن تتحول فيها إلى دار ترضى فيها ربك يعني أن تكون في الدنيا ببدنك، وفي الاخرة بروحك، تسعى في فكاك رقبتك، وتحصيل رضا ربك عنك حتى يأتيك الموت. الثاني ما ذكره بعض الافاضل أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ذلك فانتقل إلى مقام التوبة والاستعتاب والاسترضاء، فان هذه عقيدة سيئة. الثالث ما خطر بالبال أن المعنى إن لم تكن الدنيا عندك على ما وصفت لك فتوجه إلى الدنيا وانظر بعين البصيرة فيها، تفكر في أحوالها من فنائها وتقلبها بأهلها ليتحقق لك حقيقة ما ذكرت، وإنما عبر عليه السلام عن ذلك بالتحول إشعارا بأن من أنكر ذلك فكأنه لغفلته وغروره ليس في الدنيا فليتحول إليها


 

[41]

ليعرف ذلك. الرابع أنه أراد أنه لا بد لكل مكلف من دار استرضاء حتى يرضى فيها ربه بالاعمال الصالحة، فإذا لم تكن الدنيا عندك كما وصفتها لك، بل تكون منهمكا في لذاتها حريصا عليها، فلتطلب دار استرضاء أخرى غير التي أنت فيها فانه مما لا بد منه. الخامس أن يقرء " تحول " بصيغة المضارع المخاطب، بحذف إحدى التائين فالمعنى أنه لا يخفى على ذي عقل قبح الدنيا وفنائها، فان زعمت أنه ليس كذلك فلعلك تقول ذلك لاجل أنها دار يمكن فيها تحصيل رضا الله، وهذا لا ينافي ما ذكرت لك من ذم الركون إلى لذاتها وشهواتها، كما عرفت سابقا. السادس أن يكون المراد بدار المستعتب دار الاخرة لان الكفار يطلبون فيها الرجوع إلى الدنيا عند مشاهدة عذابها، كما قال تعالى " وإن يستعتبوا فماهم من المعتبين " (1) فالمراد به إن لم تصدق بهذه الاوصاف لهذه الدار، فاصبر حتى ترد دار القرار، فانه حينئذ يظهر لك حقيقة هذا الكلام، وعلى هذا الوجه يمكن أن يقرء على اسم الفاعل أيضا. السابع ما ذكره بعض المدعين للفضل أن المستعتب لعله اسم رجل ذي جاه ومال اصابه الذل، وذهب جميع ما كان له، فقال عليه السلام: تحول إلى داره لتعتبر به. وإنما ذكرناه لغرابته. واقول: في تحف العقول ليس لفظ " غير " بل هو هكذا " فان تكن الدنيا عندك على ما وصفت لك فتحول عنها إلى دار المستعتب اليوم " فيؤيد المعنى الاول اي إذا عرفت أن الدنيا كذلك، وصدقت بما قلت، فتحول عنها اي انتقل إلى الاخرة بقلبك، واقطع تعلقك عن الدنيا اليوم اختيارا، قبل أن تقلع عنها عند الموت اضطرارا، أو إلى مقام الاسترضاء كما مر. والظاهر أن المستعتب على أكثر الاحتمالات مصدر ميمي قال في القاموس

 

(1) فصلت: 24 (*).

 

[42]

العتبى بالضم الرضا، واستعتبه: أعطاه العتبى كأعتبه، وطلب إليه العتبى ضد " وإن تستعتبوا فماهم من المعتبين " اي إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم أي لم يردهم إلى الدنيا، وفي النهاية: المعتبة الغضب وأعتبني فلان إذا عاد إلى مسرتي واستعتب طلب أن يرضى عنه، كما يقول: استرضيته فأرضاني والمعتب المرضى ومنه الحديث " لا يتمنين أحدكم الموت، أما محسنا فلعله يزداد، وأما مسيئا فلعله يستعتب " اي يرجع عن الاساءة ويطلب الرضا ومنه الحديث " ولا بعد الموت من مستعتب " أي ليس بعد الموت من استرضاء، لان الاعمال بطلت وانقضى زمانها وما بعد الموت دار جزاء لا دار عمل، انتهى. وقوله عليه السلام: " فلعمري " أي أقسم بحياتي، وفي القسم مفتوح غالبا " لرب حريص على أمر " من أمور الدنيا " قد شقي به حين أتاه " أي تعب به في الدنيا أو صار سببا لشقاوته في الاخرة ويطلق غالبا على سوء العاقبة، والسعادة ضد الشقاوة، وتطلق غالبا على حسن العاقبة وراحة الاخرة. في القاموس: الشقاء الشدة والعسر، ويمد، شقي كرضي شقاوة ويكسر وشقا وشقاء وشقوة ويكسر، وقال: السعادة خلاف الشقاوة، وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود. وقال الراغب: السعد والسعادة معاونة الامور الالهية للانسان على نيل الخير، ويضاد الشقاوة، وقال: الشقاوة خلاف السعادة، وكما أن السعادة في الاصل ضربان: سعادة أخروية وسعادة دنيوية، ثم السعادة الدنيوية ثلاثة أضرب: سعادة نفسية وبدنية وخارجية، كذلك الشقاوة على هذه الاضرب. وقال بعضهم: قد يوضع الشقاء موضع التعب نحو شقيت في كذا وكل شقاوة تعب وليس كل تعب شقاوة فالتعب أعم من الشقاوة (1). وفي التحف: " فلرب حريص على أمر من أمور الدنيا قد ناله فلما ناله كان عليه وبالا وشقي به ولرب كاره لامر من أمور الاخرة قد ناله فسعد به " وإلى هنا انتهى الخبر فيه

 

(1) مفردات غريب القرآن 232 و 264 (*).

 

[43]

قوله: " وليمحص الله " الاية في آل عمران عند ذكر غزوة أحد حيث قال تعالى: " وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * ولمحص الله الذين آمنوا " قال الطبرسي رحمه الله: بين وجه المصلحة في مداولة الايام بين الناس اي وليبتلي الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ينقصهم أو ليخلص الله ذنوب المؤمنين أو ينجي الله الذين آمنوا من الذنوب بالابتلاء ويهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء (1). وأقول: هذا الوجه الاخير أنسب بالخبر، ليكون استشهدا للجزئين معا فان الكافرين كانوا حرصاء في الغلبة على المؤمنين، فنالوها فصارت سببا لشقاوتهم ومزيد عذابهم والمؤمنين كانوا كارهين للمغلوبية، فصارت سببا لمزيد سعادتهم وتمحيص ذنوبهم. قال الراغب: أصل المحص تخليص الشئ مما فيه من عيب، يقال: محصت الذهب ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث قال تعالى: " وليمحص الله الذين آمنوا " فالتمحيص هنا كالتزكية والتطهير (2). 18 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن أبان، عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الاخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون. فكونوا من أبناء الاخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا [ألا] وكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الاخرة، الا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الارض بساطا، والتراب فراشا، والماء طيبا، وقرضوا من الدنيا تقريضا، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن اشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب. ألا إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل

 

(1) مجمع البيان ج 2 ص 510. (2) المفردات: 464 (*).

 

[44]

النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة، فصاروا بعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم، وهم يجأرون إلى ربهم، يسعون في فكاك رقابهم. وأما النهار فحكماء علماء، بررة، أتقياء، كأنهم القداح، قد براهم الخوف من العبادة، ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض، أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم، من ذكر النار وما فيها (1). توضيح: " إن الدنيا قد ارتحلت " يقال رحل وارتحل اي شخص وسار " مدبرة " المراد بادبار الدنيا تقضيها وانصرامها وباقبال الاخرة قرب الموت وما يكون بعدها من نعيم أو عذاب، فشبه الدنيا وحياتها براكب حمل على مراكبها أثقالها وهي لذات الدنيا وشهواتها وأموالها، وساير ما يتعلق الانسان بها والموت براكب آخر حمل على مراكبه نعيمه وعذابه، وساير ما يكون بعده فالراكب الاول يوما فيوما وساعة فساعة في التقضي والفناء، فهو يبعد عن الانسان، والراكب الثاني يسير إلى الانسان ويقرب منه فعن قريب يصل إليه فلا بد من الاستعداد لوصوله وتلقيه بالعقائد الحقة والاعمال الصالحة. " ولكل واحدة منهما بنون " استعار عليه السلام لفظ البنين للعباد بالنسبة إلى الدنيا والاخرة فشبههم لميل كل منهم إلى إحداهما ميل الولد إلى ولده، وركون الفصيل إلى أمه، وتوقع كل منهم توقع النفع من إحداهما، ومشابهته بها وكونه مخلوقة لاجلها وشبه كلا منهما بالاب أو بالام لتأنيثهما أو الآخرة بالاب والدنيا بالام لنقصها ولمناسبة الاباء العلوية بالاولى والامهات السفلية بالثانية، فكأن أبناء الدنيا بمنزلة أولاد الزنا لا اب لهم. " فكونوا من أبناء الاخرة " لبقائها وخلوص لذاتها ولكونها صادقة في وعدها " ولا تكونوا من أبناء الدنيا " لفنائها وكذبها وغرورها، وكون لذاتها مشوبة بأنواع الالام، ثم اشار عليه السلام إلى أن المقصود ليس مجرد رفض الدنيا، وترك العمل

 

(1) الكافي ج 2 ص 132.

 

[45]

لها، بل مع إزاله حبها من القلب بقوله " وكونوا من الزاهدين الخ ". والبساط فعال بمعنى المفعول أي اكتفوا بالارض عوضا عن الفرش المبسوطة في البيوت مع عدم تيسر البساط إلا من الحرام أو الشبهة أو مطلقا والاول أنسب بالجمع بين الاخبار وكذا في البواقي، وفي الصحاح البساط ما يبسط، وبالفتح الارض الواسعة " والتراب فراشا " بمعنى المفروش اي عوضا عن الثياب الناعمة المحشوة بالقطن وغيره للنوم عليها، فان التراب ألين من سائر أجزاء الارض " والماء طيبا " فان الطيب عمدة منفعته دفع الروايح الكريهة، وهو يتحقق بالغسل بالماء، وما قيل من أن المراد التلذذ بشرب الماء بدلا من الاشربة اللذيذة لان اصل الطيب اللذة كما في القاموس فهو بعيد. " وقرضوا من الدنيا تقريضا " على بناء المفعول [من التفعيل] من القرض بمعنى القطع، وبناء التفعيل للمبالغة، وقيل: بمعنى التجاوز من قرضت الوادي لذا جزته، أو بمعنى العدول من قرضت المكان إذا عدلت عنه، وفي النهج " ثم قرضوا الدنيا قرضا " (1). قوله عليه السلام " سلا عن الشهوات " اي نسيها وتركها وفي القاموس: سلاه وعنه كدعاه ورضيه سلوا وسلوا وسلوا وسلوانا وسليا: نسيه، وأسلاه عنه فتسلى، " عن المحرمات " وفي بعض النسخ " عن المحرمات " جمع الحرمة كالغرفات جمع الغرفة " هانت عليه المصائب " لانها راجعة إلى فوات الامور الدنيوية، ومن زهد فيها سهل عنده فواتها. قوله عليه السلام: " كمن رأى " أي صاروا من اليقين بمنزلة المعاينة كما مر في باب اليقين " مخلدين " اي كأنه يرى خلودهم أو يراهم مع علمه بخلودهم، ومن الافاضل من قرء مخلدين على بناء الفاعل من الافعال كقولهم أخلد إليه أي مال ولا يخفى بعده. " وقلوبهم محزونة " لهم الاخرة وخوف التقصير وعدم العلم بالعاقبة " أنفسهم

 

(1) نهج البلاغة - تحت الرقم 104 من قسم الحكم (*).

 

[46]

عفيفة " عن المحرمات والشبهات " وحوائجهم خفيفة " لاقتصارهم في الدنيا على القدر الضروري منها " صبروا أياما قليلة " اي أيام عمرهم، فانها قليلة في جنب أيام الاخرة صبروا فيها على الفقر والضر ومشقة فعل الطاعات، وترك المحرمات وإيذاء الظلمة والمخالفين، فصاروا بعقبى راحة طويلة، في القاموس: العقبى جزاء الامر،، وقال الراغب: العقب والعقبى يختصان بالثواب نحو " خير ثوابا وخير عقبا " (1) وقال " أولئك لهم عقبى الدار " (2) " فنعم عقبى الدار " (3) والعاقبة إطلاقها يختص بالثواب نحو " والعاقبة للمتقين " (4) وبالاضافة قد تستعمل في العقوبة نحو " ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوآى " (5) انتهى. وأقول: العقبى غالبه أنه يستعمل في الثواب، وقد يستعمل في العقاب أيضا كقوله تعالى " تلك عقبى الذين اتقوا وعقى الكافرين النار " (6) وقوله سبحانه " ولا يخاف عقبيها " (7) وقال البيضاوي: (8) في قوله تعالى " أولئك لهم عقبى الدار " اي عاقبة الدنيا، وما ينبغي أن يكون مآل أهلها وهي الجنة. وفي قوله سبحانه: " تلك عقبى الذين اتقوا " اي الجنة الموصوفة مآلهم ومنتهى أمرهم، وفي قوله " وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار " (9) اللام يدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة انتهى. والباء في قوله " بعقبى " إما بمعنى إلى أو بمعنى " مع " وإضافة العقبى إلى الراحة للبيان ويحتمل غيره أيضا، وفي فقه الرضا: فصارت لهم العقبى راحة طويلة. " وأما الليل " ظاهره النصب على الظرفية، وقيل: يحتمل الرفع على الابتداء، والتخصيص به لان العبادة فيه أشق وأقرب إلى القربة، وحضور القلب

 

(1) الكهف: 44. (2) الرعد: 22. (3) الرعد: 24. (4) الاعراف: 128. (5) الروم: 10، راجع مفردات غريب القرآن ص 340. (6) الرعد: 35. (7) الشمس: 15. (8) أنوار التنزيل: 213. (9) الرعد: 42، راجع أنوار التنزيل: 215 (*).

 

[47]

فيه أكثر، كما قال تعالى: " إن ناشئة الليل هي اشد وطأ وأقوم قيلا " (1) " فصافون أقدامهم " اي للصلاة، ويدل على استحباب صف القدمين في الصلاة بحيث لا يكون أحدهما أقرب من القبلة من الاخرى. أو تكون الفاصلة بينهما من الاصابع إلى العقبين مساوية والاول أظهر وعلى استحباب التضرع والبكاء في صلاة الليل. وفي القاموس: جأر كمنع جأرا وجؤارا رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث قوله " في فكاك رقابهم " أي من النار " كأنهم القداح " في القاموس القدح بالكسر السهم قبل أن يراش وينصل، والجمع قداح وأقداح وأقاديح، انتهى. وأشار عليه السلام إلى وجه التشبيه بالقداح بقوله " قد براهم الخوف " أي نحلهم وذبلهم كما يبرى السهم في القاموس: برى السهم يبريه بريا وابتراه نحته وبرأه السفر يبريه بريا هزله، وقوله " من العبادة " إما متعلق بقوله " براهم " أي نحتهم الخوف بآلة العبادة أي بحمله إياهم عليها وعلى كثرتها أو بقوله " كأنهم القداح " فيرجع إلى الاول. وعلى التقديرين " من " للسببية والعلية، أو متعلق بالخوف أي من قلة العبادة، والاول اظهر. " فيقول مرضى " اي يظن أنهم مرضى لصفرة وجوههم، ونحافة بدنهم فخطأ عليه السلام ظنه، وقال: " وما بالقوم من مرض " بل هم من الاصحاء من الادواء النفسانية، والامراض القلبية " أم خولطوا " أي أو يقول خولطوا، ويحتمل أن يكون مرضى على الاستفهام، وقوله أم خولطوا معادلا له من كلام الناظر، فاعترض جوابه عليه السلام بين أجزاء كلامه. والحاصل أنهم لما كانوا لشدة اشتغالهم بحب الله وعبادته، واعتزالهم عن عامة الخلق، ومباينة أطوارهم لاطوارهم، وأقوالهم لاقوالهم، ويسمعون منهم ما هو فوق إدراكهم وعقولهم، فتارة ينسبونهم إلى المرض الجسماني، وتارة إلى المرض الروحاني، وهو الجنون واختلاط العقل بما يفسده، فأجاب عليه السلام عن الاول بالنفي المطلق، وعن الثاني بأن المخالطة متحققة، لكن لا بما يفسد

 

(1) المزمل: 6 (*).

 

[48]

العقل، بل بما يكمله من خوف النار وحب الملك الغفار. 19 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد الحريري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار السلام (1). بيان: قال في المغرب: زهد في الشئ وعن الشئ زهدا وزهادة إذا رغب عنه ولم يرده، ومن فرق بين زهد فيه وعنه فقد أخطأ وقال في عدة الداعي: روي أن النبي صلى الله عليه وآله سأل جبرئيل عليه السلام عن تفسير الزهد فقال جبرئيل عليه السلام: الزاهد يحب من يحب خالقه، ويبغض من يبغض خالقه، ويتحرج من حلال الدنيا، ولا يلتفت إلى حرامها، فان حلالها حساب وحرامها عقاب، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه، ويتحرج من الكلام فيما لا يعنيه كما يتحرج من الحرام، ويتحرج من كثرة الاكل كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها ويتحرج من حطام الدنيا وزينتها كما يجتنب النار أن يغشاها، وأن يقصر أمله وكان بين عينيه أجله. و " الحكمة " العلوم الحقة المقرونة بالعمل أو العلوم الربانية الفائضة من الله تعالى بعد العمل بطاعته، وقد مر تحقيقها في كتاب العقل وغيره. قال الراغب: الحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الاشياء وإيجادها على غاية الاحكام، ومن الانسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله تعالى: " ولقد آتينا لقمان الحكمة " (2) ونبه على جملتها بما وصفه بها انتهى (3). قوله عليه السلام: " داءها ودواءها " كأنه بدل اشتمال للعيوب، اي المراد بتبصير العيوب أن يعرفه أدواء الدنيا من ارتكاب المحرمات، والصفات الذميمة المتفرعة

 

(1) الكافي ج 2 ص 128. (2) لقمان: 12. (3) المفردات: 127 (*).

 

[49]

على حب الدنيا، ويعرفه ما يعالج به تلك الادواء من التفكرات الصحيحة والمواعظ الحسنة، وفعل الطاعات، والرياضات، ومجاهدة النفس في ترك الشهوات، كأن يقال: الطب [حد] معرفة الامراض، بأن يعرف ما تحصل منه وأصل المرض وكيفية علاجه، أو يقال: الدنيا دنياءان: دنيا بلاغ يصير سببا لتحصيل الاخرة، ودنيا ملعونة، فلما ذكر عيوب الدنيا فصلها وبين أن منها ما هو داء، ومنها ما هو دواء. ويحتمل حينئذ ارتكاب استخدام بأن يكون المراد بالدنيا أولا الدنيا المذمومة، وبالضمير الاعم، ويحتمل أن يكون داؤها تأكيدا لعيوب الدنيا ودواؤها عطفا على العيوب. وقيل: داؤها ودواؤها مجروران بدلا بعض للدنيا، فالمراد بعيوب دواء الدنيا شدتها على النفس وصعوبتها، وربما يقرء دواها بالقصر بمعنى الاحمق اي المبتلى بحب الدنيا، ولا يخفى بعده " وأخرجه من الدنيا سالما " من العيوب والمعاصي " إلى دار السلام " اي الجنة التي من دخلها سلم من جميع المكاره والالام. 20 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن ابيه وعلي بن محمد القاساني جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يجد الرجل حلاوة الايمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الايمان حتى تزهد في الدنيا (1). بيان: " جعل الخير كله " الخ لما كان الزهد في الدنيا سببا لحصول جميع السعادات العلمية والعملية، شبه تلك الكمالات بالامتعة المخزونة في بيت والزهد بمفتاح ذلك البيت " لا يجد الرجل " الخ شبه صلى الله عليه وآله الايمان بشئ حلو في

 

(1) الكافي ج 2 ص 128 (*).

 

[50]

ميل الطبع السليم إليه، وأثبت له الحلاوة على الاستعارة المكنية والتخييلية أو استعار لفظ الحلاوة لاثارة الايمان التي تلتذ الروح بها " حتى لا يبالي من أكل الدنيا " يحتمل أن يكون " من " اسم موصول، " وأكل " فعلا ماضيا، وأن يكون " من " حرف جر " وأكل " مصدرا، فعلى الاول المعنى أنه لا يعتني بشأن الدنيا بحيث لا يحسد أحدا عليها، ولو كانت كلها لقمة في فم كلب لم يغتم لذلك ولم ير ذلك له كثيرا وعلى الثاني ايضا يرجع إلى ذلك أو المعنى لا يعتني بأكل الدنيا والتصرف فيها. 21 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي أيوب الخزاز، عن ابي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن من أعون الاخلاق على الدين الزهد في الدنيا (1). بيان: " إن من أعون الاخلاق " الخ وذلك لان الاشتغال بالدنيا وصرف الفكر في طرق تحصيلها، ووجه ضبطها، ورفع موانعها، مانع عظيم من تفرغ القلب للامور الدينية وتفكره فيها، بل حبها لا يجتمع مع حب الله تعالى وطاعته وطلب الاخرة، كما روي أن الدنيا والاخرة ضرتان إذ الميل بأحدهما يضر بالاخر. 22 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه وعلى بن محمد، عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري، عن علي بن هاشم بن البريد، عن أبيه أن رجلا سأل علي بن الحسين عليهما السلام عن الزهد فقال: عشرة اشياء فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع ادنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا، ألا وإن الزهد في آية من من كتاب الله عزوجل " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " (2).

 

(1) الكافي ج 2 ص 128. (2) الكافي ج 2 ص 128، والاية في سورة الحديد: 23 (*).

 

[51]

بيان: قد مر صدر هذا الخبر في باب الرضا بالقضا (1) إلى قوله: " إلا أن الزهد " وكان فيه: " الزهد عشرة أجزاء " ومنهم من جعل الاجزاء العشرة باعتبار ترك حب عشرة اشياء: المال، والاولاد، واللباس، والطعام، والزوجة والدار، والمركوب، والانتقام من العدو، والحكومة، وحب الشهرة بالخير وهو تكلف مستغنى عنه، والايات في الحديد هكذا " اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد " إلى قوله سبحانه: " وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور " ثم قال تعالى بعد آية: " ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا... ". قال المفسرون: اي كتبنا ذلك في كتاب لكيلا تأسوا اي تحزنوا على ما فاتكم من نعم الدنيا ولا تفرحوا بما آتيكم اي ما أعطاكم منها، وقال الطبرسي رحمه الله: والذي يوجب نفي الاسى والفرح من هذا أن الانسان إذا علم أن ما فات منها ضمن الله تعالى العوض عليه في الاخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك، وإذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه، والحقوق الواجبة فيه، فلا ينبغي أن يفرح به، وأيضا فإذا علم أن شيئا منها لا يبقى فلا ينبغي أن يهتم له، بل يجب أن يهتم لامر الاخرة التي تدوم ولا تبيد انتهى (2). ولا يخفى أن هذين الوجهين لا ينطبقان على التعليل المذكور في الاية إلا أن يقال: إن هذه الامور أيضا من الامور المكتوبة، ولذا قال غيره: إن العلة في ذلك أن من علم أن الكل مقدر، هان عليه الامر. وقال بعض الافاضل: هو تعليل لقوله قبل ذلك بثلاث آيات: " اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو " وهذا وجه حسن بحسب المعنى، ولا تكلف في التعليل حينئذ، لكنه بحسب اللفظ بعيد، وإن كانت الايات متصلة بحسب المعنى

 

(1) يعني باب الرضا بالقضاء من الكافي ص 62. (2) مجمع البيان ج 9 ص 240 (*).

 

[52]

مسوقة لامر واحد وقد مر وجه آخر في تأويل الاية في كتاب الامامة، وأنها نازلة في أهل البيت عليهم السلام وقد بيناه هناك. وقال البيضاوي: المراد منه نفي الاسى المانع لامر الله والفرح الموجب للبطر والاختيال، والله لا يحب كل مختال فخور، إذ قل من يثبت نفسه حالي السراء والضراء انتهى (1). وروي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: الزهد كله بين كلمتين في القرآن قال الله سبحانه: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم " فمن لم يأس على الماضي، ولم يفرح بالاتي، فقد أخذ الزهد بطرفيه (2). 23 - كا: بالاسناد المتقدم، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط، وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للاخرة (3). 24 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن العلا بن رزين، عن محمد ابن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين: إن علامة الراغب في ثواب الاخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا، أما إن زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه مما قسم الله له عزوجل فيها، وإن زهد، وإن حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا لا يزيده فيها، وإن حرص، فالمغبون من حرم حظه من الاخرة (4). بيان: " إن علامة الراغب " إشارة إلى ما عرفت من أن الدنيا والاخرة ضرتان لا يجتمع حبهما في قلب، فالراغب في أحدهما زاهد في الاخر، لا محالة و إنما ادخل العاجل لانه السبب لاختيار الناس الدنيا غالبا على ثواب الاخرة آجلا أو لدلالته على عدم الثبات وقيل: لان زهرة الدنيا المتعلقة بالاجلة والاخرة كقدر ما يحتاج إليه الانسان لتحصيل ما ينفع في الاخرة لا ينافي الرغبة في ثوابها

 

(1) انوار التنزيل: 423. (2) نهج البلاغة الرقم 439 من الحكم. (4 - 3) الكافي ج 2 ص 129 (*).

 

[53]

بل معين لحصوله والمراد بزهرة الدنيا بهجتها أو نضارتها أو متاعها تشبيها له بزهرة النبات، لكونها أقل الريا حين ثباتا، وهو إشارة إلى قوله تعالى: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى " (1). قال في القاموس: الزهرة ويحرك النبات ونوره أو الاصفر منه، ومن الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها انتهى، قوله عليه السلام: " في هذه الدنيا " الاشارة للتحقير " وإن زهد " اي بالغ في الزهد، وكذا قوله: " وإن حرص " أو المراد بقوله: " وإن زهد " وإن سعى في صرفها عن نفسه، وبقوله: " وإن حرص " أي بالغ في تحصيلها، فالمراد بالزهد والحرص الاولين القلبيان، وبالاخرين الجسمانيان. والحاصل أن الرزق لكل أحد مقدر، وإن كان وصولها إليه مشروطا بقدر من السعي على ما أمره الشارع من غير إفراط يمنعه عن الطاعات، ولا تقصير كثير بترك السعي مطلقا، ولا مدخل لكثرة السعي في كثرة الرزق، فمن ترك الطاعات وارتكب المحرمات في ذلك، حرم ثواب الاخرة، ولا يزيد رزقه في الدنيا فهو مغبون، وهذا على القول بأن مقدار الرزق معين مقدر، ولا يزيد بالسعي، ولا ينقص بتركه، وعلى القول بأن الرزق المقدر الواجب على الله تعالى هو القدر الضروري ويزيد بالكسب بالسعي، فيحتاج الخبر إلى تأويل بعيد، وسيأتي الكلام فيه في محله إنشاء الله تعالى. 25 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى الخثعمي عن طلحة بن زيد، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وآله شئ من الدنيا إلا أن يكون فيها جائعا خائفا (2). بيان: " إلا أن يكون فيها " كأن الاستثناء منقطع، ويحتمل الاتصال

 

(1) طه: 131. (2) الكافي ج 2 ص 129.

 

[54]

" جائعا " أي بسبب الصوم أو الايثار على الغير أو لان الجوع موجب للقرب من الله تعالى، بخلاف الشبع، فانه موجب للبعد، مع أن في الجوع الاضطراري والصبر عليه والرضا بقضائه سبحانه لذة للمقربين " خائفا " أي من عذاب الاخرة أو من العدو في الجهاد ايضا أو لان الضراء في الدنيا مطلقا موجب للسراء في الاخرة وقد اشبعنا الكلام في جوعه وقناعه وتواضعه صلى الله عليه وآله في المأكل والملبس والمجلس وسائر أحواله في المجلد السادس. 26 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن ابن راشد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وهو محزون فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الارض، فقال: يا محمد هذه مفاتيح خزائن الدنيا، يقول لك ربك: افتح وخذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئا عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، فقال الملك: والذي بعثك بالحق لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقول في السماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح (1). بيان: " خرج النبي " أي من البيت أو إلى بعض الغزوات، وهو " محزون " لعل حزنه صلى الله عليه وآله كان لضعف المسلمين، وعدم رواج الدين، وقوة المشركين وقلة أسباب الجهاد، " من غير أن تنقص " على بناء المجهول، قال الجوهري: نقص الشئ ونقصته أنا يتعدى ولا يتعدى انتهى ويمكن أن يقرء على بناء المعلوم فالمستتر راجع إلى المفاتيح، وفي بعض النسخ على الغيبة أي ينقص أخذك شيئا من المنزلة والدرجة التي لك عندي " من لا دار له " اي في الاخرة، فالمعنى أن الذي يهتم لتحصيل الدنيا وتعميرها ليست له دار في الاخرة أو يختار الدنيا من لا يؤمن بأن له دار في الاخرة أو من لا دار له اصلا فان دار الاخرة قد فوتها ودار الدنيا لا تبقى له " ولها " اي للدنيا والعيش فيها " يجمع " الاموال والاسباب " من لا عقل له " لان العاقل لا يختار الفاني على الباقي، وربما يقرء " يجمع " على بناء

 

(1) الكافي ج 2 ص 129 (*).

 

[55]

الافعال من العزم والاهتمام، في القاموس الاجماع الاتفاق وصر أخلاف الناقة جمع، وجعل الامر جميعا بعد تفرقه والاعداد والايباس وسوق الابل جميعا والعزم على الامر أجمعت الامر وعليه والامر مجمع انتهى (1) ويناسب هذا أكثر المعاني لكن الاول اظهر. 27 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله بجدي أسك ملقى على مزبلة ميتا فقال لاصحابه: كم يساوي هذا ؟ فقالوا: لعله لو كان حيا لم يساو درهما فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذا الجدي على أهله (2). بيان: قال في النهاية: فيه أنه مر بجدي أسك اي مصطلم الاذنين مقطوعهما وفي القاموس السكك محركة الصمم، وصغر الاذن، ولزوقها بالرأس، وقلة إشرافها أو صغر قوب الاذن وضيق الصماخ يكون في الناس وغيرهم، سككت يا جدي وهي أسك وهي سكا. وأقول: روى مسلم في صحيحه هذا الحديث باسناده عن جابر بن عبد الله الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله مر بالسوق فمر بجدي اسك ميت فتناوله فأخذ باذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشئ وما نصنع به ؟ قال: تحبون أنه لكم ؟ قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه لانه أسك فكيف وهو ميت ؟ فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم. والمزبلة بفتح الباء والضم لغة: موضع يلقى فيه الزبل بالكسر وهو السرقين. 28 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد القاساني، عمن ذكره عن عبد الله بن القاسم، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصره عيوبها، ومن أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا

 

(1) القاموس ج 3 ص 15. (2) الكافي ج 2 ص 129 (*).

 

[56]

والاخرة، وقال: لم يطلب أحد الحق بباب أفضل من الزهد في الدنيا، وهو ضد لما طلب أعداء الحق. قلت: جعلت فداك مماذا ؟ قال: من الرغبة فيها، وقال: ألا من صبار كريم، وإنما هي أيام قلائل ؟ الا إنه حرام عليكم أن تجدوا طعم الايمان حتى تزهدوا في الدنيا. قال: وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا تخلى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حب الله، وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط وإنما خالط القوم حلاوة حب الله، فلم يشتغلوا بغيره. قال: وسمعته يقول: إن القلب إذا صفا ضاقت به الارض حتى يسمو (1) بيان: " وبصره عيوبها " اي الدنيا " ومن أوتيهن " أي تلك الخصال الثلاث وفيه إشعار بأنها لا تتيسر إلا بتوفيق الله تعالى " فقد أوتي " كأنه إشارة إلى قوله تعالى: " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " (2) فالحكمة العلم بالدين أصوله وفروعه، وبعيوب الدنيا والزهد فيها " لم يطلب احد الحق " أي الدين " بباب " أي بسبب ووسيلة افضل من ترك الدنيا فإنه، ليس الباعث لاختيار الباطل مع وضوح الحق وظهوره إلا حب الدنيا فانها غالبا مع أهل الباطل. ويمكن تعميم الحق في كل حكم ومسألة، فان الاغراض الدنيوية تعمي القلب عن الحق، أو المراد بالحق الرب تعالى أي قربه ووصاله " وهو " اي الزهد " ضد لما طلب أعداء الحق " وقوله " مماذا " طلب لبيان ما طلبه اعداء الحق فبين عليه السلام بقوله: " من الرغبة فيها " والرغبة وإن كانت عين الطلب، لكن جعلها مطلوبهم مبالغة، ويحتمل أن يكون " ما " في قوله: " لما طلب " مصدرية، فلا يكون " مما " للبيان بل للتعليل كما سيأتي. ويحتمل أن يكون ضمير هو راجعا إلى الحق أي الحق ضد لمطلوب أعداء

 

(1) الكافي ج 2 ص 130. (2) البقرة: 269 (*).

 

[57]

الحق، فمن في قوله: " مما " للتعليل، و " ماذا " للاستفهام أي لاي علة صار ضد الحق مطلوبهم، قال: لرغبتهم في الدنيا، وقيل: أي مماذا طلب أعداء الحق مطلوبهم. والهمزة في " ألا " للاستفهام و " لا " للنفي و " من " زائدة لعموم النفي والمعنى الا يوجد صبار كريم النفس، يصبر على الدنيا، وعلى فقرها وشدتها، ويزهد فيها وقد يقرء " صبار " بكسر الصاد وتخفيف الباء، مصدر باب المفاعلة مضافا إلى كريم، وقرء بعضهم ألا بالتشديد استثناء من الرغبة فيها أي إلا أن تكون الرغبة فيها من صبار كريم يطلبها من طرق الحلال، ويصبر على الحرام وعلى إخراج الحقوق المالية وإعانة الفقراء فان الرغبة في هذه الدنيا إنما هي للآخرة وأول الوجوه أظهرها. ثم رغب عليه السلام في الزهد وسهل تحصيله بقوله: " فانما هي " اي الدنيا " أيام قلائل " وهي أيام العمر فالصبر على ترك الشهوات وتحمل الملاذ (1) فيها سهل يسير سيما إذا كان مستلزما للراحة الطويلة الدائمة " الا إنه " الا حرف تنبيه وشبه حصول الايمان الكامل في القلب بحيث يظهر أثره في الجوارح بادراك طعم شئ لذيذ مع أن اللذات الروحانية أعظم من اللذات الجسمانية. قوله: " إذا تخلى المؤمن من الدنيا " أي جعل نفسه خالية من حب الدنيا وقطع تعلقه بها أو تفرغ للعبادة مجتنبا من الدنيا ومعرضا عنها قال في النهاية: فيه: أن تقول أسلمت وجهي إلى الله وتخليت، التخلي التفرع، يقال تخلى للعبادة وهو تفعل من الخلو والمراد التبرؤ من الشرك وعقد القلب على الايمان، وقال: السمو العلو يقال سما يسمو سموا فهو سام، ويقال: فلان يسمو إلى المعالي إذا تطاول إليها انتهى اي ارتفع من حضيض النقص إلى أوج الكمال أو مال وارتفع إلى عالم الملكوت وارتفعت همته عن التدنس بما في عالم الناسوت. " كأنه قد خولط " قال في القاموس: خالطه مخالطة وخلاطا مازجه، والخلاط

 

(1) كذا في النسخ، والظاهر تحمل المشاق، أو تجنب الملاذ (*).

 

[58]

بالكسر أن يخالط الرجل في عقله وقد خولط، وفي النهاية فيه ظن الناس أن قد خولطوا وما خولطوا، ولكن خالط قلبهم هم عظيم، يقال: خولط فلان في قلبه إذا اختل عقله، فقوله: خولط بهذا المعنى وخالط بمعنى الممازجة، وهذا أعلا درجات المحبين، حيث استقر حب الله تعالى في قلوبهم، وأخرج حب كل شئ غيره منها، فلا يلتفتون إلى غيره تعالى، ويتركون معاشرة عامة الخلق لمباينة طوره اطوارهم، فهم يعدونه سفيها مخالطا كما نسبوا الانبياء عليهم السلام إلى الجنون لذلك. " إن القلب إذا صفا " اي أن القلب اي الروح الانساني لما كان من عالم الملكوت، ولنما اهبط إلى هذا العالم الادنى أو ابتلي بالتعلق بالبدن لتحصيل الكمالات، وحيازة السعادات - كما أن الثوب قد يلوث ببعض الكثافات ليصير بعد الغسل اشد بياضا وأصفى مما كان - فإذا اختار الشقاوة وتشبث بهذه العلايق الجسمانية والشهوات الظلمانية، لحق بالانعام، بل هو أضل سبيلا، وإن تمسك بعروة الشريعة الحقة، وعمل بالنواميس الالهية، والرياضات البدنية، حتى انفتح له عين اليقين، فنظر إلى الدنيا ولذاتها بتلك العين الصحيحة، رآها ضيقة مظلمة فانية موحشة غدارة غرارة ملوثة بأنواع النجاسات المعنوية، والصفات الدنية استوحش منها وتذكر عالمه الاصلي فرغب إليها، وتعلق بها فجانب المتعلقين بهذا العالم، وآنس بالمتعلقين بالملاء الاعلى، فلحق بهم، وضاقت به الارض، وصارت همته رفيعة عالية، فلم يرض إلا با