بحار الانوار الجزء
57
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء السابع والخمسون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة
الثالثة المصححة 1403 ه - 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية
كليوباترا - شارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766
- المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث - تلكس 44632 / LE تراث
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم (29) (باب) *
(الرياح وأسبابها وأنواعها) * الآيات: البقرة: وتصريف الرياح (1). الاعراف: وهو
الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته (2). الحجر: وأرسلنا الرياح لواقح (3).
الاسراء: فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم (4). الانبياء: ولسليمان
الريح عاصفة تجري بأمره إلى الارض التي باركنا فيها (5). الفرقان: وهو الذي أرسل
الرياح بشرا بين يدي رحمته (6). النمل: ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته (7).
الروم: ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري
(1) البقرة: 164. (2) الاعراف: 57. (3)
الحجر: 22. (4) الاسراء: 69. (5) الانبياء: 81. (6) الفرقان: 48. (7) النمل: 63.
[2]
الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم
تشكرون (1). وقال تعالى: ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (2).
الذاريات: والذاريات ذروا (2). وقال سبحانه: وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم
(4). القمر: إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (5). المرسلات:
والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا فالناشرات نشرا (6) تفسير: " وهو الذي أرسل الرياح
بشرا " قال الرازي: حد الريح أنه هواء متحرك، فنقول: كون هذا الهواء متحركا ليس
لذاته ولا للوازم ذاته وإلا لدامت الحركة بدوام ذاته، فلا بد وأن يكون بتحريك
الفاعل المختار وهو الله جل جلاله. قالت الفلاسفة: ههنا سبب آخر، وهو أنه يرتفع من
الارض أجزاء أرضية لطيفة مسخنة (7) تسخينا قويا شديدا، فبسبب تلك السخونة الشديدة
ترتفع وتتصاعد، فإذا وصلت إلى القرب من الفلك كان الهواء الملتصق بمقعر (8) الفلك
متحركا على استدارة الفلك بالحركة المستديرة التي حصلت لتلك الطبقة من الهواء، فهي
تمنع هذه الادخنة من الصعود بل تردها عن سمت حركتها، فحينئذ ترجع تلك الادخنة
وتتفرق في الجوانب وبسبب ذلك التفرق تحصل الرياح، ثم كلما كانت تلك الادخنة أكثر
وكان صعودها أقوى كان رجوعها أيضا أشد حركة فكانت الرياح أشد وأقوى. هذا حاصل ما
ذكروه وهو باطل، ويدل على بطلانه وجوه:
(1) الروم: 44. (2) الروم: 51. (3)
الذاريات: 1. (4) الذاريات: 41. (5) القمر: 19. (6) المرسلات: 1 - 3. (7) في
المصدر: تسخنه. (8) بقعر (خ).
[3]
الاول: أن صعود الاجزاء الارضية إنما يكون
لشدة تسخنها، ولا شك أن ذلك التسخن عرضي، لان الارض باردة يابسة بالطبع، فإذا كانت
تلك الاجزاء الارضية متصغرة جدا كانت سريعة الانفعال، فإذا تصاعدت ووصلت إلى الطبقة
الباردة من الهواء امتنع بقاء الحرارة فيها بل تبرده جدا، وءدا بردت امتنع بلوغها
في الصعود إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك، فبطل مال ذكروه. الثاني: هب
أن تلك الاجزاء الدخانية صعدت إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك، لكنها لما
رجعت وجب أن تنزل على الاستقامة، لان الارض جسم ثقيل، والثقيل إنما يتحرك
بالاستقامة، والرياح ليست كذلك، فإنها تتحرك يمنة ويسرة. الثالث: أن حركة تلك
الاجزاء الارضية النازلة لا تكون حركة قاهرة، فإن الرياح إذا أحضرت الغبار الكثير
ثم عاد ذلك الغبار ونزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها وترى هذه الرياح تقلع
الاشجار وتهدم الجبال وتموج البحار. الرابع: أنه لو كان الامر على ما قالوه لكانت
الرياح كلما كانت أشد وجب أن يكون حصول الاجزاء الغبارية الارضية أكثر، لكنه ليس
الامر كذلك، لان الرياح قد يعظم عصوفها وهبوبها في وجه البحر مع أن الحس يشهد بأنه
ليس في ذلك الهواء المتحرك العاصف شئ من الغبار والكدرة، فبطل ما قالوه. وقال
المنجمون: إن قوى الكواكب هي التي تحرك هذه الرياح وتوجب هبوبها وذلك أيضا بعيد،
لان الموجب لهبوب الرياح إن كان طبيعة الكواكب وجب دوام الرياح بدوام تلك الطبيعة،
وإن كان الموجب هو طبيعة الكواكب بشرط حصوله في البرج المعين والدرجة المعينة وجب
أن يتحرك هواء كل العالم وليس كذلك. وأيضا قد بينا أن الاجسام متماثلة فاختصاص
الكوكب المعين والبرج المعين والطبيعة التي لاجلها اقتضت ذلك الاثر الخاص لابد وأن
يكون بتخصيص الفاعل المختار فثبت أن محرك الرياح هو الله سبحانه، وثبت بالدليل
العقلي أيضا صحة قوله " وهو الذي يرسل الرياح ".
[4]
قوله " نشرا " أي منتشرة متفرقة، فجزء من
أجزاء الريح يذهب يمنة، وجزء آخر يذهب يسرة، وكذا القول في سائر الاجزاء، فإن كل
واحد منها يذهب إلى جانب آخر فنقول: لاشك أن طبيعة الهواء طبيعة واحدة ونسبة
الافلاك والانجم والطبائع إلى كل واحد من الاجزاء من ذلك الريح نسبة واحدة، فاختصاص
بعض أجزاء الريح بالذهاب يمنة والجزء الآخر بالذهاب يسرة وجب أن لا يكون ذلك إلا
بتخصيص الفاعل المختار (1). " بين يدي رحمته " أي بين يدي المطر الذي هو رحمته، فإن
قيل: فقد نجد المطر ولا تتقدمه الرياح، قلنا: ليس في الآية أن هذا التقدم حاصل في
كل الاحوال فلم يتوجه السؤال. وأيضا فيجوز أن تتقدمه هذه الرياح وإن كنا لا نشعر
بها. وعن ابن عمر: الرياح ثمان، أربع منها عذاب وهو: القاصف، والعاصف، والصرصر، و
العقيم، وأربع منها رحمة: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات. وعن النبي
صلى الله عليه وسلم: نصرت بالصبا، واهلك عاد بالدبور، والجنوب من ريح الجنة. و عن
كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لانتن أكثر الارض (2). " فيرسل عليكم
قاصفا من الريح " قال الطبرسي - ره -: أي فإذا ركبتم البحر أرسل عليكم ريحا شديده
كاسرة للسفينة، وقيل: الحاصب: الريح المهلكة في البر والقاصف: المهلكة في البحر.
فيغرقكم بما كفرتم " من نعم الله (3). " أن يرسل الرياح " قال البيضاوي: أي الشمال
والصبا والجنوب، فإنها رياح الرحمة، وأما الدبور فريح العذاب، ومنه قوله صلى الله
عليه وسلم " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " وقرأ ابن كثير والحمزة والكسائي
" الريح " على إرادة الجنس " مبشرات " بالمطر " وليذيقكم من رحمته " يعني المنافع
التابعة لها، وقيل: الخصب التابع لنزول المطر المسبب عنها أو الروح الذي هو مع
هبوبها، والعطف على علة
(1) مفاتيح الغيب: ج 14، ص 140 (من
المطبوع بمصر) (2) مفاتيح الغيب: ج 14، ص 141. (3) مجمع البيان: ج 6، ص 428.
[5]
محذوفة دل عليها " مبشرات " أو عليها
باعتبار المعنى، أو على " يرسل " بإضمار فعل معلل دل عليه. " ولتبتغوا من فضله "
يعني تجارة البحر (1). " فرأوه مصفرا " أي فرأوا الاثر والزرع، فإنه مدلول عليه بما
تقدم، وقيل: السحاب لانه إذا كان مصفرا لم يمطر، واللام موطئة للقسم دخلت على حرف
الشرط. وقوله " لظلوا من بعده يكفرون " جواب سد مسد الجزاء ولذلك فسر بالاستقبال
وهذه الآية (2) ناعية على الكفار بقلة تثبتهم وعدم تدبرهم وسرعة تزلزلهم لعدم
تفكرهم وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله ويلجؤوا (3) إليه
بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم ولم ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر
والاستدامة بالطاعة إذا أصابهم برحمته ولم يفرطوا في الاستبشار، وأن يصبروا على
بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار ولم يكفروا نعمه (4). أقول: وقد مر تفسير الذاريات
بالرياح التي تذرو التراب وهشيم النبت. وقال الطبرسي - ره -: الريح العقيم هي التي
عقمت عن أن تأتي بخير، [و] من تنشئة سحاب، أو تلقيح شجر، أو تذرية طعام، أو نفع
حيوان، فهي كالمرأة الممنوعة عن الولادة، إذ هي ريح الاهلاك (5). وقال في قوله
تعالى " ريحا صرصرا " أي شديدة الهبوب، وقيل: باردة من الصر وهو البرد " في يوم نحس
(6) مستمر " أي دائم الشؤم، استمر عليهم بنحوسته " سبع ليال وثمانية أيام " حتى أتت
عليهم، وقيل: إنه كان يوما الاربعاء آخر الشهر لا يدور، رواه العياشي بالاسناد عن
أبي جعفر عليه السلام (7).
(1) انوار التنزيل: ج 2، ص 248. (2) في
المصدر: الايات. (3) في المصدر: يلتجئوا. (4) انوار التنزيل: ج 2، ص 249. (5) مجمع
البيان: ج 9، ص 159. (6) في المصدر: أي في يوم شوم. (7) مجمع البيان: ج 9، ص 190.
[6]
أقول: وقد مر أيضا تفسير " المرسلات عرفا
" بالرياح ارسلت متتابعة كعرف الفرس، و " العاصفات عصفا " بالرياح الشديدات الهبوب،
و " الناشرات نشرا " بالرياح التي تأتي بالمطر تنشر السحاب نشرا للغيث. 1 - الفقيه:
قال علي عليه السلام: للريح رأس وجناحان (1). بيان: لعل الكلام مبني على الاستعارة،
أي يشبه الطائر في أنها تطير إلى كل جانب، وفي أنها في بدء حدوثها قليلة ثم تنتشر
كالطائر الذي بسط جناحه، و الله يعلم. 2 - الفقيه: عن كامل، قال: كنت مع أبي جعفر
عليه السلام بالعريض، فهبت ريح شديدة، فجعل أبو جعفر عليه السلام يكبر، ثم قال: إن
التكبير يرد الريح. وقال عليه السلام: ما بعث الله ريحا إلا رحمة أو عذابا، فإذا
رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك خيرها وخير ما ارسلت له، ونعوذ بك من شرها وشر ما
ارسلت له، وكبروا وارفعوا أصواتكم بالتكبير فإنه يكسرها (2). 3 - وقال رسول الله
صلى الله عليه وآله: ما خرجت ريح قط إلا بمكيال إلا زمن عاد، فإنها عتت على خزانها
فخرجت في مثل خرق الابرة فأهلكت قوم عاد (3). 4 - وقال الصادق عليه السلام: نعم
الريح الجنوب، تكسر البرد عن المساكين، و تلقح الشجر، وتسيل الاودية (4). 5 - وقال
على عليه السلام: الرياح خمسة، منها العقيم فنعوذ بالله من شرها، و كان النبي صلى
الله عليه واله إذا هبت ريح صفراء أو حمراء أو سوداء تغير وجهه واصفر، وكان كالخائف
الوجل حتى ينزل من السماء قطرة من مطر فيرجع إليه لونه، ويقول: جاءتكم بالرحمة (5).
6 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: انبهك يا مفضل على الريح وما فيها،
ألست ترى ركودها إذا ركدت كيف يحدث الكرب الذي يكاد يأتي على
(1 و 2) الفقيه: 142. (3 و 4 و 5) الفقيه:
143.
[7]
النفوس، ويحرض الاصحاء، وينهك المرضى،
ويفسد الثمار، ويعفن البقول، و يعقب الوباء في الابدان والآفة في الغلات ؟ ففي هذا
بيان أن هبوب الريح من تدبير الحكيم في صلاح الخلق، وانبئك عن الهواء بخلة اخرى،
فإن الصوت أثر يؤثره اصطكاك الاجسام في الهواء، والهواء يؤديه إلى المسامع، والناس
يتكلمون في حوائجهم ومعاملاتهم طول نهارهم وبعض ليلهم، فلو كان أثر هذا الكلام يبقى
في الهواء كما يبقى الكتاب في القرطاس لامتلا العالم منه، فكان يكربهم ويفدحهم،
وكانوا يحتاجون في تجديده والاستبدال به أكثر مما يحتاج إليه في تجديد القراطيس،
لان ما يلقى من الكلام أكثر مما يكتب، فجعل الخلاق الحكيم - جل قدسه - هذا الهواء
قرطاسا خفيفا يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم (1) حاجتهم، ثم يمحى فيعود جديدا نقيا
ويحمل ما حمل أبدا بلا انقطاع، وحسبك بهذا النسيم لمسمى هواء عبرة وما فيه من
المصالح، فإنه حياة هذه الابدان والممسك لها من داخل بما يستنشق منه، ومن خارج بما
تباشر من روحه، وفيه تطرد هذه الاصوات فيؤدي بها من البعيد، وهو الحامل لهذه
الاراييح ينقلها من موضع إلى موضع. ألا ترى كيف تأتيك الرائحة من حيث تهب الريح ؟
فكذلك الصوت، وهو القابل لهذا الحر والبرد اللذين يعتقبان على العالم لصلاحه، ومنه
هذه الريح الهابة، فالريح تروح عن الاجسام، وتزجي السحاب من موضع إلى موضع ليعم
نفعه حتى يستكثف فيمطر وتفضه حتى يستخف فيتفشى وتلقح الشجر، وتسير السفن، وترخي
الاطعمة، وتبرد الماء وتشب النار، و تجفف الاشياء الندية، وبالجملة إنها تحيي كل ما
في الارض، فلولا الريح لذرى النبات، ومات الحيوان، وحمت الاشياء وفسدت. بيان: ركود
الريح سكونها، والتحريض إفساد البدن، ونهكته الحمى أي أضنته وهزلته وقوله " والهواء
يؤديه " يدل على ما هو المذهب المنصور من تكيف الهواء بكيفية الصوت كما فصل في
محله. ويقال: كربه الامر أي شق عليه، وفدحه
(1) العام (خ).
[8]
الدين أي أثقله، وريث ما فعل كذا أي قدر
ما فعله، و " يبلغ " إما على بناء المجرد فالعالم فاعله، أو على التفعيل فالهواء
فاعله، والروح - بالفتح - الراحة ونسيم الريح. واطرد الشئ: تبع بعضه بعضا وجرى.
والاراييح: جمع جمع للريح. وتزجي السحاب - على بناء الافعال - أي تسوقه، وتفضه أي
تفرقه، والتفشي: الانتشار، وترخي الاطعمة - على [بناء] التفعيل أو الافعال - أي
تصيرها رخوة لطيفة، وتشب النار أي توقدها. 7 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن
الحسين بن إسحق التاجر، عن علي بن مهزيار، عن الحسن بن الحسين، عن محمد بن فضيل، عن
العرزمي، قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام جالسا في الحجر تحت الميزاب ورجل
يخاصم رجلا وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما تدري من أين تهب الريح، فلما أكثر عليه
فقال له أبو عبد الله عليه السلام: هل تدري أنت من أين تهب الريح (1) ؟ فقال: لا،
ولكني أسمع الناس يقولون، فقلت أنا لابي عبد الله عليه السلام: من أين تهب الريح
(2) ؟ فقال: إن الريح مسجونة تحت الركن (3) الشامي، فإذا أراد الله عزوجل أن يرسل
(4) منها شيئا أخرجه إما جنوبا فجنوب، وإما شمالا فشمال، وإما صباء فصباء، وإما
دبورا فدبور، ثم قال: وآية ذلك أنك ترى (5) هذا الركن متحركا أبدا في الصيف والشتاء
(6) والليل والنهار (7). معاني الاخبار: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن
محمد بن عيسى، عن
(1) في الكافي: هل تدرى انت فقال لا. (2)
في معاني الاخبار: من اين تهب الريح جعلت فداك. (3) في الكافي والمعاني: تحت هذا
الركن. (4) في الكافي: يخرج. (5) في المصادر: لا تزال ترى. (6) لفظه " الشتاء " في
المصادر مقدمة على " الصيف ". (7) علل الشرائع: ج 2، ص 133.
[9]
العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن
محمد بن الحسين (1) عن محمد بن الفضيل عن العرزمي مثله (2). الكافي: عن أبي علي
الاشعري، عن بعض أصحابه، عن محمد بن الفضيل مثله (3) بيان: قوله " مسجونة " يحتمل
أن يكون كناية عن قيام الملائكة الذين بهم تهب تلك الرياح فوقه عند إرادة ذلك كما
سيأتي، ولعل المراد بحركة الركن حركة الثوب المعلق عليه. 8 - العلل: عن أبيه، عن
سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي عن السكوني، عن جعفر بن محمد عن
أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تسبوا الرياح فإنها
مأمورة، ولا تسبوا الجبال ولا الساعات ولا الايام ولا الليالي فتأثموا وترجع عليكم
(4). بيان: الغرض النهي عن سب الرياح والبقاع والجبال والايام والساعات فإنها
مقهورة تحت قدرة الله سبحانه مسخرة له تعالى لا يملكون تأخرا عما قدمهم إليه ولا
تقدما إلى ما أخرهم عنه، فسبهم سب لمن (5) لا يستحقه، ولعن من لا يستحق اللعن يوجب
رجوع اللعنة على اللاعن، بل هو مظنة الكفر والشرك لولا غفلتهم عما يؤول إليه، كما
ورد في الخبر: لاتسبوا الدهر فإنه هو الله، أي فاعل الافعال التي تنسبونها إلى
الدهر وتسبونه بسببها هو الله تعالى. 9 - تفسير على بن ابراهيم: " وفي عاد إذ
أرسلنا عليهم الريح العقيم " التي لا تلقح الشجر ولا تنبت النبات، وفي رواية أبي
الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا " والصرصر:
الباردة، في أيام نحسات " أيام مياشبم (6).
(1) في المعاني: محمد بن الحصين. (2)
معاني الاخبار: 385. (3) الكافي: ج 8، ص 271 (4) علل الشرائع: ج 2، ص 264. (5) من
(خ). (6) تفسير القمى: 448.
[10]
10 - ومنه: " وأرسلنا الرياح لواقح " قال:
التي تلقح الاشجار (1). 11 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن
أحمد، عن السياري رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: لم سميت ريح
الشمال ؟ قال: لانها تأتي من شمال العرش (2). بيان: كون ريح الشمال من شمال العرش
لانها تهب من قبل الركن الشامي وهو في يسار الكعبة إذا فرضت رجلا مواجها إلينا
والحجر الاسود عن يمين الكعبة وقد ورد في الخبر أن العرش محاذ للكعبة، فيمينه
يمينها ويساره يسارها، ويوضح ذلك ما رواه الصدوق أيضا في العلل بإسناده عن بريد
العجلى، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كيف صار الناس يستلمون الحجر والركن
اليماني ولا يستلمون الركنين الآخرين ؟ قال: إن الحجر الاسود والركن اليماني عن
يمين العرش، وإنما أمر الله تبارك وتعالى أن يستلم ما عن يمين عرشه، قلت: فكيف صار
مقام إبراهيم عن يساره ؟ قال: لان لابراهيم مقاما في القيامة ولمحمد صلى الله عليه
واله مقاما، فمقام محمد صلى الله عليه واله عن يمين عرش ربنا عزوجل ومقام إبراهيم
عليه السلام عن شمال عرشه، فمقام إبراهيم في مقامه يوم القيامة وعرش ربنا مقبل غير
مدبر. وحاصله أنه ينبغي أن يتصور أن البيت بإزاء العرش وحذائه في الدنيا والآخرة،
والبيت بمنزلة رجل وجهه إلى الناس، ووجهه الطرف الذي فيه الباب فإذا توجه إنسان إلى
البيت من جهة الباب كان المقام والركن الشامي عن يمينه والحجر [الاسود] والركن
اليماني عن يساره، فإذا فرض البيت إنسانا مواجها تنعكس النسبة، فيمينه يحاذي يسارنا
وبالعكس. " وعرش ربنا مقبل " أي بمنزلة رجل مقبل، ويمكن أن يكون تسمية الجانب الذي
يلي الشامي شمالا في خبر السياري لانه أضعف جانبي الكعبة كما أن الشمال أضعف جانبي
الانسان، لان أشرف
(1) المصدر: 350. (2) علل الشرائع: ج 2، ص
264.
[11]
أجزاء الكعبه وهي الحجر والركن اليماني
واقعة على الجانب المقابل، فهو بمنزلة اليمين. 12 - العلل: بالاسناد إلى وهب، قال:
إن الريح العقيم تحت هذه الارض التي نحن عليها قدزمت بسبعين ألف زمام من حديد، قد
وكل بكل زمام سبعون ألف ملك، فلما سلطها الله عزوجل على عاد استأذنت خزنة الريح
ربها عزوجل أن تخرج منها في مثل منخر الثور، ولو أذن الله عزوجل لها ما تركت شيئا
على ظهر الارض إلا أحرقته، فأوحى الله عزوجل إلى خزنة الريح أن أخرجوا منها في مثل
ثقب الخاتم فاهلكوا بها، وبها ينسف الله عزوجل الجبال نسفا، والتلال والآكام
والمدائن والقصور يوم القيامة، وذلك قوله عزوجل " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها
ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (1) " والقاع الذي لانبات
فيه، و الصفصف الذي لاعوج فيه، والامت المرتفع. وإنما سميت العقيم لانها تلقحت
بالعذاب وتعقمت عن الرحمة كتعقم الرجل (2) إذا كان عقيما لا يولد له - الخبر - (3).
بيان: قال الجوهري: نسفت البناء نسفا: قلعته. وقال: القاع المستوى من الارض وكذا
الصفصف. وقال: الامت المكان المرتفع، وقوله تعالى " لا ترى فيها عوجا ولا أمتا " أي
لا انخفاض فيها ولا اقاع ؟. 13 - قصص الرواندى: بإسناده إلى الصدوق، عن أبيه، عن
سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن زرعة، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه
السلام قال: إذا هاجت الرياح فجاءت بالسافي الابيض والاسود والاصفر فإنه رميم قوم
عاد. بيان: في القاموس: سفت الريح التراب تسفيه: ذرته، أو حملته - كأسفته - فهو ساف
وسفى (انتهى) اقول: يمكن تخصيصه ببعض البلاد القريبة من بلادهم كمدينة ضاعف الله
شرفها - ولابعد في التعميم أيضا.
(1) طه: 105 - 107. (2) الرحم (خ). (3)
علل الشرائع: ج 1 ص 31. والخبر موقوف لا اعتداد به.
[12]
14 - العياشي: عن ابن وكيع، عن رجل، عن
أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تسبوا الريح،
فإنها بشر، وإنها نذر، وإنها لواقح، فاسألوا الله من خيرها وتعوذوا به من شرها.
بيان: أي إنها مأمورة مبعوثة بأمر الله إما للبشارة بالمطر وغيره، أو للانذار أولا
لقاح الاشجار، أو لسوق السحب إلى الاقطار كما مر، فسبها باطل لا ينفعكم بل يضركم،
فاسألوا الله الذي بعثها ليجعلها نافعة لكم، ويصرف شرها عنكم. 15 - العياشي: عن أبي
بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لله رياح رحمة لواقح ينشرها بين يدي رحمته. 16
- الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن محمد
بن رئاب. (1) وهشام بن سالم، عن أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن
الرياح الاربع: الشمال، والجنوب، والصبا، والدبور، وقلت له: إن الناس يذكرون أن
الشمال من الجنة والجنوب من النار، فقال: إن لله عزوجل جنودا من رياح يعذب بها من
يشاء ممن عصاه، فلكل ريح منها ملك موكل بها، فإذا أراد الله عز ذكره أن يعذب قوما
بنوع من العذاب أوحى إلى الملك الموكل بذلك النوع من الريح التي يريد أن يعذبهم
بها، قال: فيأمرها الملك فتهيج كما يهيج الاسد المغضب. وقال: ولكل ريح منهن اسم،
أما تسمع قوله عزوجل " كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا
في يوم نحس مستمر " (2) وقال " الريح العقيم (3) " وقال " ريح فيها عذاب أليم (4) "
وقال " فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت (5) " وما ذكر من الرياح التي يعذب الله بها
من عصاه. وقال: ولله عز
(1) في المصدر " على بن رئاب " والظاهر
أنه الصحيح لعدم ذكر من " محمد بن رئاب " في كتب الرجال. (2) القمر: 19 (3)
الذاريات: 41. (4) الاحقاف: 24. (5) البقرة: 266.
[13]
ذكره رياح رحمة لواقح وغير ذلك ينشرها بين
يدي رحمته، منها ما يهيج السحاب للمطر ومنها رياح تحبس السحاب بين السماء والارض،
ورياح تعصر السحاب فتمطر بإذن الله، ومنها رياح تفرق السحاب، ومنها رياح مما عدد
(1) الله في الكتاب، فأما الرياح الاربع الشمال والجنوب والصبا والدبور فإنما هي
أسماء الملائكة الموكلين بها فإذا أراد الله أن يهب شمالا أمر الملك الذي اسمه
الشمال فيهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه (2)، فتفرقت ريح
الشمال حيث يريد الله من البر والبحر، (3) فإذا أراد الله أن يبعث جنوبا أمر الملك
الذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام، فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه (4)،
فتفرقت (5) ريح الجنوب في البر والبحر حيث يريد الله، وإذا أراد الله أن يبعث (6)
الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب
بجناحه (7) فتفرقت ريح الصبا حيث يريد الله عزوجل في البر والبحر، وإذا أراد الله
أن يبعث دبورا أمر الملك الذي اسمه الدبور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن
الشامي، فضرب بجناحه (8) فتفرقت ريح الدبور حيث يريد الله من البر والبحر. ثم قال
أبو جعفر عليه السلام: أما تسمع لقوله: ريح الشمال، وريح الصبا، وريح الصبا، وريح
الدبور إنما تضاف إلى الملائكة الموكلين بها (9). الخصال: عن محمد بن الحسن بن
الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن ابن محبوب مثله، إلى قوله
" فكيف كان عذابي ونذر " وذكر رياحا في العذاب ثم قال: فريح الشمال وريح الصبا وريح
الجنوب وريح الدبور أيضا
(1) عد الله (خ). (2 و 4 و 7 و 8) بجناحيه
(خ). (3) في المصدر: وإذا. (5) فتفرق (خ). (6) في المصدر: ريح الصبا. (9) الكافي:
ج، ص 92.
[14]
تضاف إلى الملائكة الموكلين بها (1).
بيان: قال الفيروز آبادي: الشمال بالفتح ويكسر: الريح التي تهب من قبل الحجر، أو ما
استقبلك عن يمينك وأنت مستقبل القبلة، والصحيح أنه ما مهبه بين مطلع الشمس وبنات
النعش، أو من مطلع النعش إلى مسقط النسر الطائر، ويكون اسما وصفة، ولا تكاد تهب
ليلا، وقال: الجنوب ريح تخالف الشمال، مهبه (2) من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا.
وقال: الصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش وقال: الدبور ريح تقابل الصبا.
وقال الشهيد - قدس سره - في الذكرى: الجنوب محلها ما بين مطلع سهيل إلى مطلع الشمس
في الاعتدالين، والصبا محلها ما بين الشمس إلى الجدي، والشمال محلها من الجدي إلى
مغرب الشمس في الاعتدال، والدبور محلها من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل. قوله تعالى "
ونذر " أي إنذار لهم بالعذاب قبل نزولها، أو لمن بعدهم في تعذيبهم. والريح العقيم
قيل هي الدبور، وقيل هي الجنوب وقيل: النكباء. وقال الجوهري: الاعصار ريح تثير
الغبار إلى السماء كأنه عمود وقيل هي ريح تثير سحابا ذات رعد وبرق. قوله عليه
السلام " فتفرقت ريح الشمال " لا يتوهم أنه يلزم من ذلك أن يكون مهب جميع الرياح
جهة القبلة، وذلك لانه لعظمة الملك وجناحه يمكن أن يتحرك رأس جناحه بأي موضع أراد،
ويرسلها إلى أي جهة امر بالارسال إليها، وإنما امر بالقيام على الكعبة لشرافتها
وكونها في محل رحماته تعالى ومصدرها. وقيل: ضرب الجناح علامة أمر الملك الريح
للهبوب. قوله عليه السلام " أما تسمع لقوله " أي لقول القائل، وكأنه عليه السلام
استدل بهذه العبارات الشائعة على ما ذكره من أنها أسماء الملائكة، إذ الظاهر من
الاضافة كونها لامية والبيانية نادرة وإن كان القائلون لم يعرفوا هذا المعنى لانهم
سمعوا ممن تقدمهم وهكذا إلى أن ينتهي إلى من أطلق ذلك على وجه المعرفة.
(1) الخصال: 123. (2) في القاموس: مهبها.
[15]
17 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن
محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام
قال: إن لله تبارك وتعالى ريحا يقال لها " الازيب " لو ارسل منها مقدار منخر الثور
لاثارت ما بين السماء والارض وهي الجنوب (1). بيان: قوله " وهي الجنوب " من كلام
بعض الرواة أو من كلامه عليه السلام، وعلى التقديرين لعل المراد به أنها نوع منها
أو قريب منها. قال في القاموس: الازيب كالاحمر الجنوب (2) والنكباء تجري بينها وبين
الصبا. وقال: النكباء ريح انحرفت ووقعت بين ريحين، أو بين الصبا والشمال، أو نكب
الرياح الاربع، الازيب: نكباء الصبا والجنوب، والصابية - وتسمى النكيباء أيضا -:
نكباء الصبا والشمال، و الجربياء: نكباء الشمال والدبور وهي نيحة الازيب، والهيف:
نكباء الجنوب والدبور وهي نيحة النكيباء. ونحوه قال الجوهري. وقال: كل ريح استطالت
أثرا فهبت عليه ريحا طولا فهي نيحة، فإن اعترضته فهي نسيجته. 18 - نوادر الراوندي:
بإسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه
واله: نصرت بالصبا، واهلكت عاد بالدبور، وما هاجت الجنوب إلا سقى الله بها غيثا
وأسال بها واديا. 19 - الاحتجاج: قال الصادق عليه السلام للزنديق الذي سأله مسائل:
الريح لو حبست أياما لفسدت الاشياء جميعا وتغيرت (3). وسأله عن جوهر الريح فقال:
الريح هواء إذا تحرك سمي ريحا، فإذا سكن سمي هواء، وبه قوام الدنيا، ولو كفت (4)
الريح ثلاثة أيام لفسد كل شئ على وجه الارض ونتن، وذلك أن الريح بمنزلة المروحة تذب
وتدفع الفساد عن كل شئ وتطيبه، فهي بمنزله الروح إذا
(1) الكافي: ج 8، ص 217. (2) في المصدر،
أو. (3) الاحتجاج، 7، 1. (4) في المخطوطة: كثفت.
[16]
خرج عن البدن نتن البدن وتغير، تبارك الله
أحسن الخالقين (1) 20 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب،
عن عبد الله ابن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن لله
عزوجل رياح رحمته ورياح عذاب، فإن شاء الله أن يجعل الرياح من (2) العذاب رحمة فعل،
قال: ولن يجعل الله الرحمة من الريح عذابا، قال: وذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه
وكانت طاعتهم إياه وبالا عليهم إلا من بعد تحولهم عن طاعته. قال: وكذلك فعل بقوم
يونس لما آمنوا رحمهم الله بعد ما كان قدر عليهم العذاب وقضاه، ثم تداركهم برحمته
فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة، فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم، وذلك لما آمنوا
به وتضرعوا إليه. قال: وأما الريح العقيم فإنها ريح عذاب لا تلقح شيئا من الارحام
ولا شيئا من النبات، وهي ريح تخرج من تحت الارضين السبع، وما خرجت منها ريح قط إلا
على قوم عاد حين غضب الله عليهم، فأمر الخزان أن يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم،
قال: فعتت على الخزان فخرج منها على مقدار منخر الثور تغيضا منها على قوم عاد، قال:
فضج الخزان إلى الله عزوجل من ذلك فقالوا: ربنا إنها قد عتت عن أمرنا، إنا نخاف أن
تهلك من لم يعصك من خلقك وعمار بلادك ! قال: فبعث الله إليها جبرئيل، فاستقبلها
بجناحه، فردها إلى موضعها وقال لها: اخرجي على ما امرت به، قال: فخرجت على ما امرت
به، وأهلكت قوم عاد ومن كان بحضرتهم (3). 21 - الشهاب: عن النبي صلى الله عليه واله
قال: نصرت بالصبا واهلكت عاد بالدبور. الضوء: الصبا هي الريح التي تضرب قفا المصلي،
وبإزائها الدبور، والشمال التي تضرب يمين المصلي، وبإزائها الجنوب، وقالوا: مهب
الصبا المستوي أن تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وزعموا أن الدبور
تزعج السحاب وتشخصه في الهواء ثم تسوقه، فإذا علا كشفت عنه واستقبلته الصبا فوضعته
بعضه على بعض حتى تصير
(1) الاحتجاج: 192. (2) في المصدر: ان
يجعل العذاب من الرياح. (3) الكافي: ج 8، ص 92.
[17]
كسفا واحدا، والجنوب تلحق روادفه به وتمده
من المدد، والشمال تمزق السحاب. والنكباء هي التي بين الصبا والشمال، والذي في
الحديث إشارة إلى نصرة الله تعالى رسوله بالصبا لما أرسلها على الاحزاب. 22 - وعن
ابن عمر: الرياح ثمانية: أربع منها رحمة وأربع عذاب، فأما الرحمة فالناشرات،
والمبشرات، والمرسلات، والذاريات، وأما العذاب فالعقيم، و الصرصر وهما في البر،
والعاصف والقاصف في البحر. 23 - وروي أنه فتح على عاد من الريح التي أهلكتهم مثل
حلقة الخاتم. 24 - وعن مجاهد: ما بعث الله عزوجل ريحا إلا بمكيال، إلا يوم عاد
فإنها عتت على الخزانة فلم يدر ما مقدارها. 25 - وفي الحديث: إن الله تعالى خلق في
الجنة ريحا، وإن من دونها بابا مغلقا، ولو فتح ذلك الباب لاذرت ما بين السماء
والارض وهي الازيب، وهي عندكم الجنوب. 26 - وعن العوام بن حوشب أنه قال: تخرج
الجنوب من الجنة فتمر على جهنم فغمها منه وبركتها من الجنة، وتخرج الشمال من جهنم
فتمر على الجنة، فروحها من الجنة وشرها من النار. قلت: وقد سمعت أن السموم لا تكون
إلا الشمال تهب على الرمال المضطرمة والارضين المتوجهة فتكتسي للطافتها ورقتها منها
زيادة الحرارة، فتهب نارا ملتهبة فتقتل وتسود الجلود. 27 - وقال كعب: لو حبس الله
الريح من الارض ثلاثة أيام لانتن ما بين السماء والارض. 28 - وكان النبي صلى الله
عليه واله إذا رأى الريح قد هاجت يقول: اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا. وأكثر
ما في القرآن من الرياح للخير والريح بالعكس من ذلك. وقيل: الريح الهواء المتحرك.
وفائدة الحديث الانباء بأن الله تعالى خلق نصره في الاحزاب بريح الصبا، تكبهم على
وجوههم، وتثير السافياء في أعينهم، فيعجزون عن مقاومة أصحاب
[18]
النبي صلى الله عليه وسلم. وراوي الحديث
سعيد بن جبير عن ابن عباس. 29 - الدر المنثور: عن ابي بن كعب، قال: كل شئ في القرآن
من الرياح فهي رحمة، وكل شئ في القرآن من الريح فهو عذاب (1). 30 - وعن ابن عباس،
قال: الماء والريح جندان من جنود الله، والريح جند الله الاعظم (2). 31 - وعن ابن
عباس، وعن ابن عمر قالا: الريح ثمان، أربع منها رحمة وأربع منها عذاب، فأما الرحمة
فالناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات. وأما العذاب فالعقيم، والصرصر وهما في
البر، والعاصف، والقاصف وهما في البحر. وفي رواية ابن عباس مكان الذاريات " الرخاء
" (3). 32 - وفي رواية اخرى: الرياح سبع: الصبا، والدبور، والجنوب، والشمال
والحزوق، والنكباء، وريح القائم، فأما الصبا فتجئ من المشرق، وأما الدبور فتجئ من
المغرب، وأما الجنوب فتجئ عن يسار القبلة، والشمال (4) عن يمين القبلة، وأما
النكباء فبين الصبا والجنوب، وأما الحزوق فبين الشمال والدبور، وأما رياح القائم
فأنفاس الخلق (5). 33 - وعن الحسن، قال: جعلت الرياح على الكعبة. فإذا أردت أن تعلم
ذلك فأسند ظهرك إلى باب الكعبة، فإن الشمال عن شمالك، وهي مما يلي الحجر والجنوب عن
يمينك وهي مما يلي الحجر الاسود، والصبا عن مقابلك وهي مستقبل باب الكعبة، والدبور
من دبر الكعبة (6). 34 - وعن حسن (7) بن علي الجعفي، قال: سألت إسرائيل بن يونس،
على
(1 و 2 و 3) الدر المنثور: ج 1، ص 164.
(4) في المصدر: فيجئ عن. (5) الدر المنثور: ج 1، ص 164. (6) الدر المنثور ج 1 ص
164. (7) في المصدر: حسين.
[19]
أي شئ سميت الريح ؟ قال: على القبلة،
شماله الشمال، وجنوبه الجنوب، و الصبا ما جاء من قبل وجهها، والدبور ما جاء من
خلفها (1). 35 - وعن ابن عباس، قال: الشمال ما بين الجدي ومطلع الشمس، والجنوب
مابين مطلع الشمس وسهيل، والصبا ما بين مغرب الشمس إلى الجدي، والدبور ما بين مغرب
الشمس إلى سهيل. 36 - وعن كعب: لو احتبست الريح عن الناس ثلاثة أيام لانتن ما بين
السماء والارض (2). 37 - وعن صفوان بن سليم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: لا تسبوا الريح وعوذوا بالله من شرها (3). 38 - وعن ابن عباس أن رجلا لعن
الريح فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعن الريح فإنها مأمورة، فإنه من لعن
شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه (4). 39 - وعن ابن عباس، قال: ما هبت ريح قط إلا
جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها
عذابا، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا. قال ابن عباس: تفسير (5) ذلك في كتاب
الله: " أرسلنا ريحا صرصرا " " فأرسلنا عليهم الريح العقيم " وقال: " وأرسلنا
الرياح لواقح " " وأرسلنا عليهم الرياح مبشرات (6) ". 40 - وعن مجاهد، قال: هاجت
ريح فسبوها، فقال ابن عباس: لا تسبوها فإنها تجئ بالرحمة وتجئ بالعذاب، ولكن قولوا:
اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا (7). 41 - وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتسبوا الليل والنهار، ولا الشمس، ولا القمر،
ولا الريح، فإنها تبعث عذابا على قوم ورحمة على آخرين (8).
(1 - 3) الدر المنثور: ج 1، ص 164. (4)
الدر المنثور: ج 1، ص 164. (5) في المصدر: والله ان تفسير.. (5 - 8) الدر المنثور:
ج 1، ص 165.
[20]
42 - وعن ابن عباس، قال: الريح العقيم
الشديدة التي لا تلقح الشجر ولا تثير السحاب، ولا بركة فيها ولا منفعة، ولا ينزل
منها غيث ولا يلقح بها شجر (1). 43 - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم الريح مسجنة في الارض الثانية، فلما أراد الله أن يهلك عادا أمر خازن
الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا قال: أي رب ! ارسل عليهم من الريح قدر منخر
الثور ؟ قال له الجبار: لا، إذا تكفأ الارض ومن عليها ! ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم،
فهي التي قال الله " ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم (2) ". 44 - وعن سعيد
بن المسيب، قال ؟ هي الجنوب. 45 - وعن علي عليه السلام قال: لم تنزل قطرة من ماء
إلا بمكيال على يد (3) ملك إلا يوم الطوفان (4) فإنه اذن لها دون الخزان فخرجت،
وذلك (5) قوله " إنا لما طغى الماء " ولم ينزل شئ من الريح إلا بمكيال (6) على يد
(7) ملك إلا يوم عاد فإنه اذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله " بريح صرصر عاتية "
عتت على الخزان (8). 46 - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نصرت بالصبا
واهلكت عاد بالدبور. وقال: ما امر الخزان أن يرسلوا على عاد إلا مثل موضع الخاتم من
الريح، فعتت على الخزان فخرجت من نواحي الابواب، فذلك قول الله " بريح صرصر عاتية "
قال: عتوها عتت على الخزان فبدأت بأهل البادية منهم، فحملتهم بمواشيهم وبيوتهم
فأقبلت بهم إلى
(1 و 2) الدر المنثور: ج 6، ص 115.
والاولى منهما ثلاث روايات عن ابن عباس جمعها المؤلف - ره - في رواية واحدة. (3) في
المصدر: يدى ملك. (4) في المصدر: نوح. (5) في المصدر:.. دون الخزان، فطغا الماء على
الخزان فخرج، فذلك (6) في المصدر: الا بكيل. (7) في المصدر: يدى ملك (8) الدر
المنثور: ج 6، ص 259.
[21]
الحاضرة، فلما رأوها قالوا: هذا عارض
ممطرنا، فلما دنت الريح أظلتهم استبقوا (1) الناس والمواشي فيها فألقت البادية على
أهل الحاضرة فقصفتهم (2) فهلكوا جميعا (3). 47 - وعن قبيصة بن ذؤيب، قال: ما يخرج
من الريح شئ إلا عليها خزان يعلمون قدرها وعددها ووزنها وكيلها حتى كانت الريح التي
ارسلت إلى عاد، فاندفق منها شئ لا يعلمون قدره ولا وزنه ولا كيله غضبا لله، ولذلك
سميت عاتية، والماء كذلك حتى (4) كان أمر نوح عليه السلام ولذلك سمي طاغية (5). 48
- وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الرياح ثمان، أربع منها عذاب، وأربع منها رحمة، فالعذاب منها: العاصف والصرصر و
العقيم والقاصف، والرحمة منها: الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات. فيرسل الله
المرسلات فتثير السحاب، ثم يرسل المبشرات فتلقح السحاب، ثم يرسل الذاريات فتحمل
السحاب فتدر كما تدر اللقحة، ثم تمطر وهن اللواقح. ثم يرسل الناشرات فتنشر ما أراد
(6). 49 - وعن خالد بن عرعرة، قال: قام رجل إلى علي فقال: ما العاصفات عصفا ؟ قال:
الرياح (7). بيان: في القاموس: الحزيق: الريح الباردة الشديدة الهبابة كالحزوق
واللينة السهلة ضد والراجعة المستمرة السير أو الطويلة الهبوب، واللقحه - بالفتح
والكسر -: الناقة الحلوب. ذنابة ذكر الفلاسفة في سبب حدوث الرياح على اصولهم أن
البخار إذا ثقل بواسطة
(1) في المصدر: استبق. (2) في المصدر:
تقصفهم. (3) الدر المنثور: ج 6، ص 259. (4) في المصدر: حين كان. (5) المصدر: ج 6، ص
259. (6 و 7) الدر المنثور: ج 6، ص 303.
[22]
البرودة المكتسبة من الطبقة الزمهريرية
واندفع إلى أسفل فصار لتسخنه بالحركة الموجبة لتلطيفه هواء متحركا وهو الريح، وقد
يكون الاندفاع يعرض بسبب تراكم السحب الموجبة لحركة ما يليها من الهواء لامتناع
الخلا، فيصير السحاب من جانب إلى جهة اخرى، وقد يكون لانبساط الهواء بالتخلخل في
جهة واندفاعه من جهة اخرى، وقد يكون بسبب برد الدخان المتصاعد بعد وصوله إلى الطبقة
الزمهريرية ونزوله. قالوا: ومن الرياح ما يكون سموما محرقا لاحتراقه في نفسه
بالاشعة السماوية أو لحدوثه من بقية مادة الشهب، أو لمروره بالارض الحارة جدا لاجل
غلبة نارية عليها. وقد يقع تقاوم في ما بين ريحين متقابلتين قويتين تلتقيان
فتستديران، أو في ما بين رياح مختلفة الجهة حادثة، فتدافع تلك الرياح الاجزاء
الارضية المشتملة عليها فتضغط تلك الاجزاء بينها مرتفعة كأنها تلتوي على نفسها،
فيحصل الدوران المسمى بالزوبعة والاعصار، وربما اشتملت الزوابع العظام على قطعة من
السحاب بل على بخار مرتفع (1) فترى نارا تدور، ومهاب الرياح اثنا عشر، وهي حدود
الافق الحاصلة من تقاطعه مع كل من دائرة نصف النهار والموازيتين لها المماستين
للدائمة الظهور والخفاء، ودائرة المشرق والمغرب الاعتداليين والموازيتين لها
المساويتين (2) برأس السرطان والجدي، ولكل ريح منها اسم، والمشهورات عند العرب
أربعة: ريح الشمال، وريح الجنوب وريح الصبا وهي الشرقية، ريح الدبور وهي الغربية
والبواقي تسمى نكباء.
(1) مشتعل (خ). (2) في المخطوطة:
المارتين.
[23]
(30) (باب) * (الماء وانواعه والبحار
وغرائبها وما ينعقد فيها، وعلة المد) * * والجزر، والممدوح من الانهار والمذموم
منها) * الآيات: ابراهيم: وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الانهار
(1). النحل: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها
وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وألقى في الارض رواسي أن تميد
بكم وأنهارا (2). الفرقان: وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح اجاج وجعل
بينهما برزخا وحجرا محجورا (3). النمل: وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين
البحرين حاجزا (4). فاطر: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح اجاج
و من كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا
من فضله ولعلكم تشكرون (5). حمعسق: ومن آياته الجوار في البحر كالاعلام إن يشأ يسكن
الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا
ويعف عن كثير
(1) ابراهيم: 32. (2) النحل: 14 - 15. (3)
الفرقان: 53. (4) النمل: 61. (5) فاطر: 12.
[24]
ويعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من
محيص (1). الجاثية: الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من
فضله ولعلكم تشكرون (2). الطور: والبحر المسجور (3). الرحمن: مرج البحرين يلتقيان
بينهما برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي
آلاء ربكما تكذبان وله الجوار المنشآت في البحر كالاعلام (4). الملك: قل أرأيتم إن
أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (5). المرسلات: وأسقيناكم ماء فراتا (6).
تفسير: " وسخر لكم الفلك " إنما نسب إليه سبحانه مع أنه من أعمال العباد لانه لولا
أنه تعالى خلق الاشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن، ولولا خلقة الحديد وسائر
الآلات، ولولا تعريفه العباد كيف يتخذونها، ولولا أنه تعالى خلق الماء على صفة
السلاسة التي باعتبارها يصح جري السفينة فيه، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات
القوية فيها، ولولا أنه وسع الانهار وجعل لها من العمق ما يجوز جري السفن فيها ;
لما وقع الانتفاع بالسفن، فصار لاجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الاحوال وهو المدبر
لهذه الامور والمسخر لها حسنت إضافته إليه، وقيل: لما كان يجري على وجه الماء كما
يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان مسخر له. " بأمره " أي بقدرته وإرادته.
(1) الشورى: 22 - 25. (2) الجاثية: 12.
(3) الطور: 6. (4) الرحمن: 19 - 24. (5) الملك: 30. (6) المرسلات: 27.
[25]
" وسخر لكم الانهار " لما كان ماء البحر
قلما ينتفع به في الزراعات لاجرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الانهار
والعيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزروع والنبات. وأيضا ماء البحر لا يصلح
للشرب والصالح لهذا مياه الانهار. " وهو الذي سخر البحر " أي جعلها بحيث يتمكنون من
الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص. " لتأكلوا منه لحما طريا " هو السمك، ووصفه
بالطراوة لانه أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله ولاظهار قدرته في
خلقه عذبا طريا في ماء زعاق. " حلية تلبسونها " كاللؤلؤ والمرجان. " وترى الفلك "
أي السفن " مواخر فيه " أي جواري فيه يشقه بخرومها من المخر وهو شق الماء، وقيل:
صوت جري الفلك. " ولتبتغوا من فضله " أي من سعة رزقه بركوبها للتجارة " ولعلكم
تشكرون " أي تعرفون نعم الله فتقومون بحقها. " وهو الذي مرج البحرين " قال
البيضاوي: خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان، من مرج دابته إذا خلاها. "
هذا عذب فرات " قامع للعطش من فرط عذوبته " وهذا ملح اجاج " بليغ الملاحة (1) "
وجعل بينهما برزخا " حاجزا من قدرته " وحجرا محجورا " وتنافرا بليغا كأن كلا منهما
يقول للآخر ما يقوله المتعوذ عليه، وقيل: حدا محدودا، وذلك كدجلة يدخل البحر فيشقه
فيجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمهما (2). وقيل: المراد بالبحر العذب النهر العظيم
مثل النيل، و بالبحر الملح البحر الكبير، وبالبرزخ ما يحول بينهما من الارض، فتكون
القدرة في الفصل واختلاف الصفة، مع أن مقتضى طبيعة أجزاء كل عنصر أن تضامت وتلاصقت
و تشابهت في الكيفيية (3) (انتهى) ويقال: إن نهر آمل تدخل بحر الخزر ويبقى على
عذوبته ولا يختلط بالمالح، ويأخذون منه الماء العذب في وسط البحر، فيمكن على تقدير
صحته أن يكون داخلا تحت الآية أيضا.
(1) في المصدر: الملوحة. (2) طعمها (خ).
(3) انوار التنزيل: ج 2، ص 167.
[26]
" وما يستوي البحران " ضرب مثل للمؤمن
والكافر، والفرات: الذي يكسر العطش، والسائع: الذي يسهل انحداره، والاجاج: الذي
يحرق بملوحته " ومن كل تأكلون " استطراد في صفة البحرين وما فيهما، أو تمام
التمثيل، والمعنى: كما أنهما وإن اشتر كا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما
لا يتساويان في ما هو المقصود بالذات من الماء، فإنه خالط أحدهما ما أفسده وغيره عن
كمال فطرته لا يساوي المؤمن والكافر وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة
والسخاوة لاختلافهما في ما هو الخاصية العظمى وبقاء أحدهما على الفطرة الاصلية دون
الآخر، أو تفضيل للاجاج على الكافر بما يشارك العذب من المنافع، والمراد بالحلية
اللآلي واليواقيت. " ومن آياته الجوار في البحر " قرأ نافع وأبو عمرو " الجواري "
بياء في الوصل والوقف، والباقون بحذفها على التخفيف " كالاعلام " أي كالجبال، فهذه
السفن العظيمة التي تكون كأنها الجبال تجري على وجه الماء عند هبوب الرياح على أسرع
الوجوه وعند سكونها تقف، ففيه دلالة على وجود الصانع المسبب لتلك الاسباب وقدرته
الكاملة وحكمته التامة، لانه تعالى خص كل جانب من جوانب الارض بنوع من الامتعة وإذا
نقل متاع هذا الجانب إلى ذلك الجانب في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة في
التجارة. " فيظللن رواكد " أي فيبقين ثوابت " على ظهره " أي ظهر البحر. " لكل صبار
" أي لكل من وكل همته وحبس نفسه على النظر في آيات الله والتفكر في آلائه، أو لكل
مؤمن كامل، فإنه روي أن الايمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. " أو يوبقهن " أي يهلكهن
بإرسال الريح العاصفة المغرفة، والمراد إهلاك أهلها لقوله " بما كسبوا " وأصله: أو
يرسلها فيوبقهن لانه قسيم " يسكن الريح " فاقتصر فيه على المقصود، كما في قوله "
ويعف عن كثير " إذ المعنى: أو يرسلها عاصفة فيوبق ناسا بذنوبهم وينجي ناسا على
العفو منهم، وقرئ " يعفو " على الاستئناف. " ويعلم الذين يجادلون في آياتنا " عطف
على علة مقدرة، مثل: لينتقم منهم ويعلم... أو على الجزاء ونصب نصب الواقع جوابا
للاشياء الستة لانه أيضا غير واجب، وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على الاستئناف، وقرئ
بالجزم عطفا على " يعف " فيكون
[27]
المعنى: أو يجمع بين إهلاك وإنجاء قوم
وتحذير آخرين. " مالهم من محيص " من محيد من العذاب. " الله الذي سخر لكم البحر "
بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلخل كالاخشاب ولا يمنع الغوص فيه " لتجري
الفلك فيه بأمره " أي بتسخيره وأنتم راكبوها " ولتبتغوا من فضله " بالتجارة والغوص
والصيد وغيرها " وأنتم تشكرون " هذه النعم. " والبحر المسجور " أي المملو وهو
المحيط، أو الموقد من قوله " وإذا البحار سجرت " كما روي أن الله تعالى يجعل يوم
القيامة البحار نارا يسجر بها جهنم، أو المختلط، من السجير وهو الخليط، وقيل: هو
بحر معروف في السماء يسمى بحر الحيوان. " مرج البحرين " أي أرسلهما، والمعنى: أرسل
البحر الملح والبحر العذب " يلتقيان " أي يتجاوران وتتماس سطوحهما، أو بحري فارس
والروم يلتقيان في المحيط لانهما خليجان يتشعبان منه " بينهما برزخ " أي حاجز من
قدرة الله تعالى أو من الارض " لا يبغيان " أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة
وإبطال الخاصية أو لا يتجاوزان حديهما، أو بإغراق ما بينهما. وقال الطبرسي - ره -:
قيل: المراد بالبحرين بحر السماء وبحر الارض، فإن في السماء بحرا يمسكه الله بقدرته
ينزل منه المطر فيلتقيان في كل سنة، وبينهما حاجز يمنع بحر السماء من النزول وبحر
الارض من الصعود، عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنهما بحر فارس وبحر الروم فإن آخر طرف
هذا يتصل بآخر طرف ذلك والبرزخ بينهما الجزائر، وقيل: مرج البحرين خلط طرفيهما عند
التقائهما من غير أن يختلط جملتهما " لا يبغيان " أي لا يطلبان أن يختلطا (1). "
يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " أي كبار الدر وصغاره، وقيل: المرجان الخرر
(1) مجمع البيان: ج 9، ص 201.
[28]
الاحمر، وإن صح أن الدر يخرج من المالح
(1) فعلى الاول إنما قال " منهما " لانه يخرج من مجتمع المالح (2) والعذب، أو
لانهما لما اجتمعا صارا كالشئ الواحد وكان المخرج من أحدهما كالمخرج منها، ذكره
البيضاوي (3). وقال الرازي: اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح فكيف قال " منهما " ؟
نقول: الجواب عنه من وجوه (4): الاول ظاهر كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض
الناس الذي لا يوثق بقوله، ومن علم أن اللؤلؤ لا يخرج من الماء العذب ؟ غاية علمكم
(5) أن الغواصين ما أخرجوه إلا من المالح، و لكن لم قلتم (6) إن الصدف لا يخرج
اللؤلؤ بأمر الله من الماء العذب إلى الماء المالح ؟ وكيف يمكن الجزم به، والامور
الارضية الظاهرة خفيت عن التجار الذين قطعوا المفاوز وداروا البلاد فكيف لا يخفى
عليهم ما في قعور البحور ؟ الثاني أن نقول: إن صح قولهم أنه لا يخرج إلا من الماء
المالح فنقول فيه وجوه: أحدها أن الصدف لا يتولد فيه اللؤلؤ إلا من ماء المطر وهو
بحر السماء، ثانيها أنه يتولد في ملتقاهما ثم يدخل الصدف في البحر المالح عند
انعقاد الدر فيه لحال الملوحة، كالمتوخمة التي تشتهي في أوائل الحمل فتثقل هناك فلا
يمكنه الدخلول في العذب (7). ثم ذكر بعض الوجوه المتقدمة. وقال الطبرسي - ره -:
قيل: يخرج منهما أي من ماء السماء وماء البحر، فإن القطر إذا جاء من السماء تفتحت
الاصداف فكان من ذلك القطر اللؤلؤ، عن ابن عباس ولذلك حمل البحرين على بحر السماء
وبحر الارض، وقيل: إن العذب والملح يلتقيان، فيكون العذب كاللقاح للملح، ولا يخرج
اللؤلؤ إلا من الموضع الذي يلتقي
(1 و 2) في انوار التنزيل: الملح. (3)
انوار التنزيل: ج 2، 485. (4) في المصدر: من وجهين. (5) في المصدر: وهب ان.. (6)
عمارة المصدر هكذا " لكن لا يلزم من هذا أن لا يوجد في الغير. سلمنا لم قلتم ان
الصدف يخرج بامر الله من الماء العذب الى الماء المالح " وكأن فيه تصحيفا. (7)
مفاتيح الغيب: ج 29، ص 101.
[29]
فيه العذب والملح، وذلك معروف عند
الملاحين (1) (انتهى). اقول: " وله الجوار " أي السفن جمع جارية " المنشآت " أي
المرفوعات الشرع أو المصنوعات. وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الشين أي الرافعات الشرع،
أو اللاتي ينشئن الامواج أو السير " كالاعلام " جمع علم وهو الجبل الطويل " فبأي
آلاء ربكما تكذبان " من خلق مواد السفن والارشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها
في البحر بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره تعالى. " إن أصبح ماؤكم غورا " أي
غائرا في الارض بحيث لا تناله الدلاء، مصدر وصف به " بماء معين " أي جار، أو ظاهر
سهل المأخذ. " وأسقيناكم ماء فراتا " بخلق الانهار والمنافع فيها. 1 - العلل
والعيون: عن محمد بن عمرو بن علي البصري، عن محمد بن عبد الله ابن أحمد الواعظ، عن
عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا عن آبائه عليهم
السلام قال: سأل رجل من أهل الشام أمير المؤمنين عليه السلام عن المد والجزر ما هما
؟ فقال: ملك (2) موكل بالبحار يقال له " رومان " فإذا وضع قدميه في البحر فاض، وإذا
أخرجهما غاض (3). 2 - العلل: عن محمد بن علي ما جيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم،
عن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حماد، عن أبي الحسن العبدي،
عن سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس، أنه سئل عن المد والجزر فقال:
إن الله عزوجل وكل ملكا بقاموس البحر، فإذا وضح رجليه (4) فيه فاض وإذا أخرجهما (5)
غاض (6).
(1) في المصدر " الغواصين " مجمع البيان:
ج 9، ص 201. (2) في العيون، ملك من ملائكة الله عزوجل. (3) العل: ج 2، ص 240
والعيون: ج 1، ص 242. (4) في المصدر: رجله. (5) في المصدر: اخرجها. (6) العلل: ج 2،
ص 240
[30]
بيان: قال الجزري: قاموس البحر وسطه
ومعظمه، ومنه حديث ابن عباس وسئل عن المد والجزر - وذكر الخبر - ثم قال: أي زاد
ونقص وهو فاعول من القمس (انتهى) وأقول: اختلف الحكماء في سبب المد والجزر على
أقوال شتى، وليس شئ منها مما يسمن أو يغني من جوع أو يروي من عطش. وما ذكر في الخبر
أظهرها وأصحها عقلا أيضا، وقد سمعت من بعض الثقات أنه قال: إني رأيت شيئا عظيما
يمتد من الجو إلى البحر فيمتد ماؤه ثم إذا ذهب ذلك شرع في الجزر (1). وأما ما ذكره
الحكماء في ذلك ففي رسائل إخوان الصفا: أما علة هيجان البحار وارتفاع مياهها
ومدودها على سواحلها وشدة تلاطم أمواجها وهبوب الرياح في وقت هيجانها إلى الجهات في
أوقات مختلفة من الشتاء والصيف والربيع والخريف وأوائل الشهور وأواخرها وساعات
الليل والنهار فهي من أجل أن مياهها إذا حميت من قرارها وسكنت ولطفت وتخلخلت وطلبت
مكانا أوسع مما كان فيه، فتدافعت بعض أجزائها بعضا إلى الجهات الخمس فوقا وشرقا
وغربا وجنوبا وشمالا للاتساع فيكون في الوقت الواحد على سواحلها أمواج مختلفة في
جهات مختلفة، وأما علة هيجانها في وقت دون وقت فهو بحسب تشكل الفلك والكواكب ومطارح
شعاعاتها على سطوح تلك البحار في الآفاق والاوتاد الاربعة واتصالات القمر بها عند
حلوله في منازله الثمانية و العشرين كما هو المذكور في كتب أحكام النجوم، وأما علة
مدود بعض البحار في وقت طلوعات القمر ومغيبه دون غيرها من البحار فهو من أجل أن تلك
البحار
(1) لو كان ما ادعى رؤيته مما يرى بالحس
لرآه كل من يسكن السواحل ولتواتر نقله فافهم، ويمكن أنه كان قد رأى شيئا من الابخرة
المتصاعدة من بعيد مقارنا للمد فتوهم انه هو الذى يوجب المد والاسباب المادية لحصول
الجزر والمد وسائر ما يحدث في الارض والبحار والجو صارت اليوم ببركة العلوم
التحربية من الواضحات بل تكاد تكون بديهية ولا ينافى ذلك ما ذكر في الروايات من
استنادها إلى ارادة الله تعالى أو أفعال الملائكة، فانها علل طولية تنتهى بالاخرة
إلى من إليه المنتهى، ولا يخفى ان كثيرا من الروايات الواردة في امثال هذه المعاني
لم تسلم عن الدس والوضع مضافا إلى المناقشة في شمول ادلة حجية الخبر الواحد لغير ما
يتضمن بيان الاحكام الفرعية.
[31]
في قرارها صخور صلبة وأحجار صلدة، فإذا
أشرق القمر على سطح ذلك البحر وصلت مطارح شعاعاته إلى تلك الصخور والاحجار التي في
قرارها، ثم انعكست من هناك راجعة، فسخنت تلك المياه وحمت ولطفت وطلبت مكانا أوسع
وارتفع إلى فوق ودفع بعضها بعضا إلى فوق، وتموجت إلى سواحلها، وفاضت عل سطوحها،
ورجعت مياه تلك الانهار التي كانت تنصب إليها إلى خلف راجعة، فلا يزال ذلك دأبها
مادام القمر مرتفعا إلى وتد سمائه، فإذا انتهى إلى هناك وأخذ ينحط سكن عند ذلك
غليان تلك المياه وبردت وانضمت تلك الاجزاء وغلظت فرجعت إلى قرارها وجرت الانهار
على عادتها، فلا يزال ذلك دأبها إلى أن يبلغ القمر إلى الافق الغربي من تلك البحار
ثم يبتدئ المد على عادته وهو في الافق الشرقي، فلا يزال ذلك دأبه حتى يبلغ القمر
إلى وتد الارض، فينتهي المد من الرأس، ثم إذا زال القمر من وتد الارض أخذ المد
راجعا إلى أن يبلغ القمر إلى افقه الشرقي من الرأس. فإن قيل: لم لا يكون المد
والجزر عند طلوعات الشمس وإشرافاتها على سطح هذه البحار ؟ فقد بينا علل ذلك في
رسالة العلل والمعلولات (انتهى). وقال المسعودي في مروج الذهب: المد هو مضي الماء
بسجيته وسنن جريه والجزر هو رجوع الماء على ضد سنن مضيه وانعكاس ما يمضي عليه في
نهجه وهما يكونان في البحر الحبشي (1) الذي هو الصيني والهندي وبحر البصرة وفارس،
وذلك أن البحار على ثلاثة أصناف: منها ما يأتي فيه الجزر والمد ويظهر ظهورا بينا،
ومنها مالا يتبين فيه الجزر والمد ويكون خفيا مستترا، ومنها مالا يجزر ولا يمد، وقد
تنازع الناس في علتهما، فمنهم من ذهب إلى أن علة ذلك القمر، لانه مجانس للماء وهو
يسخنه فيبسط، وشبهوا ذلك بالنار إذا سخنت ما في القدر وأغلته، وأن الماء يكون فيها
على قدر النصف أو الثلثين، فإذا غلى الماء انبسط في القدر وارتفع وتدافع حتى يفور
فتتضاعف كميته في الحس لان من شرط الحرارة أن تبسط الاجسام، ومن شرط
(1) في المصدر: وانكشاف ما مضى عليه في
هيجه وذلك كبحر الحبش...
[32]
البرودة أن تضغطها (1) وذلك أن قعور
البحار تحمى فتتولد في أرضها (2) عذوبة وتستحيل وتحمي كما يعرض ذلك في البلاليع
والآبار، فإذا حمى ذلك الماء انبسط، وإذا انبسط زاد، وإذا زاد دفع (3) كل جزء منه
صاحبه فطفر عن سطحه (4) وبان عن قعره واحتاج إلى أكثر من وهدته، وأن القمر إذا
امتلا أحمى الجو حميا شديدا فظهر زيادة الماء فسمي ذلك المد الشهري. وقالت طائفة
اخرى: لو كان الجزر والمد بمنزلة النار إذا أسخنت الماء الذي في القدر وبسطته فيطلب
أوسع منه فيفيض حتى إذا خلا قعره من الماء طلب الماء بعد خروجه منه عمق الارض بطبعه
فيرجع اضطرارا بمنزلة رجوع ما يغلي من الماء في المرجل والقمقم إذا فاض لكان بالشمس
أشد سخونة، ولو كانت الشمس علة مده لكان بدؤه مع بدء طلوع الشمس والجزر عند
غيبوبتها. وزعم هؤلاء أن علة المد والجزر الابخرة التي تتولد في بطن الارض، فإنها
لا تزال تتولد وتكثف وتكثر فتدفع حينئذ ماء هذا البحر لكثافتها، فلا تزال على ذلك
حتى تنقص موادها من أسفل، فإذا انقطعت موادها من أسفل تراجع الماء حينئذ إلى قعور
البحر، وكان الجزر من أجل ذلك والمد ليلا ونهارا وشتاء وصيفا وفي غيبوبة القمر
وطلوعه وفي غيبوبة الشمس وطلوعها. قالوا: وهذا يدرك بحس البصر (5) لانه ليس يستكمل
الجزر آخره حتى يبدو أول المد، ولا يفنى (6) آخر المد حتى يبدو أول الجرز، لانه لا
يفتر تولد تلك البخارات حتى إذا خرجت تولد مكانها غيرها وذلك أن البحر إذا غارت
مياهه ورجعت إلى قعره تولدت تلك الابخرة لمكان ما يتصل منها من الارض بمائه، فكلما
عاد تولدت وكلما فاض تنفست (7).
(1) في المصدر تضمها. (2) الارض (خ). (3)
في المصدر: وإذا زاد ارتفع فدفع. (4) في المصدر: فطفا على سطحه. (5) في المصدر:
بالحس. (6) في المصدر: لا ينقضى (7) تنقصت (خ)
[33]
وذهب آخرون من أهل الديانات: أن كل ما لا
يعلم له في الطبيعة مجرى ولا يوجد له فيها قياس فله فعل إلهي يدل على توحيد الله
عزوجل وحكمته وليس للمد والجزر علة في الطبيعة البتة ولا قياس. وقال آخرون: ما
هيجان ماء البحر إلا كهيجان بعض الطبائع، فإنك ترى صاحب الصفراء وصاحب الدم وغيرهما
تهتاج طبيعته وتسكن ولذلك مواد تمدها حالا بعد حال، فإذا قويت هاجت ثم تسكن قليلا
قليلا حتى تعود. وذهب طائفة إلى إبطال سائر ما وصفنا من القول وزعموا أن الهواء
المطل على البحر يستحيل دائما، فإذا استحال عظم ماء البحر وفار (1) عند ذلك، فإذا
فار فاض وإذا فاض فهو المد، فعند ذلك يستحيل ماؤه ويتفشى واستحال هواء فعاد (2) إلى
ما كان عليه وهو الجزر وهو دائم لا يفتر، متصل مترادف متعاقب، لان الماء يستحيل
هواء والهواء يستحيل ماء، وقد يجوز أن يكون ذلك عند امتلاء القمر أكثر لان القمر
إذا امتلا استحال ماء أكثر مما كان يستحيل قبل ذلك وإنما القمر علة لكثرة المد لا
للمد نفسه، لانه قد يكون والقمر في محاقه والمد والجزر في بحر فارس يكون على مطالع
الفجر في أغلب الاوقات. وقد ذهب أكثر من أرباب السفن ممن يقطع هذا البحر ويختلف إلى
جزائره أن المد والجزر لا يكون في معظم هذا البحر إلا مرتين في السنة، مرة يمد في
شهور الصيف شرقا بالشمال ستة أشهر، فإذا كان ذلك طما الماء في مشارق البحر والصين
وما والى ذلك الصقع، ومرة يمد في شهور الشتاء غربا بالجنوب ستة أشهر، وإذا كان ذلك
طما الماء في مغارب البحر والجزر بالصين، وقد يتحرك البحر بتحريك الرياح فإن الشمس
إذا كانت في الجهة الشمالية تحرك الهواء إلى الجهة الجنوبية، فلذلك تكون البحار في
جهة الجنوب في الصيف لهبوب الشمال طامية عالية، وتقل المياه في جهة البحور (3)
الشمالية وكذلك إذا كانت الشمس في الجنوب وسار (4) الهواء من الجنوب إلى جهة الشمال
فسال (5) معه ماء البحر من الجهة الجنوبية إلى الجهة الشمالية
(1) في المصدر: وفاض عند ذلك، وإذا فاض
البحر فهو المد. (2) في المصدر: يتنفس فيستحيل هواء فيعود.. (3) في المصدر: البحار.
(4 و 5) في المصدر: سال.
[34]
قلت المياه في الجهة الجنوبية، وتنقل (1)
ماء البحر في هذين الميلين أعني في جهة (2) الشمال والجنوب يسمى جزرا ومدا (3)،
وذلك أن مد الجنوب جزر الشمال ومد الشمال جزر الجنوب، فإن وافق القمر بعض الكواكب
السيارة في أحد الميلين تزايد الفعلان وقوي الحر واشتد لذلك (4) انقلاب ماء البحر
إلى الجهة المخالفة للجهة التي فيها الشمس، وهذا رأي الكندي وأحمد بن الخصيب
السرخسي في ما حكي عنهما (5) أن البحر يتحرك بتحرك الرياح (6) (انتهى). وجملة القول
فيه أن نهر البصرة والانهار المقاربة له يمد في كل يوم وليلة مرتين ويدور ذلك في
اليوم واليلة ولا يخص وقتا كطلوع الشمس وغروبها وارتفاعها وانخفاضها، ويسمى ذلك
بالمد اليومي، ويكون المد عند زيادة نور القمر أشد ويسمى ذلك بالمد الشهري وهذا
المد يمكن استناده إلى القمر لكونه تابعا له في الغالب، بمعنى أنه يحصل في أيام
زيادة نور القمر، لكن الظاهر أنه لو كانت العلة زيادة نوره لكان هذا المد مقارنا
لها أو بعدها بزمان يتم فيه فعل القمر وتأثيره في البحر والظاهر أنه ليس تابعا له
بهذا المعنى، وعلى تقدير صحة استناده إليه فلا ريب في بطلان ما جعله القائل الاول
مناطا له من سخونة البحر بنور القمر لانه مجانس للماء وكذا سخونة الجو به، بل ربما
يدعى أن نور القمر يبرد الجو والاجسام كما هو المجرب، نعم ربما يجوز العقل تأثير
القمر في المد لنوع من المناسبة والارتباط بين نوره وبين الماء وإن لم نعلمها
بخصوصها، لكن يقدح فيه ما ذكرناه من عدم انضباط المقارنة (7) والتأخر على الوجه
المذكور. وأما المد اليومي فبطلان استناده إلى القمر واضح واستناده
(1) في المصدر: ينتقل. (2) في المصدر:
جهتى. (3) في المصدر: ومدا شتويا. (4) في المصدر: واشتد لذلك سيلان الهواء فاشتد
لذلك انقلاب... (5) في المصدر: في ما حكاه عنه. (6) مروج الذهب: ج 1، ص 68 - 70.
(7) أو (خ).
[35]
إلى الكواكب على انفرادها أو بمشاركة
القمر بعيد غاية البعد، وكون الكواكب عللا له من حيث الحرارة ظاهر الفساد. وما ذكره
الطائفة الثانية من أنه للابخرة الحادثة في باطن الارض فيرد عليه أن الابخرة
الكثيرة الكثيفة التي تفور البحر مع عظمته لخروجها لو اجتمعت واحتبست في باطن الارض
ثم خرجت دفعة كما هو الظاهر من كلامه لزم انشقاق الارض منها انشقاقا فاحشا ثم
التئامها في كل يوم وليلة، لعله مما لا يرتاب أحد في أنه خلاف الواقع ولا يظهر
للعقل سبب لالتئام الارض بعد الانشقاق، وكون كل التئام مستندا إلى انشقاق حادث في
موضع آخر من الارض قريب من موضع الاول في غاية البعد، ولو خرجت تدريجا لاستلزمت
غليانا وفورانا في البحر دائما لا هذا النوع من الحركة والامتلاء وهو واضح. وما
ذكره الطائفة الثالثة من أنه كهيجان الطبائع فيرد عليه أنه لو كان المراد أنه
والطبائع تهيج بلا سبب فباطل، ولو قيل بأن ذلك مقتضى الطبيعة فذلك مما لم يقل به
أحد، ولو اريد أنه بسبب ولو لم يكن معلوما لنا، فذلك مما لا ثمرة له إذ الكلام في
خصوص السبب وما ذكره الطائفة الرابعة من أنه للانقلاب فلا يظهر له وجه ولا ينطبق
على تلك الخصوصيات. فالاوجه أن يقال: إنها بقدرة الله وتدبيره وحكمته إما بتوسط
الملك إن صح الخبر، أو بما رأى المصلحة فيه من العلل والاسباب، فإنه تعالى المسبب
لها والمقدر لاوقاتها، ولم نكلف بالخوض في عللها وإن أمكنت مدخلية بعض تلك الوجوه
التي تقدم ذكرها، والعالم بها هو المدبر لها، ويكفينا ما ظهر لنا من منافعها
وفوائدها. 1 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن هلال (1)، عن عيسى
بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه عن آبائه (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله:
أربعة أنهار من الجنة: الفرات والنيل وسيحان وجيحان، فالفرات الماء في الدنيا
والآخرة
(1) احمد بن هلال أبو جعفر العبرتائى ضعيف
جدا، قال الشيخ في التهذيب: ان احمد بن هلال مشهور باللعنة والغلو. وروى الكشى عن
ابى الحسن العسكري عليه السلام رواية تشتمل على لعنه والتبرى منه كقوله عليه السلام
" ونحن نبرأ الى الله من ابن هلال لارحمه الله ومن لا يبرأ منه ". (2) في الخصال:
عن على عليه السلام.
[36]
والنيل العسل، وسيحان الخمر، وجيحان اللبن
(1). بيان: الفرات أفضل الانهار بحسب الاخبار، وقد أوردتها في كتاب المزار والنيل
بمصر معروف، وسيحان وجيحان قال في النهاية: هما نهران بالعواصم عند المصيصة
والطرسوس. وفي القاموس: سيحان نهر بالشام وآخر بالبصرة، وسيحون نهر بما وراء النهر
ونهر بالهند، وقال: جيحون نهر خوارزم وجيحان نهر بالشام والروم معرب " جهان "
(انتهى). وذكر المولى عبد العلي البرجندي في بعض رسائله: إن نهر الفرات يخرج من
جبال " أرزن الروم " (2) ثم يسيل نحو المشرق إلى " ملطية " ثم إلى " سميساط " حتى
ينتهي إلى الكوفة ثم تمر حتى ينصب في البطائح. وقال: النيل أفضل الانهار لبعد منبعه
ومروره على الاحجار والحصيات، وليس فيه وحل ولا يخضر الحجر فيه كغيره، ويمر من
الجنوب إلى الشمال وهو سريع الجري، وزيادته في أيام نقص سائر المياه، ومنبعه مواضع
غير معمورة في جنوب خط الاستواء، ولذا لم يعلم منبعه على التحقيق. ونقل عن بعض
حكماء اليونان: أن ماءه يجتمع من عشرة أنهار، بين كل نهرين منها اثنان وعشرون
فرسخا، فتنصب تلك الانهار في بحيرة ثم منها يخرج نهر مصر متوجها إلى الشمال حتى
ينتهي إلى مصر، فإذا جازها وبلغ " شنطوف " انقسم قسمين ينصبان في البحر. وقال:
سيحان منبعه من موضع طوله ثمان وخمسون درجة وعرضه أربع وأربعون درجة، ويمر في بلاد
الروم من الشمال إلى الجنوب إلى بلاد أرمن، ثم إلى قرب " مصيصة " ثم يجتمع مع جيحان
وينصبان في بحر الروم فيما بين أياس وطرسوس، ونهر جيحان منبعه من موضع طوله ثمان و
خمسون درجه، وعرضه ست وأربعون درجة وهو قريب من نهر الفرات في العظمة ويمر من
الشمال إلى الجنوب بين جبال في حدود الروم إلى أن يمر إلى شمال مصيصة وينصب في
البحر (انتهى). ثم اعلم أن هذه الرواية مروية في طرق المخالفين أيضا، إلا أنه ليس
فيها
(1) الخصال: 117. (2) أرزن روم (خ).
[37]
" فالفرات " إلى آخر الخبر، واختلفوا في
تأويله: قال الطيبي في شرح المشكاة في شرح هذا الخبر: سيحان وجيحان غير سيحون
وجيحون، وهما نهران عظيمان جدا وخص الاربعة لعذوبة مائها وكثرة منافعها كأنها من
أنهار الجنة، أو يراد أنها أربعة أنهار هي اصول أنهار الجنة سماها بأسامي الانهار
العظام من أعذب أنهار الدنيا وأفيدها على التشبيه، فإن ما في الدنيا من المنافع
فنموذات لما في الآخرة، وكذا مضارها. وقال القاضي: معنى كونها من أنهار الجنة: أن
الايمان يعم بلادها وأن شاربيها صائرة إليها، والاصح أنه على ظاهرها وأن لها مادة
من الجنة. وفي معالم التنزيل: أنزلها الله تعالى من الجنة واستودعها الجبال لقوله
تعالى " فأسكناه ". أقول: المشبه في الوجه الاول أنهار الدنيا، ووجه الشبه العذوبة
والهضم والبركة. وفي الثاني: أنهار الجنة، ووجهه الشهرة والفائدة والعذوبة. وفي
الثالث وجهه المجاورة والانتفاع (انتهى). وأقول: ظاهر الخبر مع التتمة التي في
الخصال اشتراك الاسم، وإنما سميت بأسماء أنهار الجنة لفضلها وبركتها وكثرة الانتفاع
بها، ويحتمل أن يكون المعنى أن أصل هذه الانهار ومادتها من الجنة، فلما صارت في
الدنيا انقلبت ماء، ولا ينافى ذلك معلومية منابعها إذ يمكن أن يكون أول حدوثها بسبب
ماء الجنة، أو يصب فيها بحيث لا نعلم، أو يكون المراد بالجنة جنة الدنيا كما مر في
كتاب المعاد وتجري من تحت الارض إلى تلك المنابع ثم يظهر منها. ويؤيد تلك الوجوه في
الجملة ما رواه الكليني بسند كالموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يدفق في
الفرات في كل يوم دفقات من الجنة (1)، وبسند آخر رفعه إلى أمير المؤمنين صلوات الله
عليه قال: نهركم هذا - يعني ماء الفرات - يصب فيه ميزابان من ميازيب الجنة (2). وعن
علي بن الحسين صلوات الله عليهما قال: إن ملكا يهبط من السماء في كل ليلة معه ثلاثة
مثاقيل مسك (3) من مسك الجنة فيطرحها في الفرات، وما من نهر في شرق الارض ولا غربها
أعظم بركة
(1 و 2) الكافي: 6، ص 388. (3) في المصدر:
مسكا.
[38]
منه (1). وأما التأويل بكون أهلها
وشاربيها صائرين إلى الجنة فهو في خصوص الفرات ظاهر، إذ أكثر القرى والبلاد الواقعة
عليه وبقربه من الامامية والمحبين لاهل البيت عليهم السلام كما تشهد به التجربة،
وقد روى الكليني بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما إخال أحدا يحنك بماء
الفرات إلا أحبنا أهل البيت. وقال عليه السلام: ما سقي أهل الكوفة ماء الفرات إلا
لامر ما، وقال: يصب فيه ميزابان من الجنة (2) أقول: قوله عليه السلام " لامر ما "
أي لرسوخ ولاية أهل البيت عليهم السلام في قلوب أهلها. وعن أمير المؤمنين - صلوات
الله عليه - قال: أما إن أهل الكوفة لو حنكوا أولادهم بماء الفرات لكانوا لنا شيعة
(3). وأما الانهار الثلاثة الاخرى فلم أر لها في غير هذا الخبر فضلا، بل روى
الكليني عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ماء نيل مصر يميت القلب (4). 2 -
الدر المنثور: عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله قال: أنزل الله من الجنة
إلى الارض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات
وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة من
أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبرائيل فاستودعها الجبال وأجراها في الارض وجعلها
منافع للناس في أصناف معائشهم، فذلك قوله: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في
الارض " (5). فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوح أرسل الله جبرئيل فرفع من الارض
القرآن والعلم كله والحجر من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه
الانهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: " وإنا على ذهاب به
لقادرون " فإذا رفعت هذه الاشياء من الارض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة (6).
(1) الكافي: ج 6، ص 389. (2) الكافي: ج 6،
ص 388. (3) الكافي ج 6، ص 389. (4) الكافي: ج 6، ص 391. (5) المؤمنون: 19. (6) الدر
المنثور: ج 5، ص 8.
[39]
3 - شرح النهج لابن ميثم: قال لما فرغ
أمير المؤمنين عليه السلام من حرب الجمل خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على
النبي صلى الله عليه واله واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، ثم قال:
يا أهل البصرة - ! يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة ! -
وساق الخطبة كما مر في كتاب الفتن وسيأتي إلى قوله عليه السلام - سخر لكم الماء
يغدو عليكم ويروح صلاحا لمعاشكم والبحر سببا لكثرة أموالكم. بيان: قوله عليه
السلام: " الماء يغدو عليكم ويروح " إشارة إلى المد والجزر. وقوله " صلاحا لمعاشكم
" إلى فائدتهما، إذ لو كان الماء دائما على حد النقصان ولم يصل إلى حد المد لما سقي
زروعهم ونخيلهم، ولو كان دائما على حد الزيادة لغرقت أراضيهم بأنهارهم، وفي نقص
الانهار بعد زيادتها فائدة اخرى، هي غسل الاقذار وإزالة الخبائث عن شطوطها، وربما
كان فيهما فوائد اخرى كتأثيرهما في حركة السفن و نحو ذلك. 4 - اعلام الورى: بإسناده
عن الكليني، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله ابن
القاسم. عن حيان السراج، عن داود بن سليمان الكسائي، (1) عن أبي الطفيل قال: سأل في
أول خلافة عمر يهودي من أولاد هارون أمير المؤمنين عليه السلام عن أول قطرة قطرت
على وجه الارض (2)، وأول عين فاضت على وجه الارض، (3) وأول شجر اهتز على وجه الارض.
(4) فقال عليه السلام يا هاروني أما أنتم فتقولون: أول قطرة قطرت على وجه الارض حيث
قتل أحد ابني آدم صاحبه وليس كذلك ولكنه حيث طمثت حواء وذلك قبل أن تلد ابنيها،
وأما أنتم فتقولون أول عين فاضت على وجه الارض العين التي ببيت المقدس، وليس هو
كذلك ولكنها
(1) في المصدر: الكنانى. (2) في المصدر:
أي قطرة هي ؟ (3) في المصدر: أي عين هي ؟ (4) في المصدر: أي شجرة هي ؟
[40]
عين الحياة التي وقف عليها موسى وفتاه
ومعهما النون المالح فسقط فيها فحيي، وهذا الماء لا يصيب ميتا إلا حيي. وأما أنتم
فتقولون: أول شجر اهتز على وجه الارض الشجرة التي كانت منها سفينة نوح، وليس كذلك
ولكنها النخلة التي هبطت (1) من الجنة وهي العجوة، ومنها تفرع كل ما ترى من أنواع
النخل، فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، إني لاجد هذا في كتب أبي هارون عليه
السلام كتابة (2) يده وأملا عمي موسى عليه السلام (3). 5 - اكمال الدين: عن أبيه
ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، ومحمد بن يحيى العطار وأحمد بن إدريس جميعا عن
أحمد بن أبي عبد الله البرقي ويعقوب بن يزيد وإبراهيم بن هاشم جميعا عن الحسن بن
علي بن فضال، عن أيمن ابن محرز، عن محمد بن سماعة، عن إبراهيم بن أبي يحيى المدني،
عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، إلا أنه قال: قال اليهودي: أخبرني عن أول شجرة
نبتت على وجه الارض، وعن أول عين نبعت على وجه الارض وعن أول حجر وضع على وجه
الارض، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما أول شجرة نبتت على وجه الارض فإن
اليهود يزعمون أنها الزيتونة وكذبوا، وإنما هي النخلة من العجوة هبط بها آدم عليه
السلام معه من الجنة فغرسها وأصل النخلة كلة منها. وأما أول عين نبعت على وجه الارض
فإن اليهود يزعمون أنها العين التي ببيت المقدس وتحت الحجر وكذبوا، هي عين الحياة
التي ما انتهى إليها أحد إلا حيي، وكان الخضر على مقدمة ذي القرنين فطلب عين الحياة
فوجدها الخضر عليه السلام وشرب منها ولم يجدها ذو القرنين. وأما أول حجر وضع على
وجه الارض فإن اليهود يزعمون أنه الحجر الذي ببيت المقدس وكذبوا، إنما هو الحجر
الاسود هبط به آدم عليه السلام معه من الجنة فوضعه في الركن، والناس يستلمونه وكان
أشد بياضا من الثلج فاسود من خطايا بني آدم.
(1) في المصدر: اهبطت. (2) كتابته بيده
(خ) (3) اعلام الورى: 368.
[41]
اقول: الخبران طويلان أوردتهما بأسانيدهما
في باب نص أمير المؤمنين عليه السلام على الاثني عشر عليهم السلام في المجلد
التاسع. كتاب الاقاليم والبلدان والانهار: للفرات فضائل كثيرة: 6 - روي أن أربعة من
أنهار الجنة: سيحون وجيحون والنيل والفرات. 7 - وعن علي عليه السلام قال: يا أهل
الكوفة نهركم هذا ينصب إليه ميزابان من الجنة. 8 - وروي عن جعفر الصادق عليه السلام
أنه شرب من ماء الفرات ثم استزاد وحمد الله تعالى، قال: ما أعظم بركته لو علم الناس
ما فيه من البركة لضربوا على حافتيه القباب ما انغمس فيه ذو عاهة إلا برئ. وعن
السدي أن الفرات مد في زمن عمر فألقى رمانة عظيمة منها كرمان الحب فأمر المسلمين أن
يقسموها بينهم، فكانوا يزعمون أنها من الجنة. 9 - وقال: قال رسول الله صلى الله
عليه واله: النيل يخرج من الجنة ولو التمستم فيه حين يخرج لوجدتم من ورقها. وقال في
وصف بعض البحار نقلا عن صاحب كتاب عجائب الاخبار: هذا البحر فيه طائر مكرم لابويه،
فإنهما إذا كبرا وعجزا عن القيام بأمر أنفسهما، يجتمع عليهما فرخان من فراخهما
فيحملانهما على ظهورهما إلى مكان حصين، ويبنيان لهما عشا ويتعاهدانهما الزاد والماء
إلى أن يموتا، فإن مات الفرخان قبلهما يأتي إليهما فرخان آخران من فراخهما ويفعلان
بهما كما فعل الفرخان الاولان، وهلم جرا وهذا دأبهما. 10 - قرب الاسناد: عن السندي
بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه (1) عليهم السلام قال: " يخرج منهما
اللؤلؤ والمرجان " قال: من ماء السماء ومن ماء البحر، فإذا امطرت ففتحت (2) الاصداف
أفواهها في البحر، فيقع فيها من ماء المطر
(1) في المصدر: عن على عليه السلام. (2)
في المصدر: فتحت.
[42]
فتخلق اللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة،
واللؤلؤة الكبيرة من القطرة الكبيرة (1). 11 - كامل الزيارة: عن أبيه، عن الحسن بن
متيل (2)، عن عمران بن موسى عن الجاموراني، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه،
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نهران مؤمنان، ونهران كافران، نهران
كافران نهر بلخ ودجلة، و المؤمنان نيل مصر والفرات، فحنكوا أولادكم بماء الفرات.
بيان: قال الجزري في النهاية: فيه " نهران مؤمنان ونهران كافران، أما المؤمنان
فالنيل والفرات، وأما الكافران فدجلة ونهر بلخ " جعلهما مؤمنين على التشبيه لانهما
يفيضان على الارض فيسقيان الحرث بلا مؤنة، وجعل الآخرين كافرين لانهما لا يسقيان
ولا ينتفع بهما إلا بمؤنة وكلفة، فهذان في الخير والنفع كالمؤمنين، وهذان في قلة
النفع كالكافرين (انتهى). وأقول: ربما يومئ التفريع بقوله " فحنكوا " إلى أن المراد
أن للاولين مدخلا في الايمان وللآخرين (3) في الكفر وهو في الفرات ظاهر كما عرفت،
وأما في النيل فلعل شقاوة أهله لسوء تربة مصر كما ورد في الاخبار فلو جرى في غيره
لم يكن كذلك، ونهر بلغ هو نهر جيحون. وقال البرجندي: ويخرج عموده من حدود " بدخشان
" من موضع طوله أربع وتسعون درجة وعرضه سبع وثلاثون درجة ثم يجتمع معه أنهار كثيرة
ويذهب إلى جهة المغرب والشمال إلى حدود بلخ ثم يجاوزه إلى " ترمد " ثم يذهب إلى
المغرب والجنوب إلى ولاية " زم " (4) وطوله تسع وثمانون درجة وعرضه سبع وثلاثون، ثم
يمر إلى المغرب والشمال إلى موضع
(1) قرب الاسناد: 85 (2) بفتح الميم
وتشديد التاء المثناة من فوق وسكون الياء المثناة من تحت على ما ضبطه العلامة في
الخلاصة والايضاح، وحكى عن ابن داود ضم الميم وفتح التاء المشددة. قال النجاشي
الحسن بن متيل وجه من وجوه أصحابنا كثير الحديث، وصحح العلامة حديثه، وتصحيح حديثه
لا يقصر عن توثيقه. (3) الاخيرين (خ). (4) بفتح الزاى وتشديد الميم، بليدة على طريق
جيحون بين ترمذ وآمل (مراصد الاطلاع).
[43]
طوله ثمان وثمانون درجة وعرضه تسع
وثلاثون، ثم يمر إلى أن ينصب (1) في بحيرة خوارزم. ونهر دجلة مشهور ويخرج من بلاد
الروم من شمال " ميارقين " (2) من تحت حصار ذي القرنين، ويذهب من جهة الشمال
والمغرب إلى جهة الجنوب والمشرق ويمر بمدينة " آمد " والموصل وسر من رأى وبغداد ثم
إلى " واسط " ثم ينصب في بحر فارس. 12 - العياشي: عن إبراهيم بن أبي العلا، عن غير
واحد، عن أحدهما عليهما السلام قال: لما قال الله " يا أرض ابلعي ماءك وياسماء
أقلعي " قال الارض: إنما امرت أن أبلع مائي أنا فقط، ولم اومر أن أبلع ماء السماء،
قال: فبلعت الارض ماءها وبقي ماء السماء فصير بحرا حول الدنيا. 13 - الكافي: عن
محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان وعلي بن إبراهيم عن أبيه، جميعا عن ابن أبي
عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن جبرئيل عليه السلام
كرى برجله خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه: الفرات ودجلة ونيل مصر ومهران ونهر بلخ،
فما سقت أو سقي منها فللامام. والبحر المطيف بالدنيا (3). بيان: قال البرجندي: نهر
مهران هو نهر السند يمر أولا في ناحية " ملتان " ثم يميل إلى الجنوب ويمر بالمنصورة
ثم يمر حتى ينصب في بحر " ديبل " من جانب المشرق، وهو نهر عظيم وماؤه في غاية
العذوبة وشبيه بنيل مصر ويكون فيه التمساح كالنيل، وقيل: إذا وصل إلى موضع طوله مأة
وسبع درجات وعرضه ثلاث وعشرون درجة ينقسم إلى شعبتين، ينصب إحداهما في بحر الهند
والاخرى تمر وتنصب فيه بعد مسافة أيضا. " فما سقت " أي بأنفسها " أو سقي منها " أي
سقى الناس منها. وهذا الخبر رواه في الفقيه بسند صحيح عن أبي البختري (4) وزاد في
آخره
(1) في اكثر النسخ: يصب. (2) كذا: والظاهر
أنه مصحف " ميافارقين " اسم مدينة ببلاد الروم. (3) الكافي: ج 1، ص 409. (4)
الفقيه: 159.
[44]
" وهو أفسبكون " ولعله من الصدوق فصار
سببا للاشكال، لان " أفسبكون " معرب " آبسكون " وهو بحر الخزر، ويقال له: بحر جرجان
وبحر طبرستان وبحر مازندران، و طوله ثمانمأة ميل وعرضه ستمائة ميل، وينصب فيه أنهار
كثيرة منها نهر آتل (1) وهذا البحر غير محيط بالدنيا بل محاط بالارض من جميع
الجوانب ولا يتصل بالمحيط، و لعله إنما تكلف ذلك لانه لا يحصل من المحيط شئ وهو غير
مسلم. وقرأ بعض الافاضل المطيف - بضم الميم وسكون الطاء وفتح الياء - اسم مفعول أو
اسم مكان من الطواف ولا يخفى ضعفه فإن اسم المفعول منه مطاف بالضم أو مطوف، واسم
المكان كالاول أو مطاف بالفتح، وربما يقرأ " مطيف " بتشديد الياء المفتوحة، وهو
أيضا غير مستقيم لانه بالمعنى المشهور واوي فالمفعول من باب التفعيل مطوف، وأيضا
كان ينبغي أن يقال: المطيف به الدنيا، نعم قال في القاموس: طيف تطييفا وطوف: أكثر
الطواف (انتهى) لكن حمله على هذا أيضا يحتاج إلى تكلف شديد، وما في الكافي أظهر
وأصوب والمعنى: أن البحر المحيط بالدنيا أيضا للامام عليه السلام. 14 - نوادر
الراوندي: بإسناده عن أبي جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله
عليه واله: شر اليهود يهود بيسان، وشر النصارى نصارى نجران، وخير ماء نبع على وجه
الارض ماء زمزم، وشر ماء نبع على وجه الارض ماء برهوت، واد بحضرموت يرد عليه هام
الكفار وصداهم. بيان: في القاموس: بيسان قرية بالشام، وقرية بمرو، وموضع باليمامة.
ولعل الاول هنا أظهر، ونجران موضع باليمن. وفي النهاية: فيه " لا عدوى ولا هامة "
الهامة الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث وذلك أنهم كانوا يتشأمون بها وهي من
طير الليل، وقيل: هي البومة، وقيل: إن العرب كانت تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك
بثأره تصير هامة فتقول: اسقوني ! اسقوني ! فإذا أدرك بثأره طارت. و قيل: كانوا
يزعمون أن عظام الميت وقيل روحه تصير هامة فتطير ويسمونه " الصدى " فنفاه الاسلام
ونهاهم عنه. وفي القاموس: الصدى الجسد من الآدمي بعد موته، و
(1) آمل (خ).
[45]
طائر يخرج من رأس المقتول إذا بلي بزعم
الجاهلية. 15 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي: رفعه عن الاصبغ بن نباته
قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن أول شئ ضج على الارض، قال: واد باليمن هو
أول واد فار منه الماء. 16 - كتاب النوادر لعلي بن أسباط: عن عيسى بن عبد الله، عن
أبيه، عن جده قال: قال عليه السلام: لو عدل في الفرات لسقي (1) ما على الارض كله.
بيان: يحتمل أن يكون المراد بها الاراضي التي على شطه وبالقرب منه. 17 - الدر
المنثور: عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ماء
زمزم لما شرب له، من شربه لمرض شفاه الله، أو لجوع أشبعه الله، أو لحاجة قضاها
الله. قال الحكيم الترمذي: وحدثني أبي قال: دخلت الطواف في ليلة ظلماء فأخذني من
البول ما شغلني، فجعلت أعتصر حتى آذاني وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك
الاقذار وذلك أيام الحاج، فذكرت هذا الحديث، فدخلت زمزم فتبلعت منه فذهب عني إلى
الصباح (2). 18 - ومنه: عن ابن عباس " مرج البحرين " قال: أرسل البحرين " بينهما
برزخ " قال: حاجز " لا يبغيان " قال: لا يختلطان، وروي أيضا عنه قال: بحر السماء
وبحر الارض يلتقيان كل عام. " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، قال: إذا مطرت السماء
فتحت الاصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها من قطر السماء فهو اللؤلؤ (3). 19 -
وعن ابن جبير قال: إذا نزل القطر من السماء تفتحت له الاصداف فكان لؤلؤا (4). 20 -
وعن علي بن أبي طالب قال: المرجان عظام اللؤلؤ. وعن ابن عباس مثله (5).
(1) لاسقى (خ). (2) الدر المنثور: ج 3، ص
221. (3 - 5) الدر المنثور: ج 6، ص 142.
[46]
21 - وفي رواية اخرى عنه: المرجان اللؤلؤ
الصغار (1). 22 - وعن ابن مسعود: المرجان الخزر الاحمر (2). 23 - وعن عمير بن سعد
قال: كنا مع علي على شط الفرات فمرت سفينة فقرأ هذه الآية: " وله الجوار المنشئات
في البحر كالاعلام (3) ". 24 - مجمع البيان: روى مقاتل عن عكرمة وعن ابن عباس عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى أنزل من الجنة خمسة أنهار: سيحون وهو
نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات، وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر
مصر، أنزلها الله تعالى من عين واحدة وأجراها في الارض وجعل فيها منافع للناس في
أصناف معائشهم وذلك قوله " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض وإنا على
ذهاب به لقادرون (4) ". 25 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن
عبد الله بن أحمد عن علي بن النعمان، عن صالح بن حمزة، عن أبان بن مصعب، عن يونس بن
ظبيان أو المعلى بن خنيس قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: مالكم من هذه الانهار
(5) ؟ فتبسم وقال: إن الله تعالى بعث جبرئيل وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في
الارض منها: سيحان، وجيحان وهو نهر بلخ، والخشوع وهو نحر الشاش، ومهران وهو نهر
الهند، ونيل مصر، ودجلة، والفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا، وما كان لنا فهو
لشيعتنا وليس لعدونا منه شئ إلا ما غصب عليه، وإن ولينا لفي أوسع مما بين ذه إلى ذه
- يعني بين السماء والارض - ثم تلا هذه الآية " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا
" المغصوبين عليها " خالصة " لهم " يوم القيامة " بلا غصب. توضيح: لعل التبسم لاجل
" من " التبعيضية " يخرق " كينصر ويضرب أي
(1 و 2) الدر المنثور: ج 6 ص 142. (3)
الدر المنثور ج 6، ص 143. (4) مجمع البيان: ج 7، ص 102. (5) في المصدر: الارض.
[47]
يشق ويحفر، ومنهم من حمل الكلام على
الاستعارة التمثيلية لبيان أن حدوث الانهار ونحوها مستندة إلى قدرة الله تعالى ردا
على الفلاسفة الذين يسندونها إلى الطبائع، وفي أكثر النسخ هنا " جيحان " بالالف وفي
بعضها بالواو، وهو أصوب لما عرفت أن نهر بلخ بالواو، وعلى الاول إن كان التفسير من
بعض الرواة فيمكن أن يكون اشتباها منه، و لو كان من الامام عليه السلام وصح الضبط
كان الاشتباه من اللغويين. و " الشاش " بلد بما وراء النهر كما في القاموس ونهره
على ما ذكره البرجندي بقدر ثلثي الجيحون، ومنبعه من بلاد الترك من موضع عرضه اثنتان
وأربعون درجة وطوله إحدى وسبعون درجة ويمر إلى المغرب مائلا إلى الجنوب إلى خجند ثم
إلى فاراب ثم ينصب في بحيرة خوارزم، وتسميته بالخشوع غير مذكور فيما رأينا من كتب
اللغة وغيرها " فما سقت " أي سقته من الاشجار والاراضي والزروع " أو استقت " أي
منه، أي أخذت الانهار منه وهو بحر المطيف بالدنيا أو بحر السماء، فالمقصود أن أصلها
وفرعها لنا، أو ضمير " استقت " راجع إلى " ما " باعتبار تأنيث معناه، والتقدير:
استقت منها، وضمير " منها " المقدر للانهار، فالمراد بما سقت ما جرت عليها من غير
عمل، وبما استقت ما شرب منها بعمل كالدولاب وشبهه، ونسبة الاستسقاء (1) إليها على
المجاز، كذا خطر بالبال وهو أظهر. وقيل: ضمير " استقت " راجع إلى الانهار على
الاسناد المجازي لان الاستقاء فعل لمن يخرج الماء منها بالحفر والدولاب. يقال:
استقيت من البئر أي أخرجت الماء منها. وبالجملة يعتبر في الاستقاء ما لا يعتبر في
السقي من الكسب والمبالغة في الاعتمال " إلا ما غصب عليه " على بناء المعلوم
والضمير للعدو أي غصبنا عليه أو على بناء المجهول أي إلا شئ صار مغصوبا عليه، يقال
غصبه على الشئ أي قهره، و الاستثناء منقطع إن كان اللام للاستحقاق، وإن كان
للانتفاع فالاستثناء متصل و " ذه " إشارة إلى المؤنث أصلها ذي قلبت الياء هاء "
المغصوبين عليها " الحاصل أن " خالصة " حال مقدرة من قبيل قولهم: جاءني زيد صائدا
صقره غدا. قال في مجمع البيان: قال ابن عباس يعني أن المؤمنين يشاركون المشركين في
الطيبات في الدنيا ثم يخلص الله
(1) الاستقاء (ظ).
[48]
الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس
للمشركين فيها شئ (1) (انتهى). ثم اعلم أنه عليه السلام ذكر في الاول ثمانية وإنما
ذكر في التفصيل سبعة، فيحتمل أن يكون ترك واحدا منها لانه لم يكن في مقام تفصيل
الجميع بل قال: منها سيحان - الخبر - وقيل: لما كان سيحان اسما لنهرين: نهر بالشام،
ونهر بالبصرة، أراد هنا كليهما، من قبيل استعمال المشترك في معنييه، وهو بعيد،
ولعله سقط واحد منها من الرواة، وكأنه كان " جيحان وجيحون " فظن بعض النساخ والرواة
زيادة أحدهما فأسقطه وحينئذ يستقيم التفسير أيضا. فائدة: قال: النيسابوري في تفسير
قوله تعالى " والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ": قد سلف أن الماء المحيط
(2) بأكثر جوانب القدر المعمور من الارض فذلك هو البحر المحيط، وقد دخل في ذلك
الماء من جانب الجنوب متصلا بالمحيط الشرقي ومنقطعا عن الغربي إلى وسط العمارة
أربعة خليجات: الاول إذا ابتدأ من المغرب الخليج البربري لكونه في حدود بربر من أرض
الحبشة، طوله من الجنوب إلى الشمال مأة وستون فرسخا وعرضه خمسة وثلاثون فرسخا، وعلى
ضلعه الغربي بلاد كفار الحبشة وبعض الزنج، وعلى الشرقي بلاد مسلمي الحبشة. والثاني
الخليج الاحمر، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخا وعرضه بقرب منتهاه
ستون فرسخا، وبين طرفه وفسطاط مصر الذي على شرق النيل مسيرة ثلاثة أيام على البر،
وعلى ضلعه الغربي بعض بلاد البربر وبعض بلاد الحبشة، وعلى ضلعه الشرقي سواحل عليها
فرضة مدينة الرسول صلى الله عليه وآله لقوافل مصر والحبشة إلى الحجاز ثم سواحل
اليمن ثم عدن على الذوابة الشرقية منه. الثالث: خليج فارس، طوله من الجنوب إلى
الشمال أربعمائة وستون فرسخا، وعرضه قريب من مائة وثمانين فرسخا، وعلى سواحل ضلعه
الغربي بلاد عمان، ولهذا ينسب البحر هناك إليها، وجملة ولاية العرب وأحيائهم من
الحجاز واليمن والطائف وغيرها وبواديهم بين الضلع الغربي من هذا
(1) مجمع البيان: ج 4، ص 413. (2) محيط
(ظ).
[49]
البحر والشرقي من الخليج الاحمر، فلهذا
سميت العمارة الواقعة بينهما جزيرة العرب وفيها مكة - زادها الله شرفا - وعلى سواحل
ضلعه الشرقي بلاد فارس، ثم هرموز ثم مكران، ثم سواحل السند. الرابع الخليج الاخضر
مثلث الشكل آخذ من الجنوب إلى الشمال، ضلعه الشرقي بلاد فارس، ثم هرموز، ثم مكران
متصل بالمحيط الشرقي وضلعه الغربي خمسمائة فرسخ تقريبا وعلى سواحل هذا الضلع ولايات
الصين، ولهذا يسمى بحر الصين، ومن زاويته الغربية إلي زاوية من بحر فارس يسمى بحر
الهند لكون بعض ولايتهم على سواحله. وأيضا فقد دخل إلى العمارة من جانب الغرب خليج
عظيم يمر من جانب الجنوب على كثير من بلاد المغرب ويحاذي أرض السودان وينتهي إلى
بلاد مصر والشام، ومن جانب الشمال على بلاد الروس والجلالقة والصقالبة إلى بلاد
الروم [والشام] ويتشعب منه شعبة من شمال أرض الصقالبة إلى أرض مسلمي " بلغار " يسمى
بحر " ورنك " طوله المعلوم مائة فرسخ وعرضه ثلاث وثلاثون وإذا جاوز تلك النواحي
امتد نحو المشرق عما وراء جبال غير مسلوكة وأرض غير مسكونة، وتتشعب (1) منه أيضا
شعبة يسمى بحر طرابزون. فهذه هي البحار المتصلة بالمحيط، وأما غير المتصلة فأعظمها
بحر طبرستان وجيلان وباب الابواب والخزر وأبسيكون (2)، لكون هذه الولايات على
سواحله مستطيل الشكل آخذ من المشرق إلى المغرب بأكثر من مأتين وخمسين فرسخا، ومن
الجنوب إلى الشمال بقرب من مأتين. ومن عجائب البحار الحيوانات المختلفة الاعظام
والانواع والاصناف، ومنها الجزائر الواقعة فيها، فقد يقال في بحر الهند من الجزائر
العامرة ألف وثلاثمأة وسبعون منها جزيرة عظيمة في أقصى البحر مقابل أرض الهند في
ناحية المشرق، وعند بلاد الصين تسمى جزيرة سرانديب (3) دورها ثلاثة آلاف ميل فيها
جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الاحمر، وحول هذه الجزيرة تسع عشرة
جزيرة عامرة فيها مدائن
(1) تنشعب (خ). (2) آبسكون (خ). (3)
سرنديب (خ).
[50]
وقرى كثيرة، ومن جزائر هذا البحر جزيرة "
كله " التي يجلب منها الرصاص القلعي وجزيرة " سريرة " التي يجلب منها الكافور،
وغرائب البحر كثيرة ولهذا قيل: حدث عن البحر ولا حرج. وسئل بعض العقلاء: ما رأيت من
عجائب البحر ؟ قال: سلامتي منه. تتمة: قالت الحكماء في سبب انفجار العيون من الارض:
إن البخار إذا احتبس في داخل من الارض لما فيها من ثقب وفرج يميل إلى جهة فيبرد بها
فينقلب مياها مختلطة بأجزاء بخارية، فإذا كثر لوصول مدد متدافع إليه بحيث لا تسعه
الارض أوجب انشقاق الارض وانفجرت منها العيون، أما الجارية على الولاء فهي إما لدفع
تاليها سابقها، أو لانجذابه إليه لضرورة عدم الخلاء بأن يكون البخار الذي انقلب ماء
وفاض إلى وجه الارض ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه لئلا يكون خلاء فينقلب هو أيضا
ماء ويفيض وهكذا استتبع كل جزء منه جزء آخر. وأما العيون الراكدة فهي حادثة من
أبخرة لم تبلغ من كثرة موادها وقوتها أن يحصل منها معاونة شديدة، أو يدفع اللاحق
السابق. وأما مياه القنى (1) والآبار فهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة عن أن يشق
الارض، فإذا ازيل ثقل الارض عن وجهها صادفت منفذا تندفع إليه بأدنى حركة، فإن لم
يجعل هناك مسيل فهو البئر، وإن جعل فهو القناة، ونسبة القنى إلى الآبار كنسبة
العيون السيالة إلى الراكدة، ويمكن أن تكون هذه المياه متولدة - كما قاله أبو -
البركات البغدادي - من أجزاء مائية متولدة من أجزاء متفرقة في ثقب أعماق الارض
ومنافذها إذا اجتمعت، بل هذا أولى لكون مياه العيون والآبار والقنوات تزيد بزيادة
الثلوج والامطار. قال الشيخ في النجاة: وهذه الابخرة إذا انبعثت عيونا أمدت البحار
بصب الانهار إليها، ثم ارتفع من البحار والبطائح والانهار وبطون الجبال خاصة أبخرة
اخرى ثم قطرت ثانيا إليها فقامت بدل ما يتحلل منها على الدور دائما.
(1) القنى والقناء - بكسر القاف فيهما -:
جمع القناة، وهى ما يحفر من الارض ليجرى فيها الماء.
[51]
(31) (باب) * (الارض وكيفيتها وما أعد
الله للناس فيها وجوامع أحوال) * * (العناصر وما تحت الارضين) * الآيات: البقرة: يا
أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الارض
فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا
لله أندادا وأنتم تعلمون (1). الرعد: وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وأنهارا
ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم
يتفكرون وفي الارض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى
بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. ابراهيم:
الله الذي خلق السماوات والارض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم
وسخر الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الانهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين
وسخر لكم الليل والنهار وآتيكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن
الانسان لظلوم كفار (3). الحجر: والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من
كل شئ موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (4). النحل: هو الذي أنزل
من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون
(1) البقرة: 21 - 22. (2) الرعد: 3 - 4.
(3) ابراهيم: 32 - 34. (4) الحجر: 19 - 20.
[52]
ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل
والاعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وسخر لكم الليل والنهار
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون وما ذرأ لكم في
الارض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه
لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله
ولعلكم تشكرون وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون
وعلامات وبالنجم هم يهتدون - إلى قوله تعالى - وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن
الله لغفور رحيم (1). الكهف: إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن
عملا (2). طه: له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى (3). وقال
تعالى: الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به
أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لاولي النهى منها خلقناكم
وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى (4). الانبياء: وجعلنا في الارض رواسي أن تميد
بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (5). الشعراء: أو لم يروا إلى الارض كم
أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (6). وقال تعالى.
أتتركون فيما ههنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال
بيوتا فارهين (7).
(1) النحل: 10 - 18. (2) الكهف: 7. (3)
طه: 6. (4) طه: 53 - 55. (5) الانبياء: 31. (6) الشعراء: 7 - 8. (7) الشعراء: 144 -
149.
[53]
النمل: أم من خلق السموات والارض وأنزل
لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرهاءإله مع
الله بل هم قوم يعدلون أم من جعل الارض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي
وجعل بين البحرين حاجزاءإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (1). لقمان: خلق السماوات
بغير عمد ترونها وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من
السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من
دونه بل الظالمون في ضلال مبين (2). فاطر: ألم تر أن الله أنزل من السما ماء
فأخرجنا به ثمرات مخلتفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب
سود ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء
إن الله عزيز غفور (3). يس: وآية لهم الارض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه
يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما
عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم
ومما لا يعلمون (4). المؤمن: الله الذي جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء (5).
السجدة: ومن آياته أنك ترى الارض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي
أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شئ قدير (6). حمعسق: ومن آياته خلق السموات والارض
وما بث فيهما من دابة وهو على
(1) النمل: 60 - 61. (2) لقمان: 10 - 11.
(3) فاطر: 27 - 28. (4) يس: 33 - 36. (5) المؤمن: 64. (6) فصلت: 39.
[54]
جمعهم إذا يشاء قدير (1). الزخرف: الذي
جعل لكم الارض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (2). الجاثية: وسخر لكم ما في
السموات وما في الارض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3). ق: والارض
مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب
(4). الذاريات: والارض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون
(5). الرحمن: والارض وضعها للانام فيها فاكهة والنخل ذات الاكمام والحب ذو العصف
والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان (6). الحديد: اعلموا أن الله يحيي الارض بعد موتها
قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون (7). الطلاق: الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض
مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ
علما (8). الملك: هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه
وإليه النشور (9).
(1) الشورى: 29. (2) الزخرف: 10. (3)
الجاثية: 13. (4) ق: 7 - 8. (5) الذاريات: 48 - 49. (6) الرحمن: 10 - 13. (7)
الحديد: 17. (8) الطلاق: 12. (9) الملك: 15.
[55]
نوح: والله جعل لكم الارض بساطا لتسلكوا
منها سبلا فجاجا (1). المرسلات: ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا وجعلنا فيها
رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ويل يومئذ للمكذبين (2). النبأ: ألم نجعل الارض
مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا
وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من
المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات الفافا (3). الطارق: والارض ذات
الصدع (4). الغاشية: أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى
الجبال كيف نصبت وإلى الارض كيف سطحت (5). الشمس: والارض وما طحيها (6). تفسير: "
الذي خلقكم " قيل: إنه تعالى عدد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل اثنين من الانفس،
وهما خلقهم وخلق اصولهم، وثلاثة من الآفاق: بجعل الارض فراشا، والسماء بناء،
والامور الحاصلة من مجموعهما، وهي إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات بسببه،
وسبب هذا الترتيب ظاهر، لان أقرب الاشياء إلى الانسان نفسه، ثم مأمنه ومنشأه وأصله،
ثم الارض التي هي مكانه ومستقره يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على
فراشه، ثم السماء التي كالقبة المضروبة والخيمة المبنية على هذا القرار، ثم ما يحصل
من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة من إنزال الماء عليها والاخراج به من بطنها
أشباه النسل من الحيوان ألوان الغذاء
(1) نوح: 19 - 20. (2) المرسلات: 25 - 28.
(3) النبأ: 6 - 16. (4) الطارق: 12. (5) الغاشية: 17 - 20 (6) الشمس: 6.
[56]
وأنواع الثمار رزقا لبني آدم. وأيضا خلق
المكلفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم وأما خلق الارض والسماء فذاك إنما ينتفع به
بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، وذكر الاصول مقدم على ذكر الفروع. وأيضا
كل ما كان في السماء والارض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الانسان بزيادة
الحياة والقدرة والشهوة والعقل، ولما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في
الذكر أهم. والفراش: اسم لما يفرش كالبساط لما يبسط، وليس من ضرورات الافتراش أن
يكون سطحا مستويا كالفراش على ما ظن، فسواء كانت كذلك وعلى شكل الكرة فالافتراش غير
مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها، ولكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم
تكن ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الافلاك، لان الاثقال بالطبع تميل إلى تحت كما
أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت ما
يلي المركز، فكما أنه يستبعد حركة الارض في ما يلينا إلى جهة السماء فكذلك يستبعد
هبوطها في مقابلة ذلك، لان ذلك الهبوط صعود أيضا إلى السماء فإذن لا حاجة في سكون
الارض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك
ما أعطاها خالقها، وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته واختياره "
إن الله يمسك السماوات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ".
ومما من الله على عباده في خلق الارض أن لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر ولا في
غاية اللين والانغمار كالماء، ليسهل النوم والمشي عليها، وأمكنت الزراعة واتخاذ
الابنية منها، ويتأتى حفر الآبار وإجراء الانهار. ومنها أن لم تخلق في نهاية
اللطافة والشفيف لتستقر الانوار عليها وتتسخن منها فيمكن جوازها (1). ومنها أن جعلت
بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيه لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها،
وسبب انكشاف ما برز منها - وهو قريب من ربعها - أن لم تخلق صحيحة الاستدارة، بل
خلقت هي والماء بمنزلة كرة واحدة، يدل على ذلك في ما بين الخافقين
(1) جوارها (خ)
[57]
تقدم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقيين على
طلوعها وغروبها للمغربيين، وفي ما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر
وانحطاط الخفي للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركب الاختلافين
لمن يسير على سمت بين السمتين، إلى غير ذلك من الاعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في
ذلك راكب البر و راكب البحر، وهذه الجبال وإن شمخت لا تخرجها عن أصل الاستدارة،
لانها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها. ومنها الاشياء
المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية، ولا يعلم
تفاصيلها إلا موجدها، ومنها اختلاف بقاعها في الرخاوة والصلابة والدماثة والوعورة
بحسب اختلاف الحاجات والاغراض " وفي الارض قطع متجاورات " ومنها اختلاف ألوانها "
ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ". ومنها انصداعها بالنبات "
والارض ذات الصدع ". ومنها جذبها للماء المنزل من السماء " وأنزلنا من السماء ماء
بقدر فأسكناه في الارض ". ومنها العيون والانهار العظام التي فيها " والارض مددناها
" ومنها أن لها طبع الكرم والسماحة، تأخذ واحدة وترد سبعمائة " كمثل حبة أنبتت سبع
سنابل في كل سنبلة مائة حبة " ومنها حياتها وموتها " وآية لهم الارض الميتة
أحييناها " ومنها الدواب المختلفة " وبث فيها من كل دابة " ومنها النباتات المتنوعة
" وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج " فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف طعومها دلالة،
واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر ومنها قوت البهائم " كلوا وارعوا أنعامكم "
ومنها الطعام، ومنها الادام، ومنها الدواء ومنها الفواكه، ومنها كسوة البشر نباتية
كالقطن والكتان، وحيوانية كالشعر والصوف والابريسم والجلود، ومنها الاحجار المختلفة
بعضها للزينة وبعضها للابنية، فانظر إلى الحجر الذي تستخرج منه النار مع كثرته،
وانظر إلى الياقوت الاحمر مع عزته وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير، وقلة النفع
بهذا الخطير، ومنها ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضة. ثم
تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة، والصنائع الجليلة، واستخرجوا
[58]
السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من
أوج الهواء، وعجزوا عن اتخاذ الذهب والفضة، والسبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى
الثمنية، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة، والقدرة على اتخاذهما تبطل هذه
الحكمة، فلذلك ضرب الله دونهما بابا مسدودا، ومن ههنا اشتهر في الالسنة: من طلب
المال بالكيمياء أفلس. ومنها ما يوجد على الجبال والاراضي من الاشجار الصالحة
للبناء والسقف والحطب، وما اشتد إليه الحاجة في الخبز والطبخ، ولعل ما تركناه من
الفوائد أكثر مما عددناه، فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبر
حكيم ومقدر عليم إن كان ممن يسمع ويبصر ويعتبر. واما منافع السماء: فان الله تعالى
زينها بمصابيح " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح " وبالقمر " وجعل القمر فيهن نورا
" وبالشمس " وجعل الشمس سراجا " وبالعرش " رب العرش العظيم " وبالكرسي " وسع كرسيه
السماوات والارض " وباللوح " في لوح محفوظ " وبالقلم " ن والقلم وما يسطرون ".
وسماها سقفا محفوظا وسبعا طباقا، وسبعا شدادا، وذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة،
وغايات صحيحة " ربنا ما خلقت هذا باطلا " " وما خلقنا السماء والارض وما بينهما
باطلا ذلك ظن الذين كفروا " وجعلها مصعد الاعمال ومهبط الانوار، وقبلة الدعاء، ومحل
الضياء والصفاء، وجعل لونها أنفع الالوان وهو المستنير، وشكلها أفضل الاشكال وهو
المستدير ونجومها رجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقيض
للشمس طلوعا وسهل معه التقلب لقضاء الاوطار في الاطراف، وغروبا يصلح معه الهدء
والقرار في الاكناف، لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى
الاعضاء. و أيضا لولا الطلوع لا نجمدت المياه، وغلبت البرودة والكثافة، وأفضت إلى
جمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها، ولولا الغروب لحميت الارض حتى يحترق كل من
عليها من حيوان ونبات، فهي بمنزلة السراج يوضع لاهل بيت بمقدار حاجتهم، ثم يرفع
عنهم ليستقروا ويستريحوا، فصار النور والظلمة مع تضادهما متظاهرين على ما فيه صلاح
قطان الارض.
[59]
وأما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله
الله تعالى سببا لاقامة الفصول الاربعة ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات
فيتولد منه مواد الثمار، ويستكثف الهواء فيكثر السحاب والمطر. وتقوى أبدان
الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن، وفي الربيع تتحرك الطبائع،
وتظهر المواد المتولدة في الشتاء وينور الشجر، ويهيج الحيوان للسفاد. وفي الصيف
يحتدم الهواء فتنضج الثمار، و تتحلل فضول الابدان، ويجف وجه الارض ويتهيأ للعمارة
والزراعة. وفي الخريف يظهر البرد واليبس فتدرك الثمار، وتستعد الابدان قليلا قليلا
للشتاء. وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها، وبه يعلم عدد السنين والحساب، وتضبط
المواقيت الشرع