بحار الانوار الجزء
61
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي قدس
الله سره الجزء الحادي والستون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة
الثالثة المصححة 1403 ه. 1983 م دار احياء التراث العربي
[1]
(ابواب) * (الحيوان وأصنافها وأحوالها
وأحكامها) * 1 (باب) * (عموم أحوال الحيوان واصنافها) * الآيات: الانعام " 6 ": وما
من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا امم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ
ثم إلى ربهم يحشرون 38. النحل " 16 ": ولله يسجد ما في السماوات وما في الارض من
دابة 49. وقال تعالى: ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله
إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون 79. الانبياء " 21 ": وسخرنا مع داود الجبال يسبحن
والطير وكنا فاعلين 79. النور " 24 ": ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات
والارض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون 41. وقال
تعالى: والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين
ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء ان الله على كل شئ قدير 45. النمل " 27
": وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين
* وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم
[2]
يوزعون * حتى إذا أتوا على واد النمل قالت
نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون 16 -
18. إلى قوله تعالى: وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين *
لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين * فمكث غير بعيد فقال أحطت
بما لم تحط به وجئتك من سباء بنباء يقين 20 - 22. إلى قوله سبحانه: قال سننظر أصدقت
أم كنت من الكاذبين * اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون
27 و 28. العنكبوت " 29 ": وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو
السميع العليم 60. لقمان " 31 ": وبث فيها من كل دابة 10. ص " 38 ": والطير محشورة
كل له أواب 19. الزخرف " 43 ": والذي خلق الازواج كلها 12. الجاثية " 43 ": وفي
خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون 4. الملك " 67 " أو لم يروا إلى الطير
فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير 19. التكوير " 81 ": وإذا
الوحوش حشرت 5. الفيل " 105 ": ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. إلى آخر السورة.
تفسير: قال الطبرسي قدس سره في قوله تعالى: " وما من دابة في الارض ": أي ما من
حيوان يمشي على وجه الارض " ولا طائر يطير بجناحيه " جمع بهذين اللفظين جميع
الحيوانات لانها لا تخلو أن تكون تطير بجناحيه أو تدب، وإنما قال: " يطير بجناحيه "
للتوكيد ورفع اللبس، لان القائل قد يقول: طرفي حاجتي أي أسرع فيها، أو لان السمك
تطير في الماء ولا جناح لها، وإنما خرج السمك عن الطائر لانه من دواب البحر، وإنما
أراد تعالى ما في الارض وما في الجو (1).
(1) مجمع البيان 4: 297. *
[3]
وأقول: قيل: إنها تشمل الحيتان أيضا، إما
بدخولها في الاول لانها تدب في الماء أو في الثاني، ولا يخفى بعدهما. وقال الرازي
في قوله: " إلا امم أمثالكم: " قال الفراء: يقال: كل صنف من البهائم امة، وجاء في
الحديث: " لولا أن الكلاب امة تسبح لامرت (1) بقتلها " فجعل الكلاب امة، إذا ثبت
هذا فنقول: الآية دلت على أن هذه الدواب والطيور أمثالنا، وليس فيها ما يدل على أن
هذه المماثلة في أي المعاني حصلت ولا يمكن أن يقال: المراد حصول المماثلة من كل
الوجوه وإلا لكان يجب كونها أمثالنا (2) في الصورة والصفة والخلقة، وذلك باطل، فظهر
أنه لا دلالة في الآية على أن تلك المماثلة حصلت في أي الاحوال والامور، فاختلف
الناس في تفسير الامر الذي حكم الله فيه بالمماثلة بين البشر وبين الدواب والطيور:
وذكروا فيه أقوالا: الاول: نقل الواحدي عن ابن عباس: أنه قال: [يريد يعرفونني
ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني " وإلى هذا القول ذهبت طائفة عظيمة من المفسرين
وقالوا: إن هذه الحيوانات تعرف الله وتحمده وتسبحه، واحتجوا عليه بقوله: " وإن من
شئ إلا يسبح بحمده " (3) وبقوله في صفة الحيوانات: " كل قد علم صلاته وتسبيحه " (4)
ولانه تعالى (5) خاطب النمل والهدهد. وعن أبي الدرداء قال: ابهمت عقول البهم عن كل
شئ إلا أربعة (6) أشياء:
(1) في المصدر: لو لا ان الكلاب امة من
الامم لامرت بقتلها. (2) في المصدر: امثالا لنا. (3) الاسرء: 44. (4) النور: 41.
(5) في المصدر: وبما أنه تعالى (6) في المصدر: الا عن أربعة. *
[4]
معرفة الاله، وطلب الرزق، ومعرفة الذكر
والانثى، وتهيأ كل واحد منهما لصاحبه. وروي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه
قال: من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة يعج - إلى الله تعالى يقول يا رب إن هذا
قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم يدعني فآكل من حشارة (1) الارض. الثاني أن المراد كونها
أمثالكم في كونها امما وجماعات، وفي كونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا ويأنس بعضها
ببعض ويتوالد بعضها من بعض، إلا أن للسائل أن يقول: حمل الآية على هذا الوجه لا
يفيد فائدة معتبرة، إذ معلوم لكل أحد كونها كذلك. الثالث: أن المراد أنها أمثالنا
في أن دبرها الله تعالى وخلقها وتكفل برزقها، وهذا يقرب من القول الثاني فيما ذكر.
الرابع: أن المراد أنه تعالى كما أحصى في الكتاب كل ما يتعلق بأحوال البشر من العمر
والرزق والاجل والسعادة والشقاوة، فكذلك أحصى في الكتاب جميع هذه الاحوال في حق كل
الحيوانات، قالوا: والدليل عليه قوله تعالى: " ما فرطنا في الكتاب من شئ ".
والخامس: أنه أراد تعالى أنها أمثالها (2) في أنها تحشر يوم القيامة وتوصل (3)
إليها حقوقها كما روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: يقتص للجماء من
القرناء. السادس: ما رواه الخطابي عن سفيان بن عيينة أنه لما قرأ هذه الآية قال: ما
في الارض آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم، فمنهم من يقدم إقدام الاسد ومنهم من
يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس
(1) في المصدر: (خشاش الارض) والمعنى واحد
وهو حشرات الارض. (2) في المصدر: امثالنا. (3) في المصدر: يوصل. *
[5]
كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير،
فانه لو القي إليه الطعام الطيب تركه وإذا أقام الرجل عن رجيعه ولغت (1) فيه، وكذلك
نجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، فان أخطأت مرة واحدة
حفظها، ولم يجلس مجلسا إلا رواه عنه. ثم قال: فاعلم يا أخي أنك إنما تعاشر البهائم
والسباع فبالغ في الاحتراز. ثم قال: ذهب القائلون بالتناسخ إلى أن الارواح البشرية
إن كانت سعيدة مطيعة لله موصوفة بالمعارف الحقة وبالاخلاق الطاهرة فانها بعد موتها
تنقل إلى أبدان الملوك، فربما قالوا: إنها تنقل إلى مخالطة عالم الملائكة، وإن كانت
شقية جاهلة عاصية فانها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت تلك الارواح أكثر
شقاوة واستحقاقا للعذاب نقلت إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعبا وشقاء واحتجوا على صحة
قولهم بهذه الآية فقالوا: صريح هذه الآية يدل على أنه لا دابة ولا طير إلا وهي امم
أمثالنا، ولفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية وأما الصفات
العرضية المفارقة فالمساواة فيها غير معتبرة في حصول المماثلة. ثم إن القائلين بهذا
القول زادوا عليه وقالوا: قد ثبت بهذا أن أرواح جميع الحيوانات عارفة بربها وعارفة
بما تحصل لها من السعادة والشقاوة، وأن الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولا من
جنسها. واحتجوا عليه بأنه ثبت بهذه الآية أن الدواب والطيور امم، ثم إنه تعالى قال:
" وإن من امة إلا خلا فيها نذير " (2) وذلك تصريح بأن لكل طائفة من هذه الحيوانات
رسولا أرسله الله إليه، ثم أكدوا ذلك بقصة الهدهد والنمل وسائر القصص المذكورة في
القرآن. واعلم أن القول بالتناسخ قد أبطلناه بالدلائل الجيدة في علم الاصول، وأما
(1) في المصدر: ولغ فيه. (2) فاطر: 24. *
[6]
هذه الآية فقد ذكرنا أنه يكفي في ضبط حصول
المماثلة (1) في بعض الامور المذكورة فلا حاجة إلى إثبات ما ذكره أهل التناسخ (2)
انتهى. وقال الطبرسي رحمه الله: " إلا امم " أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يشتمل كل
صنف على العدد الكثير عن مجاهد " أمثالكم " قيل: يريد أشباهكم في إبداع الله إياها
وخلقه لها ودلالته على أن لها صانعا، وقيل: إنما مثلت الامم من غير الناس بالناس في
الحاجة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وأكلهم ولباسهم ونومهم ويقظتهم وهدايتهم إلى
مراشدهم إلى ما لا يحصى كثرة من أحوالهم ومصالحهم وانهم يموتون ويحشرون. وبين بهذا
أنه لا يجوز للعباد أن يتعدوا في ظلم شئ منها فان الله خالقها والمنتصف لها. ثم قال
في قوله سبحانه: " إلى ربهم يحشرون " معناه يحشرون إلى الله بعد موتهم يوم القيامة
كما يحشر العباد، فيعوض الله تعالى ما يستحق العوض منها و ينتصف لبعضها من بعض.
وفيما رووه عن أبي هريرة أنه قال: يحشر الله الخلق يوم القيامة البهائم والدواب
والطير، وكل شئ، فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء (3)، ثم
يقول: " كوني ترابا " فلذلك يقول الكافر: " يا ليتني كنت ترابا " (4). وعن أبي ذر
قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا انتطحت (5) عنزان (6)
فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: " أتدرون فيم انتطحا ؟ فقالوا: لا ندري قال:
لكن الله يدرى
(1) في المصدر: فقد ذكرنا ما يكفى في صدق
حصول المماثلة. (2) تفسير الرازي 12: 213 - 215. (3) الجماء جمع الاجم: الكبش لا
قرن له. والقرناء جمع الاقرن: ماله قرنان. (4) النبأ: 40. (5) نطحه: اصابه بقرنه
وانتطح الكبشان: نطح احدهما الاخر، (6) في المصدر: إذ نطحت عنزان. *
[7]
وسيقضي بينهما " وعلى (1) هذا فانما جعلت
أمثالنا في الحشر والقصاص (2). واستدلت جماعة من أهل التناسخ بهذه الآية على أن
البهائم والطيور مكلفة لقوله: " امم امثالكم " وهذا باطل لانا قد بينا أنها من اي
جهة تكون أمثالنا ولو وجب حمل ذلك على العموم لوجب أن تكون أمثالنا في كونها على
مثل صورنا وهيئاتنا وخلقتنا وأخلاقنا، فكيف يصح تكليف البهائم وهي غير عاقلة ؟
والتكليف لا يصح إلا مع كمال العقل انتهى (3). وقال الرازي: للفضلاء فيه قولان:
الاول: أنه تعالى يحشر البهائم والطيور لا يصال الاعواض إليها وهو قول المعتزلة،
وذلك لان إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض ولما كان إيصال
العوض إليها واجبا فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك الاعواض إليها. والقول الثاني قول
أصحابنا: إن الايجاب على الله تعالى محال، بل الله يحشرها بمجرد الارادة والمشية
ومقتضى الالهية. واحتجوا على أن القول: بوجوب العوض على الله باطل بامور: الاول: أن
الوجوب عبارة عن كونه مستلزما للذم عند الترك، وكونه تعالى مستلزما للذم محال، لانه
كامل لذاته، والكامل لذاته لا يعقل كونه مستحقا للذم بسبب أمر منفصل، لان ما يكون
لازما بالذات لا يبطل عند عروض أمر من الخارج (4). الثاني: أنه لو حسن إيصال الضرر
إلى الغير لاجل العوض لوجب أن يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لاجل التزام العوض
من غير رضاه، وذلك باطل، فثبت أن القول بالعوض باطل. إذا عرفت هذا فلنذكر بعض
التفاريع الذي ذكر ها القاضي في هذا الباب:
(1) الظاهر الحديث ينتهى بقوله: بينهما،
وبعده من كلام الطبرسي. (2) في المصدر: والاقتصاص. (3) مجمع البيان 4: 297 و 298.
(4) زاد في المصدر حجة أخرى وهى انه تعالى مالك لكل المحدثات، والمالك يحسن تصرفه
في ملك نفسه من غير حاجة إلى العوض. *
[8]
الاول: قال: كل حيوان استحق العوض عن (1)
الله مما لحقه من الآلام و كان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا. فانه يجب على الله
حشره (2) في الآخرة ليوفر عليه العوض، والذي لا يكون كذلك فانه لا يجب حشره عقلا
إلا أنه تعالى أخبر أنه يحشر الكل، فمن حيث السمع يقطع بذلك، وإنما قلنا: إن في
الحيوانات من لا يستحق العوض البتة لانه ربما بقيت مدة حياتها مصونة عن الآلام، ثم
إنه تعالى يميتها من غير إيلام أصلا، فانه لم يثبت بالدليل أن الموت لابد وأن يحصل
معه شئ من الالام (3)، وعلى هذا التقدير فانه لا يستحق العوض البتة. الثاني: كل
حيوان أذن الله في ذبحه فالعوض على الله، وهي على أقسام: منها: ما أذن في ذبحها
لاجل الاكل، ومنها: ما أذن في ذبحها لاجل كونها مؤذية مثل السباع العادية والحشرات
المؤذية، ومنها: ما اوذي بالامراض (4). ومنها: ما أذن الله في حمل الاحمال الثقيلة
عليها واستعمالها بالافعال الشاقة، وأما إذا ظلمها الناس فذلك العوض على ذلك
الظالم، وإذا ظلم بعضها بعضا فذلك العوض على ذلك الظالم. فان قيل: إذا ذبح ما يؤكل
لحمه لا على وجه التذكية فعلى من العوض ؟ أجاب: بأن ذلك ظلم والعوض على الذابح،
ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله عن ذبح الحيوان إلا لاكله (5). الثالث: المراد
من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة والرفعة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة
وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فانها كانت
ترضى به، فهذا هو العوض الذي لاجله يحسن الايلام والاضرار.
(1) في المصدر: على الله. (2) في المصدر:
حشره عقلا. (3) في المصدر: من الايلام. (4) في المصدر: ما آلمهما بالامراض. (5) في
المصدر: الا لمأكله. *
[9]
الرابع: مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة
أن العوض منقطع، قال القاضي: وهو قول أكثر المفسرين لانه قال: إنه تعالى بعد توفير
العوض عليها يجعلها ترابا وعنده يقول الكافر: " يا ليتني كنت ترابا " (1). قال أبو
القاسم: يجب كون العوض دائما (2). واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن من الواحد منا
أن يلتزم عملا شاقا لمنفعة منقطعة (3)، فعلمنا أن إيصال الالم إلى الغير غير مشروط
بدوام الاجر (4). واحتج البلخي على قوله بأن قال: لا يمكن قطع ذلك العوض إلا باماتة
تلك البهيمة، وإماتتها توجب الالم وذلك الالم يوجب عوضا آخر وهكذا إلى مالا آخر له.
والجواب عنه، أنه لم يثبت بالدليل أن الاماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع الايلام.
الخامس: أن البهيمة إذا استحقت على بهيمة اخرى عوضا فان كانت البهيمة الظالمة قد
استحقت على الله عوضا فان الله تعالى ينقل ذلك العوض إلى المظلوم وإن لم يكن الامر
كذلك فالله تعالى يكمل هذا العوض فهذا مختصر من أحكام الاعواض على قول المعتزلة
انتهى كلامه في هذا المقام (5). وقال في قوله تعالى: " ولله يسجد ": قد ذكرنا أن
السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله، وسجود عبارة عن الانقياد
والخضوع (6)، ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنها في أنفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة
لهما، فانه لا يرجح (7)
(1) النبأ: 40. (2) في المصدر: يجب أن
يكون العوض دائما. (3) في المصدر والاجرة منقطعة. (4) في المصدر الاجرة. (5) تفسير
الرازي 12: 218 - 220. (6) في المصدر: عن الانقياد لله تعالى والخضوع. (7) في
المصدر وانه لا يترجح. *
[10]
أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح، فمن (1)
الناس من قال: المراد هنا المعنى الثاني لان اللائق بالدابة ليس له إلا هذا السجود،
ومنهم من قال: المراد هو المعنى الاول لانه اللائق بالملائكة، ومنهم من قال: هو لفظ
مشترك وحمل المشترك على معنييه جائز وهو ضعيف (2). وقال في قوله تعالى: " ألم يروا
إلى الطير " هذا دليل آخر على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، فانه لولا أنه تعالى
خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران، و خلق الجو خلقة معها يمكن الطيران فيها (3)
لما أمكن ذلك، فانه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره اخرى، مثل ما يعمل
السابح في الماء، وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل خرقه (4) والنفاذ فيه، ولولا
ذلك لما كان الطيران ممكنا، " ما يمسكهن إلا الله " المعنى أن جسد الطير جسم ثقيل،
والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فوجب
أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى، قال القاضي: إنما أضاف الله تعالى
هذا الامساك إلى نفسه لانه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لاجلها يتمكن الطير من
تلك الافعال، فلما كان تعالى هو السبب لذلك لاجرم صحت الاضافة انتهى (5). قوله
تعالى: " والطير " أي والطير أيضا تسبح، وقد مر أن تسبيحها إما محمول على الحقيقة
بناء على شعورها، أو جعلها الله في هذا الوقت ذات شعور معجزة لداود عليه السلام، أو
تسبيحها بلسان الحال، كما مر في تسبيح الجمادات، أو هو من السباحة قال الرازي: وأما
الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام، ولكن أجمعت الامة على
(1) نقله المصنف من هنا إلى آخر كلامه
باختصار. (2) تفسير الرازي 20: 42 و 44. (3) في المصدر: الطيران فيه. (4) في المصدر
يسهل بسببها خرقه. (5) تفسير الرازي 2: 90 و 91 فيه: فلما كان تعالى هو المسبب لذلك
لا جرم صحت هذه الاضافة إلى الله تعالى. *
[11]
أن المكلفين إما الجن أو الانس أو
الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف، بل يكون حاله (1) كحال
الطفل في أن يؤمر وينهى وإن لم يكن مكلفا فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم
بمنزلة المرافق (2). وقال الطبرسي رحمه الله: تسخير الطير له تسبيح يدل على أن
مسخرها قادر لا يجوز عليه ما يجوز على العباد، عن الجبائي وعلي بن عيسى، وقيل: إن
الطير كانت تسبح معه بالغداة والعشي معجزة له عن وهب، " وكنا فاعلين " أي قادرين
على فعل هذه الاشياء، ففعلناها دلالة على نبوته (3). قوله سبحانه: " ألم تر " قال
الرازي: أي ألم تعلم، وظاهره الاستفهام والمراد به التقرير والبيان. واعلم: أنه إما
أن يكون المراد من التسبيح دلالته بهذه الاشياء (4) على كونه تعالى منزها عن
النقائص موصوفا بنعوت الجلال (5)، وإما أن يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على
التنزيه، وفي حق الباقين النطق باللسان، والاول: أقرب وأما القسم الثالث: فهو أن
يقال: استعمل اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معا وهو غير جائز فلم يبق إلا الاول.
فان قيل: فالتسبيح بها المعنى حاصل لجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه هنا بالعقلآء ؟
قلنا: لان خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه، لان العجائب فيها أكثر
(6).
(1) في المصدر: بل تكون على حالة. (2)
تفسير الرازي 22: 200. (3) مجمع البيان 7: 58. (4) في المصدر: دلالة هذه الاشياء.
(5) زاد في المصدر: واما ان يكون المراد منه أنها تنطق بالتسبيح وتتكلم به. (6) في
المصدر: لان العجائب والغرائب في خلقهم أكثر وهى العقل والنطق والفهم. *
[12]
ولما ذكر (1) أن أهل السماوات وأهل الارض
يسبحون ذكر أن الذين استقروا في الهواء وهو الطير يسبحون، وذلك لان إعطاء الجرم
الثقيل القوة التي تقوى بها على الوقوف في جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها
من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدبر سبحانه، وجعل طيرانها
سجودا منها له سبحانه وذلك يؤكد ما ذكرناه أن المراد من التسبيح دلالة هذه الامور
على التنزيه لا النطق اللساني، " كل قد علم " أي علم الله ويدل عليه قوله: " والله
عليم بما يفعلون " هو اختيار جمهور المتكلمين. والثاني: أن يعود الضمير في علم،
والصلاة، والتسبيح، على لفظ " كل " أي انهم يعلمون ما يجب عليهم من الصلاة
والتسبيح. والثالث: أن تكون الهاء راجعة إلى الله (2)، يعنى قد علم كل مسبح وكل مصل
صلاته (3) التي كلفه إياها، وعلى هذين التقديرين فقوله: " والله عليم " استيناف.
وروي عن أبي ثابت قال: كنت جالسا عند أبي جعفر (4) الباقر عليه السلام فقال لي:
أتدرى ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها ؟ قال (5): فانهن يقدسن
ربهن ويسألنه قوت يومهن. واستبعد المتكلمون ذلك، فقالوا: الطير لو كانت عارفة بالله
لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا، لكنها ليست كذلك فانا نعلم بالضرورة
أنها أشد نقصانا
(1) فيه اختصار، وتمامه على ما في المصدر:
اما قوله تعالى: " والطير صافات " فلقائل أن يقول: ما وجه اتصال هذا بما قبله ؟
والجواب انه سبحانه لما ذكر. (2) في المصدر: على ذكر الله. (3) في المصدر: صلاة
الله. (4) في المصدر: " محمد بن جعفر الباقر " ولعله تصحيف من النساخ. (5) في
المصدر: قال: لا، قال. *
[13]
من الصبي الذين لا يعرف هذه الامور، فبأن
يمتنع ذلك فيها أولى، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله استحال كونها مسبحة له بالنطق
فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال. ثم ذكر كثيرا من الحيل الدقيقة الصادرة عن
الحيوانات كما سيأتي، واستدل بها على شعورها وعقلها، ثم قال: والاكياس من العقلاء
يعجزون عن أمثال هذه الحيل، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال: إنها ملهمة عن الله
سبحانه بمعرفته والثناء عليه وكانت (1) غير عارفة بسائر الامور التي يعرفها الناس ؟
ولله در شهاب السمعاني حيث قال: جل جناب العز والجلال، عن أن يوزن بميزان الاعتزال
(2). وقال في قوله سبحانه: " والله خلق كل دابة من ماء " في هذه الآية سئوالات:
الاول: قال الله: " خلق كل دابة من ماء " مع أن كثيرا من الحيوانات غير مخلوقة من
الماء كالملائكة (3)، وهو أعظم المخلوقات عددا، وأنهم (4) مخلوقون من النور، وأما
الجن فهم مخلوقون من النار، وخلق الله آدم من التراب (5) وخلق الله عيسى من الريح
لقوله: " فنفخنا فيه من روحنا " (6). وأيضا نرى أن كثيرا من الحيوانات يتولد لا عن
النطفة. والجواب من وجوه: أحدها وهو الاحسن ما قاله القفال: وهو أن " من ماء " صلة
" كل دابة " وليس هو من صلة " خلق " أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله.
وثانيها: أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما روي " أول ما خلق الله تعالى جوهرة
فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور "
(1) في المصدر: وان كانت. (2) تفسير
الرازي 24: 10 - 12. (3) في المصدر: اما الملائكة. (4) في المصدر: وهم مخلوقون. (5)
زاد في المصدر: لقوله: " خلقه من تراب " أقول: الاية في آل عمران: 59. (6) التحريم:
12. *
[14]
ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل
الخلقة وكان الاصل الاول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه. وثالثها: أن المراد
من الدابة، الذي يدب (1) على وجه الارض ومسكنهم هناك لتخرج الملائكة والجن (2)،
ولما كان الغالب جدا من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء إما لانها متولدة من
النطفة، وإما لانها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق الكل تنزيلا للغالب منزلة الكل.
الثاني: لم سمي الزحف على البطن مشيا ؟ والجواب هذا على سبيل الاستعارة كمايقال:
فلان لا يمشي له أمر، وعلى طريق المشاكلة. الثالث: أنه لم تنحصر (3) القسمة، لانا
نجد ما يمشي على أكثر من أربع مثل العناكب والعقارب ومثل الحيوان الذي له أربع
وأربعون رجلا الذي يسمى دخال الاذن. والجواب: القسم الذي ذكرتم كالنادر فكان ملحقا
بالعدم، ولان الفلاسفة يقولون: ماله قوائم كثيرة فالاعتماد له إذا مشى على أربع
جهاته لا غير فكأنه يمشي على أربع ولان قوله: " يخلق الله ما يشاء " تنبيه على أن
الحيوانات كما اختلف بحسب كيفية المشي فكذا هي مختلفة بحسب امور اخر. ولنذكر هيهنا
بعض تلك التقسيمات: التقسيم الاول: الحيوانات قد تشترك في أعضاء وقد تتباين بأعضاء،
أما الشركة: فمثل اشتراك الانسان والفرس في أن لهما لحما وعصبا وعظما، وأما
التباين: فاما أن يكون في نفس العضو، أو في صفته.
(1) في المصدر: التى تدب. (3) في المصدر:
فيخرج عنه الملائكة والجن. (3) في المصدر: لم يستوف القسمة. *
[15]
أما الاول، فعلى وجهين: أحدهما: أن لا
يكون العضو حاصلا للآخر وإن كانت أجزاؤه حاصلة للثاني، كالفرس والانسان، فان الفرس
له ذنب، والانسان ليس له ذنب ولكن أجزاء الذنب ليس إلا العظم والعصب واللحم والجلد
والشعر، وكل ذلك حاصل للانسان. والثاني: أن لا يكون ذلك العضو حاصلا للثاني لا
بذاته ولا بأجزائه، مثل أن للسلحفاة صدفا يحيط به وليس للانسان، وللسمك فلوس (1)،
وللقنفذ شوك، وليس شئ منها للانسان. وأما التباين في صفة العضو، فأما أن يكون من
باب الكمية، أو الكيفية أو الوضع، أو الفعل، أو الانفعال، أما الذي في الكمية، فاما
أن يتعلق بالمقدار مثل أن عين البوم كبيرة وعن العقاب صغيرة، أو بالعدد مثل أن أرجل
بعض العناكب ستة وأرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة، والذي في الكيفية فكاختلافها في
الالوان والاشكال والصلابة واللين، والذي في الوضع: فمثل اختلاف وضع ثدي الفيل فانه
قريب من الصدور، وثدي الفرس فانه عند السرة، وأما الذي في الفعل: فمثل كون اذن
الفيل للذب (2) مع كونه آلة للسمع، وليس كذلك الانسان (3) وكون أنفه آلة للقبض دون
أنف غيره، وأما الذي في الانفعال: فمثل كون عين الخفاش سريعة التحير في الوضوء،
وعين الخطاف خلاف ذلك. التقسيم الثاني للحيوان: إما أن يكون مائيا بأن يكون مسكنه
الاصلي هو الماء، أو أرضيا، أو يكون مائيا ثم يصير أرضيا، أما الحيوانات المائية:
فتعتبر أحوالها من وجوه الاول: إما أن يكون مكانه وغذاؤه ونفسه مائيا فله بدل
التنفس
(1) في المصدر، وليس للانسان ذلك وكذا
للسمك فلوس. (2) في المصدر: صالحا للذب. (3) في المصدر: في الانسان. *
[16]
جذب الماء إلى بطنه ثم رده (1) ولا يعيش
إذا فارقه، والسمك كله كذلك (2) أو مكانه وغذاؤه مائي، لا يتنفس ولا يستنشق مثل
أصناف من الصدف لا تظهر للهواء ولا تستدخل الماء إلى باطنها. الثاني: الحيوانات
المائية بعضها ماؤها الانهار الجارية، وبعضها ماؤها البطائح مثل الضفادع، وبعضها
ماؤها مياه البحر (3). الثالث: منها لجية، ومنها شطية، ومنها طينية، ومنها صخرية.
الوجه الرابع: الحيوان المنتقل في الماء منه ما يعتمد في غوصه على رأسه وفي السباحة
على أجنحته كالسمك، ومنه ما يعتمد في السباحة على أرجله كالضفادع ومنه ما يمشى في
قعر الماء كالسرطان، ومنه ما يزحف مثل ضرب من السمك لا جناح له كالدود. وأما
الحيوانات البرية: فتعتبر أحوالها أيضا من وجهين. الاول: أن منها ما يتنفس من طريق
واحد كالفم والخيشوم، ومنه ما لا يتنفس كذلك بل على نحو آخر (4) مثل الزنبور
والنحل. الثاني: أن الحيوانات الارضية منها: ماله مأوى معلوم، ومنها: ما مأواه كيف
اتفق إلا أن تلد فيقيم للحضانة واللواتي لها مأوى: فبعضها مأواه قلة رابية (5)،
وبعضها مأواه وجه الارض.
(1) في المصدر: فله بدل التنفس في الهواء
التنشق المائى فهو يقبل الماء إلى باطنه ثم يرده. (2) سقط هنا قسم آخر فهو على ما
في المصدر: ومنه ما كان مكانه وغذاؤه مائى ولكن يتنفس من الهواء مثل السلحفاة
المائية. (3) في المصدر: بعضها مأواها مياه الانهار الجارية وبعضها مياه البطائح
وبعضها مأواها مياه البحر. (4) في المصدر: بل على نحو آخر من مسامه. (5) في المصدر:
فبعضها مأواه وشق وبعضها حفر وبعضها مأواه قلة رابية. *
[17]
الثالث: الحيوان البري كل طائر منه ذو
جناحين فانه يمشي برجليه ومن جملة ذلك مشيه صعب عليه كالخطاف الكبير الاسود
والخفاش، وأما الذي جناحه جلد أو غشاء فقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة
تطير. الرابع: الطير تختلف فبعضها تتعايش معا كالكراكي، وبعضها تعيش منفردا كالعقاب
وجميع الجوارح التي تتنازع على الطعم لاحتياجها إلى الاجتهاد لتصيد (1) ومنها: ما
تتعايش زوجا كالقطا، ومنها: ما تجتمع تارة وتنفرد اخرى، ثم ان المنفرد قد تكون
مدنية وقد تكون برية صرفة وقد تكون بستانية. والانسان من بين الحيوان: هو الذي لا
يمكنه أن يعيش وحده، فان أسباب حياته ومعيشته تلتئم بالمشاركة المدنية، والنحل وبعض
الفراش يشارك الانسان في ذلك، لكن الحدا والكراكي (2) تطيع رئيسا واحدا. والنمل:
لها اجتماع ولا رئيس لها. الخامس: الطير منه آكل لحم ومنه لا قط حب ومنه آكل عشب،
وقد يكون للبعض طعم معين كالنحل فان غذاءه الزهر، والعنكبوت فان غذاءه الذباب، وقد
يكون بعضه متفق الطعم. وأما القسم الثالث: وهو الحيوان الذي يكون تارة مائيا واخرى
بريا فيقال: إنه حيوان يكون في البحر ويعيش فيه ثم إنه يبرز إلى البر ويبقى فيه
القسم الثالث: منه ما هو إنسي بالطبع، فمنه ما يسرع استيناسه (3) ويبقى
(1) في المصدر: إلى الاحتيال لتصيد
ومنافستها فيه. (2) في المصدر: والنحل والنمل وبعض الغرانيق يشارك الانسان في ذلك
لكن النحل والكراكي. (3) الظاهر أن نسخة المصنف كانت ناقصة، والصحيح كما في المصدر:
الحيوان منه ما هو انسى بالطبع كالانسان ومنه ما هو انسى بالمولد كالهرة والفرس،
ومنه ما هو انسى بالقسر كالفهد، ومنه مالا يأنس كالنمر، والمستأنس بالقسر منه ما
يسرع استئناسه. *
[18]
مستأنسا كالفيل، ومنه ما يبطئ كالاسد،
ويشبه أن يكون من كل نوع صنف أنسي وصنف وحشي حتى من الناس. التقسيم الرابع: من
الحيوان ما هو مصوت ومنه ما لا صوت له، وكل مصوت فانه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة
الجماع أشد تصويتا حتى الانسان (1)، ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف
له وقت معين. التقسيم الخامس: بعض الحيوانات هادئ الطبع قليل الغضب مثل البقر وبعضه
شديد الجهل حاد الغضب كالخنزير البري، وبعضها حليم حمول كالبعير، وبعضها سريع
الحركات كالحية (2)، وبعضها قوي جرئ شهم كبير النفس كريم الطبع كالاسد، ومنها قوي
محتال (3) وحشي كالذئب، وبعضها محتال مكار ذي الحركات (4) كالثعلب، وبعضها غضوب
شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد كالكلب وبعضها شديد اللين مستأنس كالفيل والقرد،
وبعضها حسود مباه (5) بجماله كالطاووس وبعضها شديد الحفظ (6) كالجمل والحمار لا
ينسى كل منهما الطريق الذي رآه. التقسيم السادس: من الحيوانات ما تناسله بأن تلد
حيوانا (7)، وبعضها ما تناسله بأن تلد انثاه دودا (8) انتهى. وقال النيسابوري منه
ولود، ومنه بيوض، وكل اذون ولود، وكل
(1) الصحيح كما في المصدر: الا الانسان.
(2) في المصدر: وبعضها ردئ الحركات مغتال كالحية. (3) في المصدر: مغتال. (4) في
المصدر: ردئ الحركات. (5) في المصدر: متباه. (6) في المصدر شديد التحفظ. (7) في
المصدر: ان تلد انثاه حيوانا. (8) تفسير الرازي 24: 16 - 19 زاد فيه بعد ذلك:
كالنحل والعنكبوت فانها تلد دودا ثم ان اعضاءه تستكمل بعده، وبعضها تناسله بأن تبيض
انثاه بيضا. *
[19]
صموخ بيوض سوى الخشاف. وفي قوله: " إن
الله على كل شئ قدير " إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون
إلا عن قادر مختار قهار (1) انتهى. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وعلمنا منطق
الطير ": النطق والمنطق في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردا كان أو
مركبا، وقد يطلق لكل ما يصوت به على التشبيه والتبع، كقولهم: نطقت الحمامة، ومنه
الناطق والصامت للحيوان والجماد، فان الاصوات الحيوانية من حيث أنها تابعة للتخيلات
منزلة منزلة العبارات، سيما وفيها ما تتفاوت باختلاف الاغراض بحيث يفهمها ما من
جنسه (2)، ولعل سليمان مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية التخيل الذي صوته
والغرض الذي توخاه (3) به، ومن ذلك ما حكي أنه مر ببلبل يتصوت ويترقص، فقال: يقول:
" إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدينا العفا " وصاحت فاختة فقال: إنها تقول: " ليت الخلق
لم يخلقوا " فلعله كان صوت البلبل عن شبع وفراغ بال، وصياح الفاختة عن مقاساة شدة
وتألم قلب، " فهم يوزعون " يحبسون بحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا " حتى إذا أتوا
على واد النمل ": واد بالشام كثير النمل، والتعدية " بعلى " إما لان إتيانهم كان من
على، أو لان المراد قطعه من قولهم: أتى الشئ: إذا أنفده وبلغ آخره، كأنهم أرادوا أن
ينزلوا اخريات الوادي " قالت نملة " كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت عنهم
مخافة حطمهم فتبعها غيره (4) فصاحت صيحة نبهت (5) بها ما بحضرتها من النمال
فتبعتها، فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم، ولذلك أجروا مجراهم، مع أنه لا يمتنع
أن خلق
(1) تفسير النيسابوري 3: 91 فيه: الا عن
فاعل مختار قدير قهار. (2) في المصدر: ما هو من جنسه. (3) توخى الامر: تعمده وتطلبه
دون سواه. (4) في المصدر: غيرها. (5) في المصدر: تنبهت. *
[20]
الله فيها العقل والنطق (1). وقال
النيسابوري: قال المفسرون: إنه تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل (2)، وليس كذلك
حال الطير في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة
إليها، يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لاصحابه: إنه يقول: " أكلت نصف تمرة وعلى
الدنيا العفاء " أي التراب، وصاحت فاختة فأخبر الناس أنها تقول: " ليت ذا الخلق لم
يخلقوا " وصاح طاووس فقال: يقول: " كما تدين تدان " وأخبر أن الهدهد يقول: "
استغفروا الله يا مذنبون " والخطاف يقول: " قدموا خيرا تجدوه " والرخمة (3) تقول: "
سبحان ربي الاعلى ملء سمائه وأرضه " والقمري يقول: " سبحان ربي الاعلى " والقطاة
تقول: " من سكت سلم " والببغاء (4) تقول: " ويل لمن الدنيا همه " والديك يقول: "
اذكروا الله يا غافلون " والنسر يقول: " يا بن آدم عش ما شئت وآخرك الموت " والعقاب
يقول: " في البعد من الناس انس " (5). وقال الطبرسي قدس سره: أهل العربية يقولون:
لا يطلق النطق على غير بني آدم، وإنما يقال: الصوت لان النطق عبارة عن الكلام ولا
كلام للطير إلا أنه لما فهم سليمان معنى صوت الطير سماه منطقا مجازا، وقيل: إنه
أراد حقيقة
(1) انوار التنزيل 2: 194 و 195. (2) هذا
بعيد في الغاية، وكأن قائل ذلك لما لم يتيسر له فهم الاية تمسك بذلك. (3) الرخمة
بالتحريك: طائر أبقع يشبه النسر في الخلقة، وكنيتها ام جعران وام رسالة وام عجيبة
وام كبير، ويقال لها: الانوق. قال الدميري: من طبع هذا الطائر انه لا يرضى من
الجبال الا بالموحش منها ولا من الاماكن باسحقها وابعدها من اماكن اعدائه ولا من
الهضاب الا بصخورها، والانثى منه لا تمكن من نفسها غير ذكرها وتبيض بيضة واحدة
وربما أتأمت. (4) الببغاء: طائر اخضر يسمى بالدرة والطوطى. (5) تفسير النيسابوري 3:
135. *
[21]
المنطق لان من الطير ما له كلام يهجي
كالطوطي، قال المبرد: العرب تسمي كل مبين عن نفسه ناطقا ومتكلما، وقال علي بن عيسى:
إن الطير كانت تكلم سليمان معجزة له كما أخبر عن الهدهد، ومنطق الطير صوت تتفاهم به
معانيها على صيغة واحدة، بخلاف منطق الذي يتفاهمون به المعاني على صيغ مختلفة،
ولذلك لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها ولم تفهم هي عنا، لان أفهامنا مقصورة على تلك
الامور المخصوصة، ولما جعل سليمان يفهم عنها كان قد علم منطقها (1). وقال رحمه
الله: واختلف في سبب تفقده (2) للهدهد من بين الطير فقيل: إنه احتاج إليه في سفره
ليدله على الماء لانه يقال: إنه يرى الماء في بطن الارض كما نراه في القارورة عن
ابن عباس، وروى العياشي بالاسناد: قال: قال ابو حنيفة لابي عبد الله عليه السلام:
كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير ؟ قال: لان الهدهد يرى الماء في بطن الارض كما
يرى أحدكم الدهن في القارورة، فنظر أبو حنيفة إلى أصحابه وضحك، قال أبو عبد الله
عليه السلام: ما يضحكك ؟ قال: ظفرت بك جعلت فداك قال: وكيف ذاك ؟ قال: الذي يرى
الماء في بطن الارض لا يرى الفخ في التراب حتى تأخذ بعنقه ؟ ! قال أبو عبد الله
عليه السلام: يا نعمان أما علمت أنه إذا نزل القدر أغشى البصر (3). ثم قال رحمه
الله في قوله: " لاعذبنه " كما صح نطق الطير وتكليفه في زمانه معجزة له جازت
معاتبته على ما وقع منه من تقصير فإنه كان مأمورا بطاعته فاستحق العقاب على غيبته
(4). وقال في قوله تعالى: " وزين لهم الشيطان " الآية، قال الجبائي: لم يكن
(1) مجمع البيان 7: 214. (2) في المصدر:
تفقده الهدهد. (3) مجمع البيان 7: 217 و 218. (4) مجمع البيان 7: 218. *
[22]
الهدهد عارفا بالله تعالى، وإنما أخبر
بذلك كما يخبر مراهقوا صبياننا لانه لا تكليف إلا على الملائكة والانس والجن،
فيرانا الصبي على عبادة الله فيتصور أن ما خالفها باطل، فكذلك الهدهد تصور له أن ما
خالف فعل سليمان باطل، وهذا الذي ذكره خلاف ظاهر القرآن لانه لا يجوز أن يفرق بين
الحق الذي هو السجود لله وبين الباطل الذي هو السجود للشمس، وأن أحدهما حسن، والآخر
قبيح إلا العارف بالله سبحانه وبما يجوز عليه وبما لا يجوز، هذا مع نسبة تزيين
أعمالهم وصدهم عن طريق الحق إلى الشيطان، وهذه مقالة من يعرف العدل وأن القبيح غير
جائز على الله تعالى (1). وقال قدس سره في قوله سبحانه في سورة العنكبوت: " وكأين
من دابة لا تحمل رزقها ": أي وكم من دابة لا يكون رزقها مدخرا معدا عن الحسن، وقيل:
معناه لا يطيق حمل رزقها لضعفها وتأكل بأفواهها، عن مجاهد، وقيل، إن الحيوان أجمع
من البهائم والطيور وغيرهما مما يدب على وجه الارض لا يدخر القوت لغدها إلا بني آدم
والنملة والفارة، بل تأكل منها قدر كفايتها فقط، عن ابن عباس، " الله يرزقها واياكم
" أي يرزق تلك الدابة الضعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها ويرزقكم أيضا فلا تتركوا
الهجرة بهذا السبب، عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
حتى دخل بعض حيطان الانصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال: يا ابن عمر مالك لا
تأكل ؟ فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله، فقال: ولكني أشتهيه وهذه صبيحة رابعة منذ لم
أذق طعاما ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا
وبقيت مع قوم يخبؤن رزق سنتهم لضعف اليقين فوالله ما برحنا حتى نزلت الآية " وهو
السميع " أي لاقوالكم عند مفارقة أوطانكم " العليم " بأحوالكم لا يخفى عليه شئ من
سركم وإعلانكم (2).
(1) مجمع البيان 7: 218. (2) مجمع البيان
8: 291. *
[23]
وقال قدس الله روحه: " والطير " أي وسخرنا
الطير " محشورة " أي مجموعة إليه تسبح الله تعالى معه " كل " يعني كل الطير والجبال
" له أواب " رجاع إلى ما يريد، مطيع له بالتسبيح معه، قال الجبائي: لا يمتنع أن
يكون الله تعالى خلق في الطيور من المعارف ما يفهم به أمر داود ونهيه فيطيعه فيما
يريد منها وإن لم تكن كاملة العقل مكلفة (1). وقال الرازي: فان قيل: كيف يصدر تسبيح
الله عن الطير مع أنه لا عقل له ؟ قلنا: لا يبعد أن يقال: إن الله تعالى كان يخلق
لها عقولا حتى تعرف الله فتسبحه حينئذ، وكل ذلك كان معجزة لداود عليه السلام انتهى
(2). " خلق الازواج كلها " قيل: يعني أزواج الحيوان من ذكر وانثى، وقيل: أي
الاشكال، وقيل: أي الاصناف، وقيل: كل ممكن فهو زوج تركيبي. والواحد الحق والفرد
والمطلق هو الله تعالى، " وما يبث من دابة " أي وفي خلق ما يفرق على وجه الارض من
الحيوان على اختلاف أجناسها ومنافعها والمقاصد المطلوبة منها دلالات واضحات على
وجوده سبحانه وعلمه وقدرته وحكمته ولطفه " لقوم يوقنون " قيل: أي يطلبون علم اليقين
بالتدبر والتفكر. قوله سبحانه: " صافات " قيل: أي باسطات أجنحتهن في الجو عند
طيرانها فانهن إذا بسطنها صففن قوادمها " ويقبضن " أي ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن
وقتا بعد وقت للاستظهار به على التحرك، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل للتفرقة بين
الاصيل في الطيران والطاري عليه " ما يمسكهن " في الجو على خلاف طبعهن " إلا الرحمن
" الشامل رحمته كل شئ بأن خلقهن على أشكال وخصائص هيئاتهن للحركة في الهواء " إنه
بكل شئ بصير " يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبر العجائب. وأقول: في سورة الفيل وقصته
دلالة على شعور الحيوانات وكونها مطيعة
(1) مجمع البيان 8: 496 فيه: [تفهم] وفيه:
فتطيعه. (2) تفسير الرازي 26: 186 فيه: " لا عقل لهما " وفيه: عقلا. *
[24]
لامره سبحانه، فان الظاهر أن الطيور كانت
حيوانات ولم تكن من الملائكة وإن احتملت ذلك، وكذا الفيلة حيث امتنعت من دخول الحرم
وفهمت كلام عبد المطلب وسجدت له رضي الله عنه كما مر مفصلا في ذكر تلك القصة، نعم:
يمكن أن يكون الله تعالى جعلها في ذلك الوقت ذوات شعور ومعرفة كرامة للبيت وعبد
المطلب وإرهاصا لنبوة نبينا صلى الله عليه واله وسلم. 1 - تفسير علي بن إبراهيم: عن
أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد، عن الوشاء عن صديق بن
عبد الله عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد - الله عليه السلام قال: ما من طير يصاد في
بر ولابحر ولا يصاد شئ من الوحوش إلا بتضييعه التسبيح (1). العياشي: عن إسحاق مثله
(2). 2 - التفسير: [والله خلق كل دابة من ماء] أي من مني (3) [فمنهم من يمشي على
بطنه ومنهم من يمشي علي رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله
على كل شئ قدير] قال: على رجلين الناس، وعلى بطنه الحيات، وعلى أربع البهايم، وقال
أبو عبد الله عليه السلام: ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك (4). بيان: قال الدميري:
قال الجاحظ: الحيوان على أربعة أقسام: شئ يمشي وشئ يطير، وشئ يعوم (5)، وشئ ينساخ
في الارض إلا أن كل طاير يمشي (6) وليس كل شئ يمشي يطير (7) فالنوع الذي يمشي هو
على ثلاثة أقسام: ناس
(1) تفسير القمى: 459. (2) تفسير العياشي
(3) في التفسير المطبوع: أي من مياه. (4) تفسير القمى: 459. (5) عام في الماء: سبح.
(6) في المصدر: كل شئ يطير يمشى. (7) في نسخة: وليس كل شئ يمشى فهو طائر. *
[25]
وبهائم وسباع، والطير كله سبع وبهيمة
وهمج، والخشاش: ما لطف جرمه وصغر جسمه (1) وكان عديم السلاح، والهمج: ليس من الطير
ولكنه يطير، وهو فيما يطير كالحشرات فيما يمشي، والسبع من الطير: ما أكل اللحم
خالصا، والبهيمة: ما أكل الحب خالصا، والمشترك كالعصفور فانه ليس بذي مخلب ولا منسر
وهو يلقط الحب، وهو مع ذلك يصيد النمل إذا طار، ويصيد الجراد، ويأكل اللحم ولا يزق
فراخه كما يزق الحمام فهو مشترك الطبيعة، وأشباه العصافير من المشترك كثيرة وليس كل
ما طار بجناحين من الطير، فقد يطير الجعلان والذباب والزنابير والجراد والنمل
والبعوض والفراش والارضة والنحل وغير ذلك ولا يسمى طيورا، وكذلك الملائكة تطير ولها
أجنحة وليست من الطير، وكذلك جعفر بن أبي طالب ذو جناحين يطير بهما في الجنة وليس
من الطير (2). 3 - قرب الاسناد: عن سعد بن طريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه
عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إنه ما يصاد من الطير
إلا بتضييعهم التسبيح (3). 4 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل عن محمد بن يحيي
العطار عن الحسين ابن الحسن بن أبان عن محمد بن اورمة عن عبد الله بن محمد عن حماد
بن عثمان عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: كانت الوحوش والطير والسباع وكل شئ
خلق الله عزوجل مختلطا بعضه ببعض، فلما قتل ابن آدم أخاه نفرت وفزعت فذهب كل شئ إلى
شكله (4).
(1) في نسخة: وصغر شخصه. (2) حياة
الحيوان: 206 (مادة الحيوان). (3) قرب الاسناد: 55 فيه: داووا مرضاكم بالصدقة،
وادفعوا ابواب البلاء بالدعاء وحصنوا اموالكم بالزكاة فانه ما يصاد ما تصيد من
الطير. (4) علل الشرائع 1: 5. *
[26]
5 - ومنه: عن أبيه عن محمد بن يحيي العطار
عن محمد بن أحمد الاشعري عن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي عن رجل عن ابن أسباط عن
عمه يعقوب رفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام قال: إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق
(1) الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، فانهم يرون (2) ما لا ترون، فافعلوا
ما تؤمرون الخبر (3). 6 - مجالس ابن الشيخ: عن جماعة، عن أبي المفضل الشيباني عن
أحمد بن عبد الله بن عمار الثقفي الكاتب: عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن
محمد بن الحارث (4) بن بشير الدهني، عن القاسم بن الفضل بن عمرة القيسي، عن عباد
المنقري (5) عن أبي عبد الله جعفر بن محمد قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي
ابن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين قال: مر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
بظبية مربوطة بطنب فسطاط، فلما رأت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أطلق الله
عزوجل لها من لسانها فكلمته فقالت: يا رسول الله إني ام خشفين (6) عطشانين وهذا
ضرعي قد امتلا لبنا فخلني حتى أنطلق (7) فأرضعهما ثم أعود فتربطني (8) كما كنت،
فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: كيف وأنت ربيطة قوم وصيدهم ؟ قالت:
بلى يا رسول الله أنا أجيئ فتربطني كما كنت أنت بيدك (9) فأخذ عليها موثقا من الله
لتعودن، وخلى سبيلها
(1) في المصدر: ونهيق الحمير. (2) الصحيح
كما في بعض نسخ المصدر: فانهن يرون. (3) علل الشرايع 2: 270 وللحديث صدر وذيل
تركهما المنصف. (4) في نسخة من المصدر: الحرب. (5) في المصدر: [عميرة العبسى: عن
حماد المقرئ] وفى بعض النسخ: عباد المقرئ. (6) الخشف بتثليث الخاء: ولد الظبى أول
ما يولد. (7) في المصدر: لانطلق. (8) في المصدر: فيربطني. (9) في المصدر: سأجيئ
فتربطني أنت بيدك كما كنت. *
[27]
فلم تلبث إلا يسيرا حتى رجعت قد فرغت ما
في ضرعها: فربطها نبي الله كما كانت ثم سأل لمن هذا الصيد ؟ قالوا: (1) يا رسول
الله هذه لبني فلان، فأتاهم النبي صلى الله عليه واله وسلم وكان الذي اقتنصها (2)
منهم منافقا فرجع عن نفاقه وحسن إسلامه فكلمه النبي ليشتريها منه (3) قال: بل اخلي
سبيلها فداك أبي وامي يا نبي الله، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لو أن
البهائم يعلمون من الموت ما تعلمون أنتم ما أكلتم منها سمينا (4). بيان: " من الموت
" أي من أصل وقوعه أو من شدائد الموت والعقوبات الواقعة بعده والاهوال المتوقعة
عنده وبعده، ولعله أظهر. 7 - المحاسن: عن محمد بن علي عن ابن فضال عن عبد الله بن
ميمون القداح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال يعقوب عليه السلام لابنه: يا
بني لاتزن فلو أن الطيرزنى لتناثر ريشه (5). 8 - الخرائج: روي أن الحسين عليه
السلام سئل في حال صغره عن أصوات الحيوانات لان من شرط الامام أن يكون عالما بجميع
اللغات حتى أصوات الحيوانات، فقال: على ما روى محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي
عن الحسين عليه السلام أنه قال: إذا صاح النسر فانه يقول: " يا ابن آدم عش ما شئت
فآخره الموت " (6) وإذا صاح البازي يقول: " يا عالم الخفيات ويا كاشف البليات "
وإذا صاح الطاووس يقول: " مولاي ظلمت نفسي واغتررت بزينتي فاغفر لي " وإذا صاح
الدراج يقول: " الرحمن على العرش استوى " وإذا صاح الديك يقول: " من عرف الله لم
ينس ذكره " وإذا قرقرت الدجاجة تقول: " يا إله الحق أنت الحق وقولك الحق يا الله يا
حق "
(1) في المصدر: فقيل له: هذه. (2) في
الكتاب ومصدره اقتضها والظاهر انه مصحف " اقتنصها " أي اصطادها. (3) في المصدر:
فكلمه النبي صلى الله عليه وآله في بيعها ليشتريها منه. (4) امالي ابن الشيخ 2: 68،
و 289 (ط 1). (5) المحاسن: 106. (6) في النسخة المخطوطة: فان آخره الموت. *
[28]
وإذا صاح الباشق يقول: " آمنت بالله
واليوم الآخر " وإذا صاحت الحداء (1) تقول: " توكل على الله ترزق " وإذا صاح العقاب
يقول: " من أطاع الله لم يشق " وإذا صاح الشاهين يقول: " سبحان الله حقا حقا " وإذا
صاحت البومة يقول: " البعد من الناس انس " وإذا صاح الغراب يقول: " يا رزاق ابعث
الرزق الحلال " وإذا صاح الكركي يقول: اللهم احفظني من عدوي " وإذا صاح اللقلق
يقول: " من تخلى عن الناس نجا من أذاهم " وإذا صاح البطة تقول: " غفرانك يا الله "
وإذا صاح الهدهد يقول: " ما أشقى من عصى الله " وإذا صاح القمري يقول: " يا عالم
السر والنجوى يا الله " وإذا صاح الدبسي (2) يقول: " أنت الله لا إله سواك يا الله
" وإذا صاح العقعق يقول: " سبحان من لا يخفى عليه خافية " وإذا صاح الببغاء يقول: "
من ذكر ربه غفر ذنبه " وإذا صاح العصفور: يقول: " استغفر الله مما يسخط الله " وإذا
صاح البلبل يقول: " لا إله إلا الله حقا حقا " وإذا صاح القبجة (3) تقول: " قرب
الحق قرب " وإذا صاحت السمانات (4) يقول: يا ابن آدم ما أغفلك عن الموت " وإذا صاح
السوذنيق (5) يقول: " لا إله إلا الله محمد وآله خيرة الله " وإذا صاحت الفاختة: "
يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد " وإذا صاح الشقراق يقول: " مولاي أعتقني من النار ".
وإذا صاحت القنبرة تقول: " مولاي تب على كل مذنب من المذنبين " وإذا صاح الورشان
يقول: " إن لم تغفر ذنبي شقيت " وإذا صاح الشفنين (6) يقول: " لاقوة إلا
(1) في النسخة المخطوطة: الحداءة. (2) قال
الدميري: الدبسي بفتح الدال وكسر السين ويقال: بضم الدال: طائر منسوب إلى دبس
الرطب، وهو قسم من الحمام البرى ولونه الدكنة وقيل: هو ذكر اليمام. (3) القبجة:
الحجل وهى اسم جنس يقع على الذكر والانثى. (4) في النسخة المخطوطة: السمانى تقول.
(5) في حياة الحيوان: السوذنيق: الصقر. (6) قال الدميري: الشفنين بكسر الشين: هو
متولد بين نوعين مأكولين وعده الجاحظ *
[29]
بالله العلي العظيم " وإذا صاحت النعامة
تقول: " لا معبود سوى الله " وإذا صاحت الخطافة فانها تقرأ سورة الحمد وتقول: " يا
قابل توبة التوابين يا الله لك الحمد " وإذا صاحت الزرافة تقول: " لا إله إلا الله
وحده " وإذا صاح الحمل يقول: " كفى بالموت واعظا " وإذا صاح الجدي يقول: " عاجلني
الموت ثقل ذنبي وازداد " وإذا صاح الاسد يقول: " أمر الله مهم مهم " وإذا صاح الثور
يقول: " مهلا مهلا يا ابن آدم أنت بين يدي من يرى ولا يرى وهو الله " وإذا صاح
الفيل يقول: " لا يغني عن الموت قوة ولا حيلة " وإذا صاح الفهد يقول: " يا عزيز يا
جبار يا متكبر يا الله " وإذا صاح الجمل يقول: " سبحان مذل الجبارين سبحانه " وإذا
صهل الفرس يقول: " سبحان ربنا سبحانه " وإذا صاح الذئب يقول: " ما حفظ الله لن يضيع
أبدا " وإذا صاح ابن آوي يقول: " الويل الويل للمذنب المصر " وإذا صاح الكلب يقول:
" كفى بالمعاصي ذلا " وإذا صاح الارنب يقول: " لا تهلكني يا الله لك الحمد " وإذا
صاح الثعلب يقول: " الدنيا دار غرور " وإذا صاح الغزال يقول: " نجني من الاذى "
وإذا صاح الكركدن يقول: " اغثني وإلا هلكت يا مولاي " وإذا صاح الابل يقول: " حسبي
الله ونعم الوكيل حسبي الله " وإذا صاح النمر يقول: " سبحان من تغزز بالقدرة سبحانه
" وإذا سبحت الحية تقول: " ما أشقى من عصاك يا رحمن " وإذا سبحت العقرب تقول: "
الشر شئ وحش ". ثم قال عليه السلام: ما خلق الله من شئ إلا وله تسبيح يحمد به ربه
ثم تلا هذه الآية " وإن من شئ (1) إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " (2).
بيان: قال الدميري: النسر: طائر معروف وهو عريف الطير ويقول في
في انواع الحمام وبعضهم يقول: هو الذى
تسميه العامة اليمام وصوته في الترنم كصوت الرباب وفيه تحزين. (1) الاسراء: 44. (2)
لم نجد الحديث في الخرائج المطبوع، والذى يستفاد من مواضع من البحار أن النسخة
المطبوعة من الخرائج مختصر من نسخة المصنف. *
[30]
صياحه: " ابن آدم عش ما شئت فان الموت
ملاقيك " كذا قال الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال: وفي هذا مناسبة لما خص النسر
به من طول العمر، يقال: إنه من أطول الطير عمرا وإنه يعمر ألف سنة وفي كتاب نفحات
الازهار عن علي ابن أبي طالب عليه السلام قال: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه
واله وسلم يقول: هبط علي جبرئيل فقال: يا محمد إن لكل شئ سيدا فسيد البشر آدم، وسيد
ولد آدم أنت، وسيد الروصهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر
وسيد الطير النسر، وسيد الشهور رمضان، وسيد الايام يوم الجمعة، وسيد الكلام
العربية، وسيد العربية القرآن وسيد القرآن سورة البقرة (1). وقال: البازي أفصح
لغاته مخففة الياء، والثانية باز، والثالثة بازي بتشديد الياء، والتثنية بازان (2)،
والجمع بزاة، وفي عجائب المخلوقات: لا يكون إلا انثى وذكرها من أنواع اخر (3) من
الحداء والشواهين ولهذا اختلف أشكالها (4). وقال: طاووس في طبعه العفة وحب الزهو
(5) بنفسه والخيلاء والاعجاب بريشه وعقده لذنبه كالطاق، لا سيما إذا كانت الانثى
ناظرة إليه، إلى آخر ما سيأتي (6). وقال في الدراج: وهو القائل: " بالشكر قدوم
النعم " وصوته مقطع علي هذه الكلمات (7).
(1) حياة الحيوان: 251 و 252. (2) في
المصدر: والتثنية بازيان. (3) في المصدر: من نوع آخر كالحداء. (4) حياة الحيوان:
77. (5) الزهو: الفخر. التيه والكبر. (6) حياة الحيوان 2: 59. (7) حياة الحيوان 1:
243. *
[31]
وفي القاموس: القرقرة هدير البعير وصوت
الحمام انتهى (1). والباشق: معرب باشه (2) وهو معروف، والحدأة كعنبة: طائر معروف
(3). وقال الدميري: إن العقاب إذا صاحت تقول: " في البعد من الناس راحة " (4).
وقال: الكركي: طائر كبير معروف، والجمع الكراكي، وهو من الحيوان الذي لا يصح إلا
برئيس، وفي طبعه التناصر، ولا تطير الجماعة منه متفرقة بل صفا واحدا يقدمها واحد
منها كالرائس (5) وهي تتبعه يكون ذلك حينا ثم يخلفه آخر منها مقدما حتى يصير الذي
كان مقدما مؤخرا (6) وقال: الدبسي بفتح الدال وضمها: طائر صغير منسوب إلى دبس
الرطب، وهو قسم من الحمام البري (7) وقال: العقعق كثعلب تسمى كندش، وهو طائر على
قدر الحمامة وعلى شكل الغراب، وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة، وهو ذولونين: أبيض
وأسود، طويل الذنب لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به، وفي طبعه الزنا والخيانة ويوصف
بالسرقة والخبث (8) وقال: الببغاء بثلاث باءات موحدات اولاهن وثالثتهن مفتوحات (9)
والثانية ساكنة، وبالغين المعجمة، هي الطائر الاخضر المسمى بالدرة، وهي في قدر
الحمامة يتخذها الناس للانتفاع بصوتها، ولها قوة على حكاية الاصوات وقبول
(1) القاموس: مادة القر. (2) القاموس:
مادة بشق. (3) القاموس: مادة الحدأ. (4) حياة الحيوان 2: 87 فيه: عن الناس. (5) في
المصدر: كالرئيس لها. (6) حياة الحيوان 2: 194 (7) حياة الحيوان 1: 238. (8) حياة
الحيوان 2: 102. (9) في المصدر: مفتوحتان.
[32]
التلقين يتخذها الملوك والاكابر لتنم ما
تسمع من الاخبار، وتتناول مأكولها برجلها (1) كما يتناول الانسان الشئ بيده (2) وفي
القاموس: الببغاء وقد تشدد الباء الثانية: طائر أخضر (3). قوله: قرب الحق على بناء
المجرد أو التفعيل، والحق: الرب سبحانه أو القيامة أو ضد الباطل. وقال الدميري:
القبجة اسم جنس تقع على الذكر والانثى (4). وقال: السمانى بضم السين وفتح النون
(5): اسم طائر يلبد بالارض ولا يكاد يطير إلا أن يطار، وإذا سمع الرعد مات، ويسكت
في الشتاء وإذا أقبل الربيع يصيح (6). وفي القاموس: السوذنيق كزنجبيل ويضم أوله
والسيذنوق بضم أوله وفتحه وكسر النون وفتحه، والسذانق بفتح النون وضمه، والسوذنيق:
الصقر والشاهين (7). وقال الدميري: الفاختة واحدة الفواخت، من ذوات الاطواق، وهي
بفتح الفاء وكسر الخاء المعجمة وبالتاء المثناة في آخرها، قاله في الكفاية، وزعمو
أن الحيات تهرب من صوتها، وفيها فصاحة وحسن صوت وفي طبعها الانس بالناس وتعيش في
الدور، والعرب تصفها بالكذب، فان صوتها عندهم " هذا أوان الرطب " تقول ذلك والنخل
لم تطلع. وأقول: المشهور أنها بالتاء المثناة الفوقانية في القاموس وغيره، وقال
الدميري: الشقراق بفتح الشين وكسرها وربما قالوا: الشرقراق: طائر هو صغير
(1) في المصدر: لينم بما يسمع من الاخبار
ويتناول مأكوله برجله. (2) حياة الحيوان 1: 80. (3) القاموس: الببغاء. (4) حياة
الحيوان 2: 169. (5) في المصدر: على وزن الحبارى. (6) حياة الحيوان 2: 18. (7)
القاموس: السوذنيق. *
[33]
يسمي الاخيل، والعرب تتشام به، وهو أخضر
مليح بقدر الحمامة، خضرته حسنة مشبعة، في أجنحته سواد، وله مشتى ومصيف، ويكون مخططا
بحمرة وخضرة وسواد (1) وفي القاموس: القبر كسكر وصرد: طائر، الواحدة بهاء ويقال:
القنبراء والجمع قنابر، ولا تقل: قنبرة كقنفذة أو لغية (2). وقال الدميري: الورشان:
ساق حر وهو ذكر القماري، وقيل: إنه طائر متولد بين الفاختة والحمامة يوصف بالحنو
على أولاده حتى إنه ربما قتل نفسه إذا رآها في يد القانص، قال عطاء: إنه يقول: لدوا
للموت وابنوا للخراب، وهذه لام العاقبة مجازا (3). وقال: الشفنين بالكسر: متولد بين
نوعين مأكولين، وعده الجاحظ في أنواع الحمام، وقيل: هو الذي تسميه العامة اليمام،
وصوته في الترنم كصوت الرباب وفيه تحزين وتحسن أصواتها إذا اختلطت، ومن طبعه إذا
فقد انثاه لم يزل اغرب إلى أن يموت، وكذلك الانثى (4). وقال: ذكر الثعلبي أن آدم
عليه السلام لما خرج من الجنة اشتكى الوحشة (5) فآنسه الله بالخطاف وألزمها البيوت
فهي لا تفارق بني آدم انسا لهم، قال: ومعها أربع آيات من كتاب الله عزوجل: " لو
أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله " إلى آخر السورة (6)،
وتمد صوتها بقوله: " العزيز الحكيم " (7).
(1) حياة الحيوان 2: 38. (2) القاموس:
القبر. (3) حياة الحيوان 2: 284. (4) حياة الحيوان 2: 36. (5) في المصدر: اشتكى إلى
الله تعالى الوحشة. (6) الحشر: 20 - 24. (7) حياة الحيوان 1: 213. *
[34]
وقال: الزرافة بفتح الزاي وضمها: حسنة
الخلق، طويلة اليدين قصيرة الرجلين، مجموع يديها ورجليها نحو عشرة أذرع، رأسها كرأس
الابل، وقرنها كقرن البقر، وجلدها كجلد النمر، وقوائهما وأظلافها كالبقر، وذنبها
كذنب الظبي، ليس لها ركب في رجليها، إنما ركبتاها في يديها، وإذا مشت قدمت الرجل
اليسرى واليد اليمنى بخلاف ذوات الاربع فانها تقدم اليد اليسرى، ومن طبعها التودد
والتأنس (1) ولما علم الله أن قوتها في الشجر (2) جعل يديها أطول من رجليها لتستعين
بذلك على المرعى منها (3)، وقيل: هي متولدة بين ثلاثة حيوانات: الناقة الوحشية،
والبقرة الوحشية، والضبعان (4). أقول: سيأتي تمام القول في ذلك إنشاء الله. وقال
الدميري: الحمل: الخروف إذا بلغ ستة أشهر: وقيل: هو ولد الضأن الجذع فما دونه (5).
9 - المناقب (6): تفسير الثعلبي: قال الصادق عليه السلام: قال الحسين بن علي صلوات
الله عليهما: إذا صاح النسر قال: ابن آدم ! عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح الغراب
قال: إن في البعد من الناس انسا، وإذا صاح القنبرة قال: اللهم العن مبغضي آل محمد،
وإذا صاح الخطاف قرأ: " الحمد لله رب العالمين " ويمد " الضالين " كما يمدها القارئ
(7).
(1) في المصدر: فانها تقدم اليد اليمنى
والرجل اليسرى، ومن طبها التودد والتأنس وتجتر وتبعر. (2) في المصدر: من الشجر. (3)
في المصدر: على الرعى منها بسهولة. (4) حياة الحيوان 2: 4. (5) في المصدر 1: 192.
(6) في المطبوع: العياشي والمناقب، ولعله وهم. (7) مناقب آل ابى طالب 3: 223. *
[35]
10 - الكافي: عن أبي عبد الله العاصمي، عن
علي بن الحسن الميثمي، عن علي بن أسباط، عن أبيه أسباط بن سالم، عن مولى أبان، قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من طير يصاد إلا بتركه التسبيح، وما من مال
يصاب إلا بترك الزكاة (1). 11 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين
بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر عليه السلام، أو عن
أبي عبد الله عليه السلام قال: ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة، وإن كلام
الطير فيه إذا لقي (2) بعضه بعضا: سلام سلام يوم صالح (3). 12 - الاختصاص: عن ابن
عباس قال: شهدنا مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه فإذا
نحن بعدة من العجم فسلموا عليه فقالوا: جئناك لنسألك عن ست خصال، فان أنت أخبرتنا
آمنا وصدقنا، وإلا كذبنا وجحدنا، فقال علي عليه السلام: سلوا متفقهين ولا تسألوا
متعنتين، قالوا: أخبرنا ما يقول الفرس: في صهيله، والحمار في نهيقه، والدراج في
صياحه، والقنبرة في صفيرها، والديك في نعيقه والضفدع في نقيقه ؟ فقال علي عليه
السلام: إذا التقى الجمعان ومشى الرجال إلى الرجال بالسيوف يرفع الفرس رأسه فيقول:
" سبحان الملك القدوس " ويقول الحمار في نهيقه: " اللهم العن العشارين " ويقول
الديك في نعيقه بالاسحار: " اذكروا الله يا غافلين " ويقول الضفدع في نقيقه: "
سبحان المعبود في لجج البحار " ويقول الدراج في صياحه: " الرحمن على العرش استوى "
وتقول القنبرة في صفيرها: " اللهم العن مبغضي آل محمد " قال: فقالوا: آمنا وصدقنا
وما على وجه الارض من هو أعلم منك، فقال عليه السلام: ألا افيدكم ؟ قالوا: بلى يا
أمير - المؤمنين، فقال: إن للفرس في كل يوم ثلاث دعوات مستجابات، يقول في أول
نهاره:
(1) فروع الكافي 3: 505 طبعة الاخوندى.
(2) في المصدر: إذا التقى. (3) فروع الكافي 3: 415 و 416. *
[36]
" اللهم وسع على سيدي الرزق " ويقول في
وسط النهار: " اللهم اجعلني أحب إلى سيدي من أهله وماله " ويقول في آخر نهاره:
اللهم ارزق سيدي على ظهري الشهادة (1). بيان: نعق الغراب بالعين المهملة والمعجمة
ينعق نعيقا: صاح، ونق الضفدع ينق نقيقا: صاح. 13 - الاختصاص: عن أحمد بن محمد بن
عيسى وأحمد بن الحسن بن فضال عن الحسن بن فضال (2) عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن
أبي عبد الله عليه السلام قال: إن ناضحا (3) كان لرجل من الانصار فلما استن (4) قال
بعض أهله: لو نحرتموه، فجاء البعير إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فجعل
يرغو، فبعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى صاحبه، فلما جاء قال له النبي:
إن هذا يزعم أنه كان لكم شابا حتى إذا هرم وإنه قد نفعكم وإنكم أردتم نحره (5)
فقال: صدق، فقال: لا تنحروه ودعوه (6). 14 - ومنه: عن أحمد بن محمد بن عيسى عن
العباس بن معروف عن عبد الرحمن ابن حماد عن محمد بن الحسن بن أبى خالد (7) قال:
خرجت مع علي بن الحسين عليه السلام
(1) الاختصاص: 136. (2) في المصدر: " احمد
بن الحسن بن على بن فضال عن عبد الله بن بكير " ولعل فيه سقط، والحسن بن فضال أي
الحسن بن على بن فضال. (3) الناضح: البعير الذى يستقى عليه. (4) في المصدر: " استسن
" وهو الصحيح أي كبرت سنه. (5) في المصدر: ثم انكم اردتم نحره. (6) الاختصاص: 294
فيه: ودعوه فدعوه. (7) الظاهر انه هو محمد بن الحسن شنبولة القمى الاشعري المعدود
من اصحاب الرضا عليه السلام، والرواية مرسلة، ورواه الصفار في البصائر: 101 عن محمد
بن الحسين عن العباس بن معروف عن ابى القاسم الكوفى عن محمد بن الحسن بن محمد بن
عمران زرعة عن سماعة عن ابى بصير عن رجل، ورواه ايضا الطبري في دلائل الامامة 88:
عن *
[37]
إلى مكة فلما دخلنا الابواء كان على
راحلته وكنت أمشي فوافى غنما وإذا نعجة قد تخلفت عن الغنم وهي تثغو ثغآء شديد
وتلتفت، وإذا رخلة خلفها تثغو وتشتد في طلبها، فلما قامت الرخلة ثغت النعجة فتبعتها
الرخلة، فقال علي بن الحسين عليه السلام يا عبد العزيز أتدري ما قالت النعجة ؟
قالت: لا والله، ما أدري، قال: فانها قالت: الحقي بالغنم فان اختها عام الاول تخلفت
في هذا الموضع فأكلها الذئب (1). بيان: الثغاء: صياح الغنم، والرخل بكسر الراء:
الانثى من سخال الضأن. 15 - الاختصاص: عن أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد بن الحسن بن
فضال، عن الحسن بن فضال (2)، عن عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله
عليه السلام قال: إن الذئاب جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تطلب
أرزاقها، فقال لاصحابه: إن شئتم صالحتها على شئ تخرجوه إليها ولا ترزأ (3) من
أموالكم شيئا، وإن تركتموها تعدو وعليكم حفظ أموالكم، قالوا: بل نتركها كما هي تصيب
منا ما أصابت ونمنعها ما استطعنا 4). 16 - ومنه: عن عبد الله بن محمد عن محمد بن
إبراهيم عن بشر وإبراهيم ابني محمد أبيهما عن حمران عن علي بن الحسين عليه السلام
قال: كان قاعدا في جماعة من أصحابه إذا جاءته ظبية فبصبصت عنده وضربت بيديها، فقال
أبو محمد عليه السلام: أتدرون ما تقول
العباس بن معروف وفيه: " الحسن بن عمران "
والظاهر انه وما في البصائر مصحفان والصحيح: " الحسن بن محمد بن عمران " وهو الحسن
بن محمد بن عمران بن عبد الله الاشعري، بقرينة روايته عن زرعة. وفى اسناد دلائل
الامامة ايضا سقط وارسال راجعه. والظاهر من متن الاختصاص والبصائر أن الذى يروى عن
الامام عليه السلام رجل اسمه عبد العزيز فتأمل. (1) الاختصاص: 294. (2) في المصدر:
الحسن بن على بن فضال. (3) رزأ الرجل ماله: اصاب منه شيئا مهما كان أي نقصه. (4)
الاختصاص: 595 ورواه في البصائر: 101 راجعه. *
[38]
هذه الظبية ؟ قالوا: لا، قال: تزعم هذه
الظبية أن فلان ابن فلان - رجلا من قريش اصطاد خشفا لها في هذا اليوم، وإنما جاءت
أن أسأله أن يضع الخشف بين يديها فترضعه. ثم قال أبو محمد عليه السلام لاصحابه:
قوموا بنا، فقاموا بأجمعهم فأتوه، فخرج إليهم فقال لابي محمد: فداك أبي وامي ما جاء
بك ؟ فقال: أسألك بحقي عليك إلا أخرجت إلى الخشف الذي اصطدتها اليوم، فأخرجها
فوضعها بين يدي امها فأرضعتها فقال علي بن الحسين عليه السلام: أسألك يا فلان لما
وهبت لنا الخشف، قال: قد فعلت فأرسل الخشف مع الظبية فمضت الظبية فبصبصت وحركت
ذنبها، فقال علي بن الحسين عليه السلام: تدرون ما قالت الظبية ؟ قالوا: لا قال:
قالت: رد الله عليكم كل غائب لكم وغفر لعلي - بن الحسين كما رد علي ولدي (1). بيان:
بصبص الكلب: حرك ذنبه، والخشف مثلثة: ولد الظبي أول ما يولد أو أول مشيه، أو التي
نفرت من أولادها وتشردت. 17 - نوادر الراوندي: باسناده، عن جعفر بن محمد عن آبائه
عليهم السلام أن أبا ذر الغفاري رضي الله عنه تمعك فرسه ذات يوم فحمحم في تمعكه،
فقال أبو ذر: هي حسبك الآن فقد استجيب لك، فاسترجع القوم وقالوا: خولط أبو ذر، فقال
للقوم: مالكم، قالوا: تكلم بهيمة من البهائم ؟ فقال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول
الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: إذا تمعك الفرس دعا بدعوتين فيستجاب له يقول: "
اللهم اجعلني أحب ماله إليه " والدعوة الثانية: " اللهم ارزقه على ظهري الشهادة "
ودعوتاه مستجابتان (2). 18 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله
وسلم: إذا كان يوم الجمعة نادت
(1) الاختصاص: 297 والحديث يوجد في
البصائر 103 وفى دلائل الامامة 89 وفيه اختصار وفى ذيله: رد الله عليكم كل حق غصبتم
عليه وكل غائب وكل سبب ترجونه وغفر الخ. (2) نوادر الراوندي: 15 فيه: اللهم ارزقه
الشهادة على ظهرى. *
[39]
الطير الطير، والوحش الوحش، والسباع
السباع: سلام عليكم هذا يوم صالح (1). 19 - نهج البلاغة من خطبة أمير المؤمنين عليه
السلام في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوان (2): ولو فكروا في عظيم القدرة وجسيم
النعمة، لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة، والبصائر
مدخولة، ألا ينظرون إلى صغير ما خلق، كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه، وفلق له السمع
والبصر، وسوى له العظم والبشر ؟ انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها لا
تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها وضنت (3) على رزقها،
تنقل الحبة إلى حجرها، وتعدها في مستقرها، تجمع في حرها لبردها، وفي ورودها لصدرها،
مكفولة برزقها، مرزوقة برفقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو في الصفا
اليابس، والحجر الجامس (4) ولو فكرت في مجاري اكلها وفي علوها وسفلها وما في الجوف
من شراسيف بطنها وما في الرأس من عينها واذنها، لقضيت من خلقها عجبا، ولقيت من
وصفها تعنا، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يشركه في
فطرتها فاطر، ولم يعنه في خلقها قادر، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته مادلتك
الدلالة إلا على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة لدقيق تفصيل كل شئ، وغامض اختلاف كل
حي، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلا سواء، كذلك
السماء والهواء والرياح والماء، فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء
والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار وتفجر هذه البحار، وكثرة هذه الجبال، وطول هذه
القلال، وتفرق هذه اللغات والالسن المختلفات (5)، فالويل لمن جحد المقدر، وأنكر
المدبر، زعموا أنهم
(1) نوادر الراوندي: 24. (2) في المصدر:
في صفة خلق أصناف الحيوان. (3) في المصدر: ونسخة من الكتاب: وصبت. (4) الجامس:
الجامد. (5) زاد في هامش طبعة الكمبانى " فالويل لمن أنكر المختلفات " ولكن سائر
النسخ والمصدر خالية عنها. *
[40]
كالنبات مالهم زارع، ولا لاختلاف صورهم
مانع، ولم يلجأوا إلى حجة فيما ادعوا ولا تحقيق لما اوعوا، وهل يكون بناء من غير
بان، أو جناية من غير جان وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين، وأسرج
لها حدقتين قمراوين وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها الفم السوي، وجعل لها الحس
القوي. ونابين بهما تقرض، ومنجلين بهما تقبض، يرهبها الزارع في زرعهم ولا يستطيعون
ذبها ولو أجلبوا بجمعهم حتى ترد الحرث في نزواتها، وتقضي منه شهواتها، وخلقها كله
لا يكون أصبعا مستدقة. فتبارك الله الذي يسجد له من في السماوات والارض طوعا وكرها
ويعفر له (1) خدا ووجها، ويلقي بالطاعة إليه سلما وضعفا، ويعطي له القياد رهبة
وخوفا فالطير مسخرة لامره، أحصى عدد الريش منها والنفس، وأرسى قوائمها على الندى
واليبس، قدر أقواتها، وأحصى أجناسها، فهذا غراب وهذا عقاب، وهذا حمام وهذا نعام،
دعا كل طير باسمه، وتكفل برزقه (2)، وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها وعدد قسمها،
فبل الارض بعد جفوفها، وأخرج نبتها بعد جدوبها (3). تبيين، التفكير: إعمال النظر في
الشئ، يقال: فكر فيه كضرب، وفكر بالتشديد وأفكر وتفكر بمعنى، والجسيم: العظيم،
والحريق اسم من الاحتراق والبصائر جمع البصيرة وهي والبصر بالتحريك: العلم والخبرة،
وفي بعض النسخ: الابصار موضع البصائر، والدخل بالتحريك: ما داخلك من فساد في عقل أو
جسم والعيب والريبة، يقال: هذا الامر فيه دخل ودغل بمعنى، وقد دخل كفرح، ودخل على
البناء للمفعول، والاحكام: الاتقان، وركبه تركيبا أي وضع بعضه على بعض فتركب، وفلق
كضرب أي شق فانفلق، ومنه " فالق الحب والنوى " (4) واستوى
(1) في المصدر: ويعنو له. (2) في المصدر:
وفى نسخة من الكتاب: وكفل له برزقه. (3) نهج البلاغة 1: 373 - 376. (4) الانعام:
95. *
[41]
الشئ: اعتدل، وسويته: عدلته، والنملة
واحدة النمل، والجثة بالضم للانسان: شخصه قاعدا أو نائما، فان كان منتصبا فهو طل
بالتحريك، والشخص عام، كذا قيل وفي القاموس: جثة الانسان: شخصه، ولطف الشئ ككرم
لطافة بالفتح وقيل: هو اسم أي صغر ودق، والهيئة: حال الشئ وكيفيته، ونلته بالكسر
أنيله أي أصبته، واللحظ في الاصل: النظر بمؤخر العين وهو أشد التفاتا من الشزر وفي
بعض النسخ: بلحظ النظر، واستدرك الشئ وأدركه بمعنى، ذكره الجوهري واستدركت ما فات
وتداركته بمعنى، واستدركت الشئ بالشئ أي حاولت إدراكه به، والفكر كعنب جمع فكرة
بالكسر وهو إعمال النظر، وقيل: اسم من الافتكار كالعبرة من الاعتبار، وفي بعض
النسخ: الفكر بسكون العين، ومستدرك الفكر على بناء المفعول يحتمل أن يكون مصدرا أي
إدراك الكفر أو يطلبها الادراك، ولعله أنسب بقوله عليه السلام: " بلحظ البصر " وأن
يكون اسم مفعول أي بالفكر الذي يدركه الانسان ويصل إليه أو يطلب إدراكه أي منتهى
طلبه لا يصل إلى إدراك ذلك، وأن يكون اسم مكان، والباء بمعنى في، ودب كفر أي مشى
رويدا، وصبت على بناء المفعول من الصب وهو في الاصل الاراقة، وقيل: هو على العكس أي
صبت رزقها عليها والظاهر أنه لا حاجة إليه، أي كيف الهمت حتى انحطت على رزقها،
واستعير له الصب لهجومها عليه، وفي بعض النسخ: " وضنت " بالضاد المعجمة والنون على
بناء المعلوم أي بخلت برزقها، وذكر دبيبها لانه متوقف على القوائم والمفاصل والقوى
الجزئية، وتركبها فيها مع غاية صغرها على وجه تنتظم به حركاتها السريعة المتتابعة
مظهر للقدرة ولطيف الصنعة، وذكر الصب أو الضنة للدلالة على علمها بحاجتها إلى الرزق
وحسن نظرها في الاعداد والحفظ، والجحرة بالضم: الحفرة التي تحتفرها الهوام والسباع
لانفسها، وأعده أي هيأه، ومستقرها: موضع استقرارها، والورود في الاصل: الاشراف على
الماء للشرب، والصدر بالتحريك: رجوع الشاربة من الورود كان المعنى: تجمع في أيام
التمكن من الحركة لايام العجز عنها، فانها تظهر في الصيف وتخفى في الشتاء لعجزها عن
البرد، وكفل كنصر وقيل: كعلم وشرف أي
[42]
ضمن، قيل: تقول: كفلته وبه وعنه: إذا
تحملت به، بوفقها أي بقدر كفايتها (1) وأغفلت الشئ إغفالا أي تركته إهمالا من غير
نسيان، والمنان: المنعم المعطي من المن بمعنى العطاء لا من المنة، وقد يشتق منه وهو
مذموم، وحرمه كمنعه: ضد أعطاه والديان: الحاكم والقاضي، وقيل: القهار، وقيل: السائس
وهو القائم على الشئ بما يصلحه كما تفعل الولاة والامراء بالرعية، ووجه المناسبة
على الاخير واضح ولعله على الاول هو أن إعطاء كل شئ ما يستحقه ولو على وجه التفضل
من فروع الحكم بالحق، وعلى الثاني الاشعار بأن قهره سبحانه لا يمنعه عن العطاء كما
يكون في غيره أحيانا، والصفا مقصورا: الحجارة، وقيل: الحجر الصلد الضخم لا ينبت
شيئا والواحدة صفاة، وجمس وجمد بمعنى، وقيل: أكثر ما يستعمل في الماء جمد، وفي
السمن وغيره جمس، وصخرة جامسة أي ثابتة في موضعها، والاكل بالضم كما في بعض النسخ
وبضمتين كما في بعضها: المأكول، والاكلة بالضم: اللقمة، وعلوها وسفلها بالضم فيهما
في بعض النسخ، وبالكسر في بعضها، والضميران كالسوابق. قال بعض شراح النهج: علوها:
رأسها وما يليه إلى الجزء المتوسط، ويحتمل رجوعهما إلى المجاري، والشراسيف: مقاط
الاضلاع وهي أطرافها التي تشرف على البطن، وقيل: الشرسوف كعصفور: غضروف معلق بكل
ضلع مثل غضروف الكتف، ولا حاجة إلى الحمل على المجاز كما يظهر من كلام بعض
الشارحين، والاذن بضمتين في النسخ، والقضاء يكون بمعنى الاداء، قال الله تعالى: "
فإذا قضيتم مناسككم (2) " وقال: " فإذا قضيتم الصلاة " (3) وقضاء العجب " التعجب أو
التعجب الكامل، وقال بعض الشارحين: يحتمل أن يكون بمعنى الموت من قولهم: قضى فلان
أي مات، أي لقضيت نحبك من شدة تعجبك، ويكون " عجبا " نصبا على المفعول له، ولا يخفى
بعده، والدعامة والدعام بالكسر فيهما: عماد البيت، والخشب المنصوب للتعريش
(1) أو بما يوافقها من الرزق. (2) البقرة:
200. (3) النساء: 103. *
[43]
وفيه تشبيه لها بالبيت المبني على
الدعائم، وفي بعض النسخ: " لم يعنه " والضرب في الارض: السير فيها أو الاسراع فيه،
والدلالة بالفتح كما في بعض النسخ وبالكسر كما في بعضها، الاسم من قولك: دله إلى
الشئ وعليه، أي أرشده وسدده، والغامض: خلاف الواضح، والغرض من الكلام دفع توهم يسر
الخلق وسهولة الابداع في بعض الاشياء للصغر وخفاء دقائق الصنع، والجليل: العظيم،
يقال: جل كفر جلالة بالفتح أي عظم، والغرض استواء نسبة القدرة الكاملة إلى الانواع،
كذلك السماء قيل: المشبه به الامور المتضادة السابقة، والمشبه هو السماء والهواء
والرياح والماء ووجه الشبه هو حاجتها في خلقها وتركيبها وأحوالها المختلفة والمتفقة
إلى صانع حكيم، ويحتمل أن يكون التشبيه في استواء نسبة القدرة. فانظر إلى الشمس
والقمر الخ، أي تدبر فيما أودع في هذه الاشياء من غرائب الصنعة ولطائف الحكمة،
وقيل: استدلال بامكان الاعراض على ثبوت الصانع بأن يقال: كل جسم يقبل لجسميته
المشتركة بينه وبين سائر الاجسام ما يقبله غيره من الاجسام فإذا اختلف الاجسام في
الاعراض فلابد من مخصص وهو الصانع الحكيم انتهى. واختلاف الليل والنهار: تعاقبهما،
وفجر الماء أي فتح له طريقا فتفجر وانفجر أي جري وسال، والمراد البحار الانهار
العظيمة أو البحار المعروفة، وتفجرها: جريانها لو وجدت طريقا، والقلال كجبال جمع
قلة: بالضم وهي أعلى الجبل، وقيل: الجبل، وتفرق اللغات: اختلافها وتباينها كما قال
عزوجل: " واختلاف ألسنتكم وألوانكم " (1) والويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب،
وعلم واد في جهنم والجملة تحتمل الاخبار والدعاء، قال سيبويه: الويل مشترك بين
الدعاء والخبر. والمراد بالنبات ما ينبت في الصحارى والجبال من غير زرع، وليس
المراد أن النبات ليس له مقدر ولا مدبر، بل المعنى أن النبات المذكور كما أنه ليس
له مدبر من البشر يزعمون أن الانسان يحصل من غير مدبر أصلا، وقيل: المراد أنهم
قاسوا
(1) الروم: 22. *
[44]
أنفسهم على النبات الذي جعلوا من الاصول
المسلمة أنه لا مقدر له بل ينبت بنفسه من غير مدبر، وذكر الاختلاف في الصور لانه من
الدلائل الواضحة على الصانع لم يلجأوا أي لم يستندوا، والغرض استنادهم في دعواهم
إلى قياس باطل وظن ضعيف كما قال عزوجل: " وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون "
(1) وأوعى الشئ ووعاه على المجرد كما في بعض النسخ أي حفظه وجمعه، أي لم يرتبوا
العلوم الضرورية، ولم يحصلوا المقدمات على وجهها حتى تفضي إلى نتيجة صحيحة، وجنى
فلان جناية بالكسر أي جر جريرة على نفسه وقومه، ويقال: جنيت الثمرة أجنيها
واجتنيتها أي اقتطفتها، واسم الفاعل منها " جان " إلا أن المصدر من الثاني " جنى "
لا جناية، والغرض دعوى الضرورة في الاحتياج إلى الصانع والفاعل كالبناء والجناية لا
الاستناد إلى القياس. قلت في الجرادة، أي تكلمت في بديع صنعتها وعجيب فطرتها، وأسرج
لها حدقتين، أي جعلهما، مضيئتين كالسراج، قمراوين أي منيرتين كالليلة القمر آء
المضيئة بالقمر، وجعل لها السمع الخفي أي من عين أعين الناظرين، وقيل: المراد
بالخفي اللطيف السامع لخفي الاصوات، فوصف بالخفة مجازا من قبيل إطلاق اسم المقبول
على القابل وهو أنسب بقوله عليه السلام: وجعل لها الحس القوي، وقيل: أراد بحسها
قوتها الوهمية، وبقوته حذفتها (2) فيما ألهمت إياه من وجوه معاشها وتصرفها يقال:
لفلان حس حاذق: إذا كان ذكيا فطنا دراكا، والناب في الاصل: السن خلف الرباعية، وقرض
كضرب أي قطع، والمنجل كمنبر: حديدة يقضب بها الزرع وقيل: المنجلان رجلاها شبههما
بالمناجل لعوجهما وخشونتهما، ورهبه كعلم أي خاف، وذب عن حريمه كمد أي دفع وحمى،
وأجلبوها أي تجمعوا وتألبوا، وأجلب على فرسه أي استحثه للعدو بوكز أو صياح أو نحو
ذلك، بجمعهم أي بأجمعهم، وكلمة
(1) الجاثية: 24. (2) في الشرح لابن ميثم:
وبقوة حذقها. *
[45]
" لو " للوصل، والحرث: الزرع، ونزا كدعا
أي وثب " وخلقها " الجملة حالية واستدق صار دقيقا، " الذي يسجد " أي حقيقة فانه
يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين " طوعا " حالتي الشدة والرخاء، والكفرة له
كرها حال الشدة والضرورة أو أعم منها ومن السجدة المجازية وهي الخضوع والدخول تحت
ذل الافتقار والحاجة كما مر مرارا، والعفر بالتحريك وقد يسكن: وجه الارض ويطلق على
التراب وعفره في التراب كضرب وعفره تعفيرا أي مرغه فيه، وكان التعفير في البعض كأهل
السماوات كناية عن غاية الخضوع، والالقاء بالطاعة مجاز عن الانقياد، وفي بعض النسخ
بالطاعة إليه، والسلم بالكسر كما في بعض النسخ الصلح وبالتحريك كما في بعضها:
الاستسلام والانقياد، والقياد بالكسر: ما يقاد به وإعطاء القياد: الانقياد،
والرهبة: الخوف، وأرسى أي أثبت، والندى (1): البلل والمطر، واليبس بالتحريك: ضد
الرطوبة، وطريق يبس أي لا نداوة فيه ولا بلل والحمام بالفتح: كل ذي طوق من الفواخت
والقماري والوراشين وغيرها، والحمامة تقع على الذكر والانثى كالحية والنعامة، واسم
الجنس من النعامة نعام بالفتح والغرض بيان عموم علمه سبحانه وقدرته، دعا كل طائر
باسمه، قيل: الدعاء استعارة في أمر كل نوع بالدخول في الوجود، وقد عرفت أن ذلك
الامر يعود إلى حكم القدرة الالهية عليه بالدخول في الوجود كقوله تعالى: " فقال لها
وللارض ائتيا " (2) الآية، ولما استعار الدعا رشح بذكر الاسم لان الشئ إنما يدعى
باسمه، ويحتمل أن يريد الاسم اللغوي، وهو العلامة، فان لكل نوع من الطير خاصة وسمة
ليست للآخر، ويكون المعنى أنه تعالى أجرى عليها حكم القدرة بما لها من السمات
والخواص في العلم الالهي واللوح المحفوظ، وقال بعضهم: أراد أسماء الاجناس وذلك أن
الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ كل لغة تواضع عليها العباد في المستقبل وذكر
(1) الندى هنا: مقابل اليبس فيعم الماء
كانه يريد ان الله جعل من الطير ما تثبت ارجله في الماء ومنه ما يمشى الاعلى الارض
اليابسة. (2) فصلت: 11. *
[46]
الاسماء التي يتواضعون عليها، وذكر لكل
اسم مسماه فعند إرادة خلقها نادى كل نوع باسمه فأجاب داعية وأسرع في إجابته، وكفل
برزقه أي ضمن، والسحاب جمع سحابة وهي الغيم، والهطل بالفتح: تتابع المطر أو الدمع
وسيلانه، وقيل: تتابع المطر المتفرق العظيم القطر، والديمة بالكسر: مطر يدوم في
سكون بلا رعد وبرق والجمع ديم كعنب، وتعديد القسم: إحصاء ما قدر منها لكل بلد وأرض
على وفق الحكمة، والبلة بالكسر: ضد الجفاف، يقال: بله فابتل: والجفوف بالضم: الجفاف
بالتفح، والجدوب بالضم: انقطاع المطر ويبس الارض. 20 - الشهاب: قال رسول الله صلى
الله عليه واله وسلم: لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم سمينا
(1). الضوء: في الحديث استزادة من بني آدم وإعلام أن البهائم لو كان لها عقل لكانت
أضبط منهم، وذلك لانها ليست بمكلفة، ولو علمت بالموت لم تأكل ولم تشرب فكانت تهزل
وابن آدم يأكل ويشرب ويعلم أنه غدا ميت، وفيه تعيير بالقصور عن البهائم في هذه
الخلة خاصة فعليك أيها العاقل بالانتباه من سنة الغفلة فان هذا الخطاب لك، وفائدة
الحديث إعلام أن البهائم الخرس لو علمت الموت لما سمنت بالرتوع في المراتع ولامسكت
عن الرعي (2). 21 - كتاب جعفر بن محمد بن شريح: عن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد
الله عليه السلام قال: ما يصاد من الطير إلا ما ضيع التسبيح (3). 22 - أصل قديم
منقول من خط التلعكبري رحمه الله قال: أخبرني محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن
الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن موسى ابن القاسم، عن الحسن بن محبوب، عن
علي بن رئاب، عن مولى للقميين، قد أخبرني عمن أخبره، عن أبي عبد الله عن آبائه
عليهم السلام قال: قال رجل من اليهود لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا محمد
أخبرني ما يقول الحمار في نهيقه ؟ وما يقول الفرس في
(1) لم نجد الحديث في النسخة المطبوعة
التى عندي من الشهاب. (2) لم نجد نسخة كتاب الضوء. (3) الاصول الستة عشر: 77. *
[47]
صهيله ؟ وما يقول الدراج في صوته ؟ وما
تقول القنبرة في صوتها ؟ وما يقول الضفدع في نقيقه ؟ وما يقول الهدهد في صوته ؟
قال: فأطرق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثم قال: أعد علي يا يهودي قال:
فأعاد، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أما الحمار فيلعن العشار، وأما
الفرس فيقول: " الملك لله الواحد القهار " وأما الدراج فيقول: " الرحمن على العرش
استوى " وأما الديك فيقول: " سبوح قدوس رب الملائكة والروح " وأما الضفدع فيقول: "
اذكروا الله يا غافلين " وأما الهدهد فيقول: " رحمك الله يا داود " يعني سليمان بن
داود، وأما القنبرة فيقول: " لعن الله من يبغض أهل بيت رسول الله صلى الله عليه
واله وسلم (1). 23 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم، إنما سميت الوحش لانها
استوحشت من آدم يوم هبوطه (2). 24 - المناقب: لابن شهر آشوب: روى أبو بكر الشيرازي
بالاسناد عن مقاتل عن محمد بن الحنفية، عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله
تعالى: " إنا عرضنا الامانة " عرض الله أمانتي (3) على السماوات السمع بالثواب
والعقاب، فقلن: ربنا لا نحملها (4) بالثواب والعقاب، ولكنها نحملها بلا ثواب ولا
عقاب، وإن الله عرض أمانتي وولايتي على الطيور، فأول من آمن بها البزاة البيض
والقنابر، وأول من جحدها البوم والعنقاء، فأما البوم فلا تقدر أن تظهر بالنهار لبعض
الطير لها، وأما العنقاء فغابت في البحار لا ترى، وإن الله عرض إمامتي على الارضين،
فكل بقعة آمنت بولايتي جعلها طيبة زكية وجعل نباتها وثمرها حلوا عذبا، وجعل ماءها
زلالا، وكل بقعة جحدت إمامتي وأنكرت ولايتي، جعلها سبخة وجعل نباتها مرا علقما وجعل
ثمرها العوسج والحنظل، وجعل ماءها ملحا اجاجا، ثم قال: " وحملها الانسان " يعني
امتك يا محمد ولاية أمير المؤمنين وإمامته بما فيها من الثواب والعقاب، " إنه كان
(1) لم نجد ذلك الاصل. (2) لم نجد العلل
لمحمد بن ابراهيم. (3) هكذا في الكتاب ومصدره ولعل الصحيح: " امامتي ". (4) في
المصدر: لا تحملنا. *
[48]
ظلوما " لنفسه " جهولا " (1) لامر ربه، من
لم يؤدها بحقها فهو ظلوم غشوم (2). بيان: في القاموس: العلقم: الحنظل وكل شئ مر،
والنبقة المرة، فإن قلت: لما أبوا أولا حملها كيف قبل بعض الطيور والارضين ؟ قلت:
ليس في أول الخبر ذكر الارضين ولا في آخره العرض على السماوات، فلا تنافي، لكن يرد
عليه أنه تفسير للآية، وفيها ذكر إباء السماوات والارضين والجبال جميعا، فذكر
السماوات أولا على المثال، والاكتفاء في البعض لظهور البواقي، فاما أن يحمل العرض
أولا على العرض على مجموع السماوات والارضين والجبال إجمالا، والثاني على العرض على
كل حيوان وكل بقعة تفصيلا، أو يقال: ليس في أول الخبر إلا امتناعها عن الحمل
بالثواب والعقاب، فلا ينافي قبول بعضها ورد بعضها عند العرض بلا ثواب ولا عقاب،
فقوله: ولكنا نحملها قول بعضهم، أو قول الجملة باعتبار البعض، أو يحمل الاول على
الظاهري والثاني على القلبي، والله يعلم. 25 - الدر المنثور: عن النبي صلى الله
عليه واله وسلم قال: إن إبراهيم حين القي في النار لم تكن في الارض دابة إلا تطفئ
عنه النار غير الوزغ فانه كان ينفخ على إبراهيم فأمر رسول الله صلى الله عليه واله
وسلم بقتله. وعن ام شريك عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم أمر بقتل الاوزاغ،
وقال: كانت تنفخ على إبراهيم عليه السلام. وعن قتادة عن بعضهم عن النبي صلى الله
عليه واله وسلم قال: كانت الضفدع تطفئ النار عن إبراهيم، وكانت الوزغ تنفخ عليه،
فنهى عن قتل هذا، وأمر بقتل الوزغ. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله:
لا تسبوا الضفدع، فان صوته تسبيح وتقديس وتكبير، إن البهائم استأذنت ربها في أن
تطفئ النار عن إبراهيم فأذن للضفادع فتراكبت عليه فأبدلها الله بحر النار الماء
(3).
(1) الاحزاب: 72. (2) مناقب آل ابى طالب
2: 141 و 142. (3) الدر المنثور 4: 321 و 322 فيه: بحر النار برد الماء. *
[49]
وعن ابن مسعود، عن كعب الحبر قال: جاءت
هامة (1) إلى سليمان فقال: السلام عليك يا نبي الله فقال: وعليك السلام يا هام،
أخبرني كيف لا تأكلين الزرع فقالت: يا نبي الله لان آدم عصي ربه بسببه فلذلك لا
آكله، قال: فكيف لا تشربين الماء ؟ قالت: يا نبي الله لان الله أغرق بالماء قوم
نوح، من أجل ذلك تركت شربه قال: فكيف تركت العمران وسكنت الخراب ؟ قالت: لان الخراب
ميراث الله وأنا أسكن في ميراث الله، وقد (2) ذكر الله في كتابه فقال: " وكم أهلنا
من قرية بطرت معيشتها " إلى قوله: " وكنا نحن الوارثين " (3). وعن أبي الصديق
الناجي قال: خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس فمر على (4) نملة مستلقية على قفاها
رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: " اللهم إنا خلق من خلقك ليس لنا غنى عن رزقك
فاما أن تسقينا وإما أن تهلكنا، فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقاكم بدعوة غيركم
(5). وعن أبي الدرداء قال: كان داود عليه السلام يقضي بين البهائم يوما وبين الناس
يوما فجاءت بقرة فوضعت قرنها على حلقة الباب ثم نغمت (6) كما تنغم الوالدة على
ولدها وقالت: كنت شابة كانوا ينتجوني ويستعملوني، ثم إني كبرت فأرادوا أن يذبحوني
فقال داود، أحسنوا إليها لا تذبحوها، ثم قرأ (7) " علمنا منطق الطير وأوتينا من كل
شئ " (8).
(1) الهامة: طير الليل وهو الصدى: والصدى:
الذكر من البوم. (2) لعله من كلام الراوى. (3) الدر المنثور 5: 103 والاية في
القصص: 58. (4) في المصدر: فمر بنملة. (5) الدر المنثور 5: 103. (6) في المصدر:
تنغمت. (7) أي أبا الدرداء. (8) الدر المنثور 5: 103 والاية في النمل: 16. *
[50]
وعن نوف والحكم قالا: كان النمل في زمن
سليمان أمثال الذباب (1). وعن ابن عباس أنه سئل كيف تفقد سليمان الهدهد من بين
الطير، قال: إن سليمان نزل منزلا فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدل سليمان على
الماء فأراد أن يسأله عنه ففقده، قيل: كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقى عليه
التراب ويضع له الصبي الحبالة فيغيبها فيصيدها، فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر
(2). 26 - كتاب عبد الملك بن حكيم (3)، عن بشير النبال، عن أبي عبد الله عليه
السلام قال: سهرداود عليه السلام ليلة يتلو الزبور فأعجبته (4) عبادته فنادته ضفدع:
يا داود تعجب من سهرك ليلة، وإني لتحت هذه الصخرة منذ أربعين سنة ما جف لساني عن
ذكر الله عزوجل (5). 27 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن
الصفار، عن العباس بن معروف، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي حمزة
الثمالي عن علي بن الحسين عليه السلام أنه كان يقول: ما بهمت البهائم عنه فلم تبهم
عن أربعة: معرفتها بالرب تبارك وتعالى، ومعرفتها بالموت، ومعرفتها بالانثى من
الذكر، ومعرفتها بالمرعى الخصب (6).
(1 و 2) الدر المنثور 5: 104. (3) اسناد
الحديث على ما في المصدر هكذا: الشيخ ابو محمد هارون بن موسى بن احمد التلعكبرى
قال: اخبرنا ابو العباس احمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال: اخبرنا على بن حسن بن
على بن فضال قال: حدثنا جعفر بن محمد بن حكيم قال: حدثنى عمى عبد الملك بن حكيم.
(4) فيه غرابة لان الانبياء عليهم السلام عندنا معصومون. (5) الاصول الستة عشر:
101. (6) الخصال 1: 260 طبعة الغفاري. *
[51]
الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد عن ابن
محبوب مثله (1). الفقيه: باسناده الصحيح عن ابن رئاب مثله، ثم قال رحمه الله: وأما
الخبر الذي روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " لو عرفت البهائم من الموت ما
تعرفون ما أكلتم منها سمينا قط " فليس بخلاف هذا الخبر لانها تعرف الموت، لكنها لا
تعرف منه ما تعرفون (2). 28 - مجالس الشيخ: عن جماعة عن أبى المفضل الشيباني عن
محمد بن صالح بن فيض عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبي حمزة
قال: كان على بن الحسين عليه السلام يقول: مهما ابهمت عنه البهائم فلم تبهم عن
أربع: معرفتها بالرب عزوجل، ومعرفتها بالمرعى الخصب، ومعرفتها بالاثنى عن الذكر،
ومعرفتها بالموت والفرار منه. قال أبو المفضل: حدثنا محمد بن صالح، عن أحمد بن محمد
بجميع كتاب المشيخة عن ابن محبوب (3). 29 - الكافي: عن أبي علي الاشعري عن محمد بن
عبد الجبار عن الحجال وابن فضال عن ثعلبة عن يعقوب بن سالم عن رجل عن أبي عبد الله
عليه السلام قال: مهما ابهم على البهائم من شئ فلا يبهم عليها أربع خصال، معرفة أن
لها خالقا، ومعرفة طلب الرزق، ومعرفة الذكر من الانثى، ومخافة الموت (4). 30 -
العلل: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن الحسن بن أبان (5) عن محمد ابن اورمة عن
الحسن بن علي عن علي بن عقبة عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لقد
شكرت الشياطين الارضة حين أكلت عصاة سليمان عليه السلام حتى
(1) الكافي 6: 539 طبعة الاخوندى. (2) من
لا يحضره الفقيه 2: 188 طبعة الاخوندى. (3) المجالس والاخبار: 26 (ط 1) و 207 (ط
2). (4) الكافي 6: 539. (5) في المصدر: عن الحسين بن الحسن بن أبان. *
[52]
سقط، وقالوا: عليك الخراب وعلينا الماء
والطين، فلا تكاد تراها في موضع إلا رأيت ماء وطينا (1). 31 - المناقب لا بن
شهراشوب: في حديث أبي حمزة الثمالي أنه دخل عبد الله ابن عمر على زين العابدين عليه
السلام وقال: يا ابن الحسين أنت تقول: إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي
لانه عرضت عليه ولاية جدي فتوقف عندها ؟ فقال: بلى ثكلتك امك، قال: فأرني آية ذلك
إن كنت من الصادقين، فأمر بشد عينيه بعصابة وعيني بعصابة، ثم أمر بعد ساعة بفتح
أعيننا، فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه، فقال ابن عمر: يا سيدي دمي في رقبتك،
الله الله في نفسي، فقال: هيه وأريه إن كنت من الصادقين، ثم قال: يا أيتها الحوت،
قال: فاطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم وهو يقول: لبيك لبيك يا ولي الله،
فقال: من أنت ؟ قال: أنا حوت يونس يا سيدي، قال: أنبئنا بالخبر، قال: يا سيدي إن
الله تعالى لم يبعث نبيا من آدم إلى أن صار جدك محمد صلى الله عليه واله وسلم إلا
وقد عرض عليه ولايتكم أهل البيت، فمن قبلها من الانبياء سلم وتخلص، ومن توقف عنها
وتمنع (2) في حملها لقي ما لقي آدم من المعصية، وما لقي نوح من الغرق، وما لقي
إبراهيم من النار، وما لقي يوسف من الجب، وما لقي أيوب من البلاء، وما لقي داود من
الخطيئة، إلى أن بعث الله يونس فأوحى الله إليه: أن يا يونس تول أمير المؤمنين عليا
عليه السلام والائمة الراشدين من صلبه - في كلام له - قال: فكيف أتولى من لم أره
ولم أعرفه ؟ وذهب مغتاظا، فأوحى الله إلى: أن التقمي يونس ولا توهني له عظما، فمكث
في بطني أربعين صباحا يطوف معي البحار في ظلمات ثلاث ينادي (3) " لا إله إلا أنت
سبحانك إني كنت من الظالمين " قد قبلت
(1) علل الشرائع 1: 70 طبعة قم. (2) في
المصدر: وتعتع في حملها. (3) في المصدر: انه لا اله. *
[53]
ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
والائمة الراشدين من ولده، فلما أن آمن بولايتكم أمرني ربي فقذفته على ساحل البحر،
فقال زين العابدين عليه السلام: ارجع أيها الحوت إلى وكرك واستوى الماء (1). أقول:
قد مر شرح الخبر وتأويله في معجزات علي بن الحسين عليه السلام وباب أحوال يونس عليه
السلام. 32 - توحيد المفضل: قال الصادق عليه السلام يا مفضل فكر في هذه الاصناف
الثلاثة من الحيوان وفي خلقها على ما هي عليه بما فيه صلاح كل واحد منها، فالانس
لما قدروا أن يكونوا ذوي ذهن وفطنة وعلاج لمثل هذه الصناعات من البناء والنجارة
والصناعة والخياطة (2) وغير ذلك خلقت لهم أكف كبار ذوات أصابع غلاظ، ليتمكنوا من
القبض على الاشياء، وأوكدها هذه الصناعات، وآكلات اللحم لما قدر أن يكون معايشها
(3) من الصيد خلقت لهم أكف لطاف مدمجة (4) ذوات براثن (5) ومخاليب تصلح لاخذ الصيد
ولا تصلح للصناعات، وآكلات النبات لما قدر أن يكونوا لا ذات صنعة ولا ذات صيد، خلقت
لبعضها أظلاف تقيها (6) خشونة الارض
(1) مناقب آل ابى طالب 3: 218. (2) في
النسخة المخطوطة: والصناعة (والخياطة خ) وفي كتاب التوحيد من البحار 3: 92: "
والصياغة " وفي بعض النسخ: والخياطة. (3) في النسخة المخطوطة: معايشهم. (4) قال
المصنف في كتاب التوحيد: مدمجة أي انضم بعضها إلى بعض قال الجوهرى دمج الشئ دموجا:
إذا دخل في الشئ واستحكم فيه، وادمجت الشئ، إذا لففته في ثوب وفى بعض النسخ: مدبحة
بالباء والحاء المهملة ولعل المراد معوجة من قولهم: دبح تدبيحا أي بسط ظهره وطأطأ
رأسه، وهو تصحيف أقول: ويمكن أن يكون مصحف " مذبحة " كما في بعض النسخ. (5) البراثن
من السباع والطير: بمنزلة الاصابع من الانسان. والمخلب. ظفر البرثن. (6) في نسخة:
تقيمها. *
[54]
إذا حاول طلب الرعي، ولبعضها حوافر ململمة
ذوات قعر كأخمص القدم تنطبق على الارض ليتهيأ للركوب والحمولة. تأمل التدبير في خلق
آكلات اللحم من الحيوان حين خلقت (1) ذوات أسنان حداد، وبراثن شداد، وأشداق وأفواه
واسعة، فانه لما قدر أن يكون طعمها اللحم خلقت خلقة تشاكل ذلك واعينت بسلاح وأدوات
تصلح للصيد، وكذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير ومخاليب مهيأة لفعلها، ولو كانت
الوحوش ذوات مخالب كانت قد اعطيت ما لا يحتاج إليه لانها لا تصيد ولا تأكل اللحم،
ولو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه أعني السلاح الذي به تصيد
وتتعيش، أفلا ترى كيف اعطي كل واحد من الصنفين ما يشا كل صنفه وطبقته بل ما فيه
بقاؤه وصلاحه ؟ انظر الآن إلى ذوات الاربع كيف تراها تتبع امهاتها (2) مستقلة
بأنفسها لا تحتاج إلى الحمل والتربية كما تحتاج أولاد الانس، فمن أجل أنه ليس عند
أمهاتها ما عند امهات البشر من الرفق والعلم بالتربية والقوة عليها بالاكف والاصابع
المهيأة لذلك، اعطيت النهوض والاستقلال بانفسها، وكذلك ترى كثيرا من الطير كمثل
الدجاج والدراج والقبج (3) تدرج وتلقط حين ينقاب عنها البيض، فأما ما كان منها
ضعيفا لا نهوض فيه كمثل فراخ الحمام واليمام والحمر فقد جعل في الامهات فضل عطف
عليها فصارت تمج الطعام في أفواهها بعد ما توعيه حواصلها، فلا تزال تغذوها حتى
تستقل بأنفسها ولذلك لم ترزق الحمام فراخا كثيرة مثل ما ترزق الدجاج لتقوى الام على
تربية فراخها، فلا تفسد ولا تموت، فكل اعطي بقسط من تدبير الحكيم اللطيف الخبير.
(1) في النسخة المخطوطة: حيث جعلت. (2) في
المخطوطة وفى التوحيد: اماتها. (3) القبج بالقاف والباء المفتوحين: طائر يشبه
الحجل. *
[55]
انظر إلى قوائم الحيوان كيف تأتي أزواجا
لتهيأ (1) للمشئ ولو كانت أفرادا لم تصلح لذلك، لان الماشي ينقل بعض قوائمه ويعتمد
على بعض: فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على واحدة، وذو الاربع ينقل اثنين ويعتمد
على اثنين، وذلك من خلاف لان ذا الاربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ويعتمد
على قائمتين من الجانب الآخر لما يثبت على الارض كما لا يثبت السرير وما اشبهه،
فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره، وينقل الاخريين أيضا من خلاف
فيثبت على الارض ولا يسقط إذا مشى. أما ترى الحمار كيف يذل للطحن والحمولة وهو يرى
الفرس مودعا منعما، والبعير لا يطيقه عدة رجال لو استعصى كيف كان ينقاد للصبي ؟
والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ويحرث به ؟ والفرس
الكريم يركب السيوف والاسنة بالمواتاة (2) لفارسه، والقطيع من الغنم يرعاه رجل
واحد، ولو تفرقت الغنم فأخذ كل واحد منها في ناحية لم يلحقها، وكذلك جميع الاصناف
المسخرة للانسان، (3) فبم كانت كذلك إلا بأنها عدمت العقل والروية، فانها لو كانت
تعقل وتروى (4) في الامور كانت خليقة أن تلتوي على الانسان في كثير من مآربه (5)
حتى يمتنع الجمل على قائده والثور على صاحبه وتتفرق الغنم عن راعيها وأشباه هذا من
الامور. وكذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل وروية فتوازرت على الناس كانت خليقة أن
تحاجهم (6)، فمن كان يقوم للاسد، والذئاب والنمورة والدببة لو
(1) في كتاب التوحيد من البحار: لتتهيأ.
(2) المواتاة: الموافقة. (3) في الموضع المتقدم: مسخرة للانسان. (4) تروى: تفكر.
(5) المآرب: الحوائج. (6) هكذا في النسخ، وفى توحيد البحار: تجتاحهم، ولعله الصحيح
أي تستأصلهم و تهلكهم. *
[56]
تعاونت وتظاهرت على الناس ؟ أفلا ترى كيف
حجر ذلك عليها وصارت مكان ما كان يخاف من إقدامها ونكايتها (1) تهاب مساكن الناس
وتحجم عنها ثم لا تظهر ولا تنتشر لطلب قوتها إلا بالليل، فهي مع صولتها كالخائف
للانس بلا مقموعة (2) ممنوعة منهم، ولولا ذلك لساورتهم في مساكنهم وضيقت عليهم (3)،
ثم جعل في الكلب من بين هذه السباع عطف على مالكه ومحاماة عنه وحفاظ له، فهو ينتقل
على الحيطان والسطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل صاحبه وذب الدغار عنه (4)، ويبلغ من
محبته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته وماله، ويألفه غاية الالف حتى
يصبر معه على الجوع والجفوة، فلم طبع الكلب على هذه الالف إلا ليكون حارسا للانسان،
له عين بأنياب ومخاليب ونباح هائل ليذعر منه السارق ويتجنب المواضع التي يحميها
ويحضرها (5). يا مفضل تأمل وجه الدابة كيف هو ؟ فانك ترى العينين شاخصتين أمامها
لتبصر ما بين يديها لئلا تصدم حائطا أو تتردى في حفرة، وترى الفم مشقوقا شقا في
أسفل الخطم ولو شق كمكان الفم من الانسان في مقدم الذقن لما استطاع أن يتناول به
شيئا من الارض، ألا ترى أن الانسان لا يتناول بها الطعام بفيه ولكن بيده تكرمة له
على سائر الآكلات فلما لم يكن للدابة يد تتناول بها العلف جعل خطمها مشقوقا من
أسفله لتقبض به على العلف ثم تقضمه، واعينت بالجحفلة تتناول بها ما قرب وما بعد.
اعتبر بذنبها والمنفعة لها فيه فانه بمنزلة الطبق على الدبر والحياء جميعا يواريهما
ويسترهما، ومن منافعها فيه أن ما بين الدبر ومراقي البطن منها وضر يجتمع عليه
الذئاب والبعوض، فجعل لها الذنب كالمذبة تذب بها عن ذلك الموضع،
(1) نكى ينكى نكاية العدو وفى العدو: قهره
بالقتل والجرح. (2) في نسخة: غير مقمعة. (3) في نسخة: وضيعت عليهم. (4) أي ودفع
الهجوم عنه. وفي نسخة: وذب الذعار عنه. (5) في نسخة: (ويحفرها) ولعله مصحف: "
ويخفرها " كما في التوحيد من البحار. *
[57]
ومنها أن الدابة تستريح إلى تحريكه
وتصريفه يمنة ويسرة، فانه لما كان قيامها على الاربع بأسرها وشغلت المقدمتان بحمل
البدن عن التصرف والتقلب كان لها في تحريك الذنب راحة، وفيه منافع اخرى يقصر عنها
الوهم، يعرف موقعها في وقت الحاجة إليها، فمن ذلك أن الدابة ترتطم في الوحل (1) فلا
يكون شئ أعون على نهوضها من الاخذ بذنبها، وفي شعر الذنب منافع للناس كثيرة
يستعملونها في مأربهم، ثم جعل ظهرها مسطحا مبطوحا (2) على قوائم أربع ليتمكن من
ركوبها، وجعل حياءها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضربها، ولو كان أسفل البطن
كمكان الفرج من المرأة لم يتمكن الفحل منها، ألا ترى أنه تستطيع أن يأتيها كفاحا
كما (3) يأتي الرجل المرأة ؟ تأمل مشفر الفيل وما فيه من لطيف التدبير فانه يقوم
مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما (4) إلى جوفه، ولولا ذلك ما استطاع أن
يتناول شيئا من الارض، لانه ليست له رقبة يمدها كسائر الانعام، فلما عدم العنق اعين
مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسدله (5) فيتناول به حاجته، فمن ذا الذي عوضه مكان
العضو الذى عدمه ما يقوم مقامه إلا الرؤوف بخلقه ؟ وكيف يكون هذا بالاهمال كما قالت
الظلمة ؟ فان قال قائل: فما باله لم يخلق ذاعنق كسائر الانعام ؟ قيل له: إن رأس
الفيل واذنيه أمر عظيم وثقل ثقيل، ولو كان ذلك على عنق عظيمة لهدها وأوهنها، فجعل
رأسه ملصقا بجسمه لكيلا ينال منه ما وصفنا، وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول
به غذاءه، فصار مع عدمه العنق مستوفيا ما فيه بلوغ حاجته.
(1) أي تسقط فيه. (2) أي ملقى على وجهه
(3) أي مستقبلا (4) الازدراد: البلع. (5) أي ليرسله ويرخيه. *
[58]
انظر الآن كيف حياء الانثى من الفيلة في
أسفل بطنها فإذا هاجت للضراب ارتفع وبرز حتى يتمكن الفحل من ضربها، فاعتبر كيف جعل
حياء الانثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الانعام، ثم جعلت فيه هذه
الخلة ليتهيأ للامر الذي فيه قوام النسل ودوامه. فكر في خلق الزرافة (1) واختلاف
أعضائها وشبهها بأعضاء أصناف من الحيوان، فرأسها رأس فرس، وعنقها عنق جمل، وأظلافها
أظلاف بقرة، وجلدها جلد نمر، وزعم ناس من الجهال بالله عزوجل أن نتاجها من فحول
شتى، قالوا: وسبب ذلك أن أصنافا من حيوان البر إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة
وينتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتى، وهذا جهل من قائله وقلة معرفته
بالباري جل قدسه، وليس كل صنف من الحيوان يلقح كل صنف، فلا الفرس يلقح الجمل، ولا
الجمل يلقح البقر، وإنما يكون التلقيح من بعض الحيوان فيما يشاكله ويقرب من خلقه
كما يلقح الفرس الحمارة فيخرج بينهما البغل، ويلقح الذئب الضبع فيخرج بينهما السمع،
على أنه ليس يكون في الذي يخرج من بينهما عضو من كل واحد منهما كما في الزرافة عضو
من الفرس، وعضو من الجمل، و أظلاف من البقرة، بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج
منهما كالذي تراه في البغل، فانك ترى رأسه واذنيه وكفله وذنبه وحوافره وسطابين هذه
الاعضاء من الفرس والحمار وشحيجه (2) كالممتزج من صهيل ونهيق الحمار، فهذا دليل على
أنه ليست الزرافة من لقاح أصناف شتى من الحيوان كما زعم الجاهلون، بل هي خلق عجيب
من خلق الله للدلالة على قدرته التي لا يعجزها شئ، وليعلم أنه خالق أصناف الحيوان
كلها يجمع بين ما يشاء من أعضائها في أيها شاء ويفرق ما شاء منها في أيها شاء و
يزيد في الخلقة ما شاء وينقص منها ما شاء دلالة على قدرته على الاشياء وأنه لا
يعجزه شئ
(1) الزرافة: دابة يقال لها بالفارسية:
اشتر گاو پلنگ. (2) شحج البغل أو الغراب: صوت أو غلظ صوته. *
[59]
أراده جل وتعالى، فأما طول عنقها والمنفعة
لها في ذلك فان منشأها ومرعاها في غياطل (1) ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولا في الهواء
فهي تحتاج إلى طول العنق لتناول بفيها أطراف تلك الاشجار فتتقوت من ثمارها. تأمل
خلق القرد وشبهه بالانسان في كثير من أعضائه أعني الرأس والوجه و المنكبين والصدر
وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضا بأحشاء الانسان، وخص مع ذلك بالذهن والفطنة التي بها يفهم
عن سائسه ما يؤمي إليه (2) ويحكي كثيرا مما يرى الانسان بفعله، حتى أنه يقرب من خلق
الانسان وشمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه، أن يكون (3) عبرة للانسان في
نفسه، فيلعم أنه من طينة البهائم و سنخها (4) إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب،
ولولا أنه فضيلة (5) فضله (6) بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم، على أن
في جسم القرد فضولا اخرى يفرق بينه وبين الانسان كالخطم والذنب المسدل والشعر
المجلل للجسم كله، وهذا لم يكن مانعا للقرد أن يحلق بالانسان لو اعطي مثل ذهن
الانسان وعقله ونطقه، و الفصل الفاصل بينه وبين الانسان بالصحة (7) هو النقص في
العقل والذهن والنطق. انظر يا مفضل: إلى لطف الله جل اسمه بالبهائم كسيت أجسامهم
هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف ليقيها من البرد، وكثرة الآفات، والبست
(1) الغياطل جمع الغيطل وهو الشجر الكثير
الملتف. (2) أي يشير إليه. (3) أي خلق كذلك لان يكون عبرة للانسان. (4) السنخ:
الاصل. (5) في المخطوطة وفى التوحيد من البحار: وانه لولا فضيلة. (6) في التوحيد من
البحار: فضله الله بها. (7) أي الفصل الصحيح الذى يصلح لان يكون فاصلا. وقال
المصنف: في اكثر النسخ: " وهو " وعلى هذا فلا يبعد أن تكون الصحة تصحيف القحة أي
قلة الحياء. *
[60]
الاظلاف (1) والحوافر والاخفات ليقيها من
الحفاء إذ كانت لا أيدي لها ولا أكف ولا أصابع مهيأة للغزل والنسج فكفوا بأن جعل
كسوتهم في خلقتهم باقية عليهم ما بقوا: لا يحتاجون إلى تجديدها والاستبدال بها،
فأما الانسان فانه ذوحيلة وكف مهيأة للعمل فهو ينسج ويغزل ويتخذ لنفسه الكسوة،
ويستبدل بها حالا بعد حال، وله في ذلك صلاح من جهات: من ذلك أنه يشتغل بصنعة اللباس
عن العبث وما يخرجه إليه الكفاية، ومنها: أنه يستريح إلى خلع كسوته (2) ولبسها إذا
شاء، ومنها: أنه يتخذ لنفسه من الكسوة ضروبا، لها جمال وروعة (3) فيتلذذ بلبسها
وتبديلها، وكذلك يتخذ بالرفق من الصنعة ضروبا من الخفاف والنعال يقي بها قدميه وفي
ذلك معايش لمن يعلمه من الناس، ومكاسب يكون فيها معاشهم، ومنها أقواتهم وأقوات
عيالهم، فصار الشعر والوبر والصوف يقوم للبهائم مقام الكسوة، والاظلاف والحوافر
والاخفاف مقام الحذاء. فكر يا مفضل: في خلقة عجيبة في البهائم، فانهم يوارون أنفسهم
إذا ماتوا كما يواري الناس موتاهم، وإلا فأين جيف هذه الوحوش والسباع وغيرها لا يرى
منها شئ، وليست قليلة فتخفى لقلتها، بل لو قال قائل: إنها أكثر من الناس لصدق.
فاعتبر ذلك بما تراه في الصحاري والجبال من أسراب الظباء والمها والحمير والوعول
والايائيل وغير ذلك من الوحوش، وأصناف السباع من الاسد والضباع و لذئاب والنمور
وغيرها، وضروب الهوام والحشرات ودواب الارض وكذلك سراب الطير من الغربان والقطا
والاوز والكراكي (4) والحمام وسباع الطير
(1) في كتاب التوحيد من البحار: والبست
قوائمها الاظلاف. (2) في التوحيد: إلى خلع كسوته إذا شاء. (3) الروعة: المسحة من
الجمال. (4) الغربان جمع الغراب، والقطا جمع القطاة طائر في حجم الحمام. والاوز جمع
الاوزة: طائر مائى يقال له: الوزة ايضا: والكراكي جمع الكركي: طائر كبير أغبر اللون
طويل العنق والرجلين، ابتر الذنب، قليل اللحم، يأوى إلى الماء احيانا. *
[61]
جميعا، وكلها لا يرى منها إذا ماتت (1)
إلا الواحد بعد الواحد يصيده قانص ويفترسه سبع، فإذا أحسوا بالموت كمنوا (2) في
مواضع خفية فيموتون فيها، ولولا ذلك لامتلات الصحاري منها حتى تفسد رائحة الهواء
ويحدث الامر